حملت الزيارة الخاطفة والسريعة للرئيس الامريكي بيل كلينتون والتي قام بها لسلطنة عمان ليلة امس دلالات وابعاداً سياسية عميقة وبعيدة ومتجاوزة (للعلاقات التقليدية) التي تربط بين سلطنة عمان والولايات المتحدة الامريكية والتي تعود الى اكثر من 160 عاماً عندما كانت عمان اول بلد عربي يقيم علاقات دبلوماسية عبر سفارتها التاريخية التي قادها اول سفير عربي الى العالم الجديد (احمد بن نعمان) . ولعل افضل وصف لهذه الزيارة بأنها كانت زيارة غير عادية ليس لقصرها حيث لم تستمر سوى ساعتين لم يفارق خلالهما كلينتون ارض المطار, وانما لأهمية وخطورة الفاصلة الزمنية (التاريخية) التي جاء توقيت الزيارة فيها, حيث جاءت (ساعتا مسقط) وحوار (قابوس كلينتون) بعد ساعات طويلة ومرهقة صرفها الرئيس الامريكي متنقلاً بين ما وصفه بأخطر المناطق في العالم وهي شبه القارة الهندية (الهند وباكستان وبنجلاديش) وبين ساعات ربما اقصر من ساعات شبه القارة الهندية ولكنها سوف لن تقل عنها صعوبة وخطورة بالنسبة للعالم وللوطن العربي, وهي الساعات التي سبقت لقاء كلينتون والرئيس السوري حافظ الأسد في جنيف (امس) , الاسد الذي تصنفه الدوائر السياسية الغربية بوصفه اكثر الرؤساء العرب صعوبة وتماسكاً في التفاوض فهل كانت (مسقط) محطة استراحة والتقاط الانفاس لرئيس الدولة التي تحاول اعادة صياغة العالم وفق هواها ووفق هوى سياسة امريكية انهكتها الصراعات الخارجية التي لا ناقة لها فيها ولا جمل سوى فرض السيادة, باللين وبالقوة معا وفي آن واحد احيانا, فقررت العمل على (تجفيف) منابع التوتر والصراعات في العالم وترميم او وقف التشققات والانهيارات والتضعضعات التي تتعرض لها سدود الانسانية بسبب الحروب العسكرية وحروب القمع والتسلط وغياب الديمقراطيات وبسبب حروب الجهل والتخلف والفقر والتي وجد (الانكل سام) نفسه متورطاً فيها لأنه اراد ان يكون وصياً عليها. هل كانت مسقط محطة استراحة والتقاط أنفاس ام كانت محطة لاعادة ترتيب الافكار واعادة تركيبها, الافكار التي تداخلت فيها الاوراق, اوراق السلام في آسيا, (اسيا الهندية الباكستانية, وآسيا السورية الاسرائيلية) . لعل مسقط القريبة جغرافياً من الهند وباكستان والقريبة وجداناً ولغة وتاريخاً وعروبة من سوريا, لعلها العاصمة الاكثر هدوءاً والاكثر وضوحاً في رؤيتها ورؤية قيادتها الى ملف السلام الذي يحمله كلينتون في جولته هذه عبر ملزمتيه الآسيويتين والتي بمقدورها مساعدة واشنطن على فرز الاوراق واعادة ترتيبها وعلى الخروج من مناخ النزاع الهندي الباكستاني والدخول في مناخ الصراع العربي الاسرائيلي دخولاً يقرب (الراعي الامريكي) من منطق ومنطقة الحياد بين الاطراف وهي المنطقة التي لا يستطيع الامريكيون الوقوف فيها الا بدرجة ميل واضحة, تزيد او تقل, حسب نوع الطرف الآخر وحسب ظرف المرحلة, والطرف السوري كما يعرف الامريكيون والعمانيون ليس طرفاً سهلاً وليس عادياً, لهذا السبب, ربما كان حرص واشنطن لان تكون مسقط المحطة الفاصلة في قلب انشغالات واشنطن القلقة من خطر نشوب صراع نووي بين الهند وباكستان, على الاقل صراع في التسلح ان لم يكن في المواجهة والراغبة على الوجهة الاخرى وبصدق, على ما يبدو في انهاء صراع الخمسين عاماً الدائر في المنطقة العربية بسبب اسرائيل, ولهذا السبب فإن زيارة كلينتون السريعة والخاطفة لمسقط هي زيارة غير عادية بالمرة وتحمل دلالات عميقة وهامة بالنسبة للعمانيين الذين كانوا دائماً الصوت الاكثر حكمة وهدوءاً عند الازمات التي شهدتها المنطقة, زيارة تكرس مسقط باعتبارها احدى عواصم السلام الأساسية في العالم. كان اللقاء الذي جمع السلطان قابوس وكلينتون في قاعة التشريفات بالمطار السلطاني الخاص في احدى ضواحي مسقط والذي استمر حوالي الساعة والنصف والذي لم يحضره سوى عدد محدود من المسئولين من الطرفين, كان مفتوحاً وحيوياً, حسبما استنتجنا من تصريحات يوسف بن علوي بن عبدالله الذي شارك في المباحثات وخرج متفائلاً بأن حلاً سلمياً حقيقياً ممكناً قد يتحقق قريباً يخرج المنطقة من دائرة الحروب والصراعات لتدخل دائرة التنمية والسلام والديمقراطية. (لقد كانت زيارة تاريخية بكل المعاني) بهذه العبارة وصف ابن علوي زيارة كلينتون للسلطنة. مسقط محمد اليحيائي