هكذا وقع عريقات في حب الكلمات سأل أبو مازن صديقه أحمد الطيبي عن (دودي جولد) ومن يكون؟ فقد اتصل به باسم رئيس الحكومة الجديد لكي يبدأ أول علاقة له بياسر عرفات. بدأ الإحساس بالتردد يعتري بنيامين نتانياهو في صباح اليوم الأول بعد الانتخابات فقد أجرى اتصالين هاتفيين بالرئيس المصري حسني مبارك والعاهل الأردني الراحل الملك حسين ولم يفعل الأمر نفسه مع عرفات, الاتصال المباشر بعرفات بالنسبة لنتانياهو ولنا نحن أعضاء طاقمه المقرب رجال الليكود يعتبر بمثابة قرص دواء مر وعلقم من الصعب جدا ابتلاعه, لقد تخبط نتانياهو كثيراً وكانت نصيحتي له بأن يفصل بين العلاقة مع السلطة الفلسطينية من جهة وبين مصر والأردن من جهة أخرى, فعرفات ليس رئيس دولة والمنظمة هي طرف تم فرضه علينا ضمن اتفاق وقعته حكومة رابين كما أنه شريك سنضطر إلى إقامة علاقات معه ولكنه بالتأكيد ليس صديقاً ولا زميلاً وتجاهله بالمطلق أمر مستحيل, حيث ان التوتر كان عالياً لدى السلطة الفلسطينية من رئيس الحكومة الجديد, فقد كان من الضروري إقامة علاقة وحوار ولكن على المستوى والدرجة الملائمة مما يعني ألا تكون علاقة مباشرة, ولذلك تم اختيار دودي جولد للمهمة الأولى. كان من المقرر تعيين الدكتور جولد مستشاراً سياسياً لنتانياهو بعد وصوله من الولايات المتحدة ـ وكان من رجال اليمين القلائل المعترف بهم أما خبرته الأساسية, موضع التقدير والإعجاب, فإنها تتعلق بمجالات العلاقات الإستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة وأثناء فترات القحط أيام المعارضة ـ كان جولد يمثل حلقة الوصل بين نتانياهو والساحة الدولية فقد نظم ورتب له لقاءاته في واشنطن وجعل الولايات المتحدة بالنسبة له بمثابة البيت وكان جولد أيضا السبب الأول في قيام صلة بين نتانياهو والفلسطينيين. أمل اللقاء مع ان حديثه الأول مع (أبو مازن) اتسم بالإحراج نوعاً ما نظراً لكون أبو مازن لم يكن على معرفة مسبقة به إلا ان الاتفاق قد تم لترتيب لقاء بين الاثنين في أقرب وقت, وكان ذلك بمثابة كسر للجليد فهذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها مندوب مسئول من قبل رئيس الحكومة ومن الليكود بإقامة أول علاقة علنية ورسمية مع مسئول كبير في منظمة التحرير, لكن الذين راهنوا على تطور الأمر إلى علاقة ودية أو قريبة بين نتانياهو وعرفات, فشلوا في رهانهم ذلك ان أول لقاء بينهما عند حاجز إيريز جرى بعد شهور طويلة. أما دودي جولد فلم يتمكن من البقاء طويلاً في مكتب نتانياهو بسبب لكنته الأمريكية الثقيلة, التي جعلت خصومه يصفونه (بالنبتة الغريبة) هذا إضافة إلى ان علاقته بوزير الخارجية الاسرائيلي ديفيد ليفي كان يسودها التوتر الكبير, مما جعله يردد بين الحين والآخر (ماذا أفعل مع ليفي فأنا اشعر بأنني في مشكلة معه. وفي نهاية الأمر قرر نتانياهو إيفاده سفيراً لإسرائيل في الأمم المتحدة وقد وجد هناك فرصته أما أنا شخصياً فقد أسفت لمغادرته لأنني خسرت شريكاً ذكياً في مجال اللقاءات السياسية وخسرت صديقاً أيضاً. وتنافس على المنصب مع جولد الدكتور يوسي اولمرت شقيق رئيس بلدية القدس ايهود أولمرت من جانبي أشك بأنه يتمتع بمواهب كثيرة وقلت لنتانياهو ان بإمكانه ان يكون مندوباً ممتازاً في الأمم المتحدة في المجال الإعلامي بحكم عمله في مكتب الصحافة الحكومي وفهمه الجيد للعالم العربي لكن خصوم جولد حسموا الأمر بإبعاده من مكتب رئيس الحكومة. في أعقاب الاتصال الهاتفي الأول بين جولد و(أبو مازن) واللقاء الثنائي الذي تلاه كان لا بد من عنصر تقريب خارجي بين نتانياهو وعرفات وقد تولى هذه المهمة النرويجي لارسين وعقيلته منى يول وهما من طاقم وزير الخارجية النرويجي الراحل (هولست) ومن واضعي اتفاقيات أوسلو. كانت للزوجين علاقات قريبة مع عرفات و(أبو مازن) وكبار مسئولي السلطة الفلسطينية, وقد التقيا نتانياهو لأول مرة في السادس عشر من أغسطس 1996 وكانت توصيتهم له بانتداب شخصية إسرائيلية أمام أي مسئول مركزي فلسطيني في السلطة, فكانت إحدى الشخصيات المهمة إلى جانب عرفات وهو محمد رشيد المعروف بكنيته خالد سلام وكان قوياً في الجانب الاقتصادي لدى السلطة الفلسطينية ويبدو بأن عرفات لا يخرج خاسراً من صفقاته, توجه لارسين لنتانياهو وقال: الفلسطينيون يقدرون جداً سكرتير الحكومة داني نافيه لذا اقترح تعيينه حلقة وصل مع رشيد) . فخرجت عن إطار وقواعد الأدب وصرخت قائلاً: لست معنياً بأي شكل من الأشكال بإقامة علاقات مع ممول صفقات. وحتى نهاية حكومة نتانياهو لم يكن هناك من أجرى اتصالات أو أقام علاقات مع رشيد وربما كان هذا سبباً في خسارة إسرائيل لقدرة التأثير المعتدل على عرفات, بينما استخدمت حكومتا رابين وبيريز العلاقة مع رشيد من أجل التأثير على عرفات. فالقوة الاقتصادية منحته نفوذاً واسعاً لدى عرفات وتأثيراً على قراراته السياسية, استطاعت إسرائيل استغلال هذا الجانب, ومع ذلك كله شعرت بأنني تصرفت على النحو الصحيح. لارسين أخبر نتانياهو في ذلك اللقاء بأن عرفات يريد لقاءه ناصحاً نتانياهو بالموافقة لتحقيق الكثير, لكن الجواب كان بأن وقت اللقاء المباشر لم يحن بعد وأضاف بأن (جولد ومولخو ونافي يستمرون في اتصالاتهم ضمن قنواتهم, يكفي هذا في هذه المرحلة. وبهذا اللقاء بين لارسين ونتانياهو تبدد الأمل بعقد اللقاء الأول بينه وبين عرفات. أما مولخو فهو مبعوثه الشخصي إلى عرفات وهو صاحب مكتب محاماة ناجح ومن عائلة شرقية تعتبر من العائلات المقدسية الأصيلة, وهما في الوقت نفسه أبناء عم نتانياهو, مولخو رجل حاد التفكير وله خبرة في المفاوضات وقدرة على الإقناع, كان رجل أسرار نتانياهو كما ان مكتبه يدير شئونه القانونية الشخصية, ولذا قرر رئيس الحكومة تعيينه مبعوثاً شخصياً لدى عرفات وهي المهمة التي قام بها أيام رابين يوسي جينوسا (رجل الشاباك سابقاً). قام مولخو بوظيفته تطوعاُ وقد تعرض لانتقادات حادة إلى ان وضع المستشار القانوني للحكومة قواعد لعمله, كان مولخو اكثر إسرائيلي يلتقي بعرفات وكان لمنزلته عند رئيس الحكومة دوراً في كسب ثقة عرفات به كما أنه عمل على إجراء اتصالات بين حكومة إسرائيل والإدارة الأمريكية فيما يتعلق بالمفاوضات مع الفلسطينيين. في أول ليلة أمضاها رئيس الحكومة الاسرائيلية في مقره المؤقت في القدس وفي ساعة متأخرة من الليل أيقظه رنين الهاتف وكان على الجانب الآخر شخص يتحدث الإنجليزية وبلكنة عربية ثقيلة يطلب الحديث مع شمعون بيريز, سأله رئيس الحكومة والنعاس يسيطر عليه بيريز لم يعد ساكناً هنا من يريده؟ أجاب: ياسر عرفات يريد التحدث معه. انتهت المكالمة بأدب ولم يكن في ذهن نتانياهو بعد تصور واضح لكيفية إجراء مكالمته الأولى مع عرفات مع أنه مدرك تماماً بأن إعلانه قبل انتخابات 1996 أنه لن يلتقي عرفات لن يطول, لقد اجتمع بعرفات خلال توليه رئاسة الحكومة كما تحدث معه على الهاتف مرات كثيرة, وفهم بأنه يتوجب لإنهاء أي موضوع الاتصال بعرفات شخصياً. ان مساعدي عرفات ونوابه وقادته جيدون حتى اللحظة التي يتوجب فيها اتخاذ القرار, وأما تأثيرهم عليه فمشكوك فيه إذ أنه معتاد على المناورة بين مستشاريه ورجالاته, كما أنه لا يتيح المجال لنمو أحدهم بأكثر مما ينبغي. العلاقة بين (أبو مازن) ومسئول المجلس التشريعي أبوالعلاء علاقة مزدوجة من التقدير والحساسية وقد قام عرفات بإبعاد أبي العلاء عن دائرة المفاوضات بعد ان تلمس قوته في أعقاب اتفاق أوسلو وأوكل أمر المفاوضات لـ (أبو مازن) , وفي الوقت الذي شكل فيه أبو العلاء معارضة دائمة لعرفات كان أبو مازن يعتبر الأكثر اعتدالاً في الوسط المحيط بعرفات. إسرائيل والإدارة الأمريكية سعتا لتوثيق العلاقات مع أبي مازن وحاولتا عن طريقه التوصل إلى اتفاقات مع عرفات لكن أملهما كان يخيب في حالات كثيرة. لقاءات مولخو السرية لقد رتب مبعوثُنا مولخو لقاءات سرية بينه وبين أبى العلاء دون معرفة شارون ومردخاي, وهو الأمر الذي أدى إلى حدوث توتر بين نتانياهو ووزرائه وفي المقابل استغل خصوم أبي العلاء الأمر لإلحاق الضرر به, وفي نهاية الأمر تمكن رئيس الوزراء من الاجتماع بأبي العلاء وأبي مازن معاً في مقره الرسمي بشارع بلفورد في القدس. وكان نتانياهو يفعل ذلك إدراكاً منه بضرورة تعاون الاثنين في دفع الإجراءات السياسية من دون ان يفسد أحدهما خطوات الآخر وقد كانت ثمرة ذلك واضحة في اتفاق واي حيث جلس الاثنان إلى جانب عرفات, حتى الإدارة الأمريكية التي كانت تؤكد على اتصالاتها مع أبي مازن أدركت ضرورة فعل ذلك مع أبى العلاء أيضاً. أنا شخصياً كانت لي علاقات مع أبي مازن طوال الثلاث سنوات الماضية وكانت بعض اللقاءات تتم بسرية في محاولة لنقل رسائل إلى عرفات أو للتغلب على الصعوبات التي تعترض المفاوضات. أما أبو العلاء فلم تكن لي اتصالات كثيرة به وكان التوتر يسود علاقتنا بسبب شجبي المعلن له مرة حين قاد مظاهرة في رام الله وداس العلم الإسرائيلي بقدميه. لكن لقاءنا في واي كان مختلفاً فقد تحاورنا في مسائل مهمة. وفي نهاية الأمر فلا أبو العلاء ولا أبو مازن بقادرين على اتخاذ القرارات بل أبو عمار فقط ونتانياهو أدرك فيما بعد ان عرفات هو الشريك للسنوات الأربع المقبلة ولا يوجد غيره. هذا ما قاله للرئيس مبارك خلال لقائهما الأول في القاهرة في الثامن عشر من يوليو 1996 وقد توصل إلى ذلك جراء معرفته بأنه لا يمكن إنجاز شيء بدون عرفات, لكن المشكلة الأساسية تكمن في صعوبة إجراء الحوار مع عرفات. وقد حاولنا مراراً ترتيب لقاءات سرية بين الاثنين وفشلنا. أما اللقاءات عند حاجز إيريز فهي غير ممكنة لأنها ستتسرب إلى وسائل الإعلام خلال بضع دقائق, وكان رئيس الحكومة قد اقترح مرة إجراء لقاءات سرية في أي مكان داخل إسرائيل : في عسقلان مثلاً, لكن عرفات رفض بإصرار, وتجدر الإشارة إلى أنه كان هناك اقتراح لعقد لقاء على ظهر إحدى حاملات الطائرات الأمريكية الموجودة في المنطقة لكن نتانياهو هو الذي رفض هذه المرة كما رفض عرفات اللقاء في منزل السفير الأمريكي في هرتزليا, وهكذا كان أمر اللقاءات السرية مستحيلاً. زاد من الصعوبات أيضاَ محدودية فهم عرفات للغة الإنجليزية مما يتطلب وجود مترجم على الدوام, وقد أصبح المترجم المصري الأصل جمال شخصية مؤثرة في المفاوضات أو على الأقل وجود نبيل أبو ردينة مستشار عرفات والشخص المقرب منه, وعدم تمكن عرفات من اللغة الإنجليزية زاد من ارتباطه بالدكتور صائب عريقات مسئول لجنة توجيه المفاوضات مع إسرائيل وهو رجل مثقف ضليع بخبايا اللغة الإنجليزية, استطاع مع السنين تكوين خبرة في المفاوضات وله قدرة السيطرة على جميع مضامين الاتفاقيات مع إسرائيل أكثر من أية شخصية فلسطينية أخرى. أما الدكتور نبيل شعث الذي شارك سابقاً في صياغة الاتفاقيات مع إسرائيل فلم يكن شريكاً في السنوات الثلاث الأخيرة تقريباً لكن عريقات لا يتمتع بثقافة قانونية رسمية وقد وقع في حب الكلمات إلى درجة نسيان ان الهدف من الكلمات هو تحقيق اقناع عرفات بفتح الإتفاقية التي توصل إليها اللواء شلومويناي ومفاوضه الفلسطيني فايز زيدان من جديد, وعرفات الذي يحب اللعب بين مستشاريه المختلفين نشأ لديه ارتباط كبير بعريقات لكن هذا الارتباط سرعان ما ينفك عندما يصبح عرفات في لحظة الحسم. من جانب آخر فإن عريقات الذي يعتبر حليفاً لأبي مازن والاشد عداوة عند أبي العلاء في دائرة صراع القوى في ساحة عرفات لم يكن يحسن فهم هذه التوازنات ولهذا السبب وفي حالات حاسمة من المفاوضات أو أثناء الأزمات كان نتانياهو وكذلك دينيس روس يفضلان الإنفراد بعرفات مع وجود مترجم فقط, وكان عرفات في أحيان كثيرة يبدي تصلباً بوجود مستشاريه بينما يكون الأمر مختلفاً عندما يكون وحده. لغز ما بعد عرفات مرحلة ما بعد عرفات تشكل علامة استفهام كبرى ليس على صعيد الشارع الفلسطيني فحسب وإنما في إسرائيل أيضاً ولكن من خلال معرفتي بجميع أفراد الطاقم الفلسطيني لم التق أحداً من شأنه ان يكون قادراً على أخذ مكانه بشكل طبيعي, لا يوجد شخص في صفوف المنظمة يحظى بقبول جميع الفئات والتيارات مثل عرفات. وفي حال رحيل عرفات فإن صراعاً قاسياً سيجري على الميراث بين أبي مازن وأبي العلاء وجبريل الرجوب وليس هناك من ضمانات في عدم الانزلاق نحو صراعات مسلحة خاصة وان حماس هي أيضاُ في انتظار الفرصة المناسبة للسيطرة على السلطة الفلسطينية في حال غياب خصمهم الأكبر عرفات, كما ان هذا اليوم سيكون بمثابة المحك الحقيقي لاستقرار الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها بيننا وبين الفلسطينيين, فهل يستمر العمل بهذه الاتفاقيات كمصلحة فلسطينية ولو كان ذلك فهل الخليفة بقادر على فرض ذلك على الشعب الفلسطيني, هذا ما ستخبرنا به الأيام. الاختيار الصعب الأول في علاقات حكومة إسرائيل الجديدة آنذاك, والعلاقة بين نتانياهو وعرفات كانت اكثر صعوبة مما هو متوقع, ففي نهاية شهر سبتمبر 1996 أطلق أفراد من الشرطة الفلسطينية النار على الجنود الإسرائيليين مما أدى إلى مقتل ستة عشر جندياً, إنه ثمن فظيع, وهكذا وبعد ثلاثة أشهر من انتخاب نتانياهو كانت الاتفاقية مع المنظمة على شفا حفرة من الانهيار. كما كان خطر احتمالات المواجهة العسكرية قائماً في أعقاب حادثة النفق التي جرت بقرار من رئيس الحكومة وبتشجيع من أيهود أولمرت رئيس بلدية القدس بفتح نفق حائط المبكى ليلة انتهاء عيد الغفران 24/9/96 واتهم عرفات ورجال السلطة إسرائيل بمحاولة هدم المسجد الأقصى وكادت حادثة النفق ان تكون الشرارة الأولى لمواجهة دينية وقومية ووطنية لا مثيل لها, وقد قال رئيس الحكومة في الموضوع (نحن نمس هناك صخرة وجودنا) وعند نشوب الاضطرابات في اليوم التالي كان نتانياهو خارج البلاد وهكذا فقد واجه الاختيار الصعب وهو في الخارج, كنت على اتصال به لحظة بلحظة وكان في يوم الخميس 26/9 بصدد لقاء المستشار الألماني هلموت كول فقلت له ان الوضع آخذ في التدهور ولا تكرر غلطة رابين الذي كان في الولايات المتحدة ابان اندلاع الانتفاضة في ديسمبر 1987 وقد تردد رابين وماطل في العودة حتى أصبح من المستحيل إعادة العفريت إلى الزجاجة. وكان نتانياهو طوال الأزمة يرفض أية توصية بإخلاء منطقة قبر يوسف على اعتبار ان إخلاء أية نقطة يهودية ذات قيمة تاريخية ودينية في ظل الضغط والعنف يعتبر سابقة خطيرة كما خشي من ان يفسر الفلسطينيون الأمر على أنه ضعف, وقد دفع نتانياهو مقابل ذلك ثمناً باهظاً. كان نتانياهو قد أجرى اتصالات مع الأمريكيين والأوروبيين لاطلاعهم على التفاصيل مؤكداً لهم بأن عرفات لو لم يجد هذه الفرصة للشروع بالعنف والضغط على إسرائيل لوجد غيرها, وكان أثناء وجوده في ألمانيا قد اتصل بعرفات قائلاً بلهجة شديدة أنه لن يحصل على ثمار سياسية جراء هذا العنف الذي إذا ما استمر فإن العملية برمتها عرضة للانهيار ومؤكداً على أنه لن يوافق على سد النفق, الإدارة الأمريكية من جانبها حاولت ممارسة ضغوط على نتانياهو لإغلاق النفق وتهدئة الخواطر لكن توجهات كريستوفر تم رفضها بشكل قاطع واشتد التوتر إلى درجة ساد معها الشعور بأن مزيداً من الانزلاق نحو العنف سيجعل الوضع غير قابل للسيطرة. لقد قيل ان عرفات أصابه الذهول من رسالة نتانياهو وقال: (سوف ابذل كل ما بوسعي لتبريد الأوضاع) كما حاول الرئيس مبارك التدخل ودعا جميع الأطراف لعقد قمة في القاهرة وهي الدعوة التي رفضها نتانياهو بأدب, واستمرت أعمال العنف كما كان الوضع خطيراً في نقاط الاحتكاك الطبيعي بين الجيش الإسرائيلي والشرطة الفلسطينية وتحدث عرفات ونتانياهو للمرة الثانية خلال الأزمة, عرفات يؤكد مجدداً بذل قصارى جهوده للسيطرة على الوضع ونتانياهو يكرر التحذير, واستمرت الأوضاع على ما هي عليه وعاود الأمريكيون التدخل فاتصل الرئيس كلينتون بنتانياهو كما طلب من دينيس روس إجراء اتصالات مكثفة مع جميع الأطراف لتهدئة الخواطر, ولم يكتف الرئيس الأمريكي بمحادثة نتانياهو بل تحدث مع وزير الخارجية ديفيد ليفي اعتقاداً منه بأنه سيجد حلقة ضعيفة يستطيع بواسطتها إرغام نتانياهو على التنازل وإغلاق النفق إلا ان ليفي سرعان ما أشعره بخطأ تفكيره حين أجابه (بأن إغلاق النفق أمر سيئ وهذا معناه أنه لا توجد حكومة ولا عملية سلمية وأن عرفات إذا لم يستطع التأثير على رجاله بوقف العنف فإنه ليـس شريكاً في العملية السياسية) . وأضاف قائلاً لروس (أنه إذا كان أفراد الشرطة الفلسطينية الذين سلمتهم إسرائيل السلاح وفق اتفاقية اوسلو هم الذين يطلقون النار على جنودنا فلا فرق بينهم وبين حماس) . ودفع استمرار الأزمة بالرئيس كلينتون إلى القيام بمخاطرة شخصية من خلال دعوة عرفات ونتانياهو للالتقاء به في البيت الأبيض لبحث الأزمة, وبالفعل توجه رئيس الحكومة إلى واشنطن وسط أجواء من التوتر فلقد علمنا بأن الرئيس الأمريكي لن يسمح لنفسه بالفشل وسوف يمارس ضغوطاً كبيرة على نتانياهو لإغلاق النفق, وقد بدت الضغوط واضحة من محاولة كريستوفر وزير الخارجية الأمريكي أثناء استقباله لنا لكن نتانياهو الذي كان جاهزاً بشكل جيد لمثل هذا السيناريو رفض الطلب وقال (إن إغلاق النفق ينطوي على معنى أكثر تدميراً في المستقبل إذ سيلجأ عرفات في كل مرة لا يكون فيها راضياً عن إسرائيل لاستخدام العنف) . وفي جلسة المباحثات الأولى مع دينيس روس لم يكن بالإمكان تجاهل الضغوط الأمريكية علينا, أنا والمحامي مولخو وممثل وزارة الخارجية يعقوب برودجو والمدير العام للوزارة ايتان بنتسور ووضعوا أمامنا مسودة اللقاء بين الزعماء والتي رفضناها كلية وكانت تلك نقطة المواجهة الأولى بين الإدارة الأمريكية وحكومة نتانياهو, عندها بدأت ليلة مفاوضات طويلة ومضنية حتى ان برودجو اعتراه التعب وغلبه النعاس فقال مولخو: هذا جزء من التكتيك الأمريكي الإستنزافي. واعتقدنا أيضاً وقدرنا إمكانية تجسس الأمريكيين علينا داخل الغرفة فقررنا الإصرار على مواقفنا, وقلت لمولخو سنرى من سيكون المستنزف أولاً, وعند انتهاء الليلة الأولى كانت الورقة الأمريكية قد بدأت مضامينها في الاختلاف عما كانت عليه في البداية وفشل الأمريكيون في التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين وأدرك الأمريكيون بأن السبيل الوحيد أمامهم لإنقاذ القمة وحفظ هيبة الرئيس الأمريكي هو صياغة بيان عام بعد انتهاء اللقاء بين الزعيمين, وكان أكثر ما يقلقنا هو الأمن على ضوء تصرفات الشرطة الفلسطينية خاصة وأن المفاوضات حول الخليل اقتربت ونتيجة للأحداث الأخيرة سنكون بحاجة إلى ترتيبات أمنية إضافية, وهكذا ما ان خرجنا من أزمة النفق حتى بدأنا بفتح اتفاقية الخليل بمزيد من التنسيق في الجانب الأمني واستطعنا أثناء المفاوضات حول الخليل من استبعاد الشرطة الفلسطينية عن خطوط التماس القريبة من اليهود والحد من حركة تجوالهم, وقد تم ذلك كله بالاستفادة من السابقة الخطيرة التي تمثلت بالاحتكاك مع الشرطة الفلسطينية ابان حادثة النفق. وعلى الرغم من التوتر الشديد الذي ساد لقاء عرفات نتانياهو الأول في البيت الأبيض إلا ان الاتفاق بشأن تشكيل لجنتين لشئون الخليل والأمن قد تم ورفضنا تحديد موعد نهائي لمفاوضات الخليل من جانب الأمريكيين كما رفضنا طلب الفلسطينيين إغلاق النفق, انتهت أزمة النفق لكن جرحاً عميقاً ومؤلماً حيال الثقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين كان قد انفتح. على سبيل التعقيب في هذه الحلقة من كتاب داني نافيه (أسرار الحكومة) , تتضح مجموعة من الأمور التي تجب الإشارة إليها. ثمة رغبة جامحة لدى حكومة نتانياهو لتجنب الحديث مع الرئيس عرفات ومع قادة السلطة الوطنية منذ اليوم الأول لصعود حكومة الليكود التي ترى في اتفاق أوسلو خطراً كبيراً على كيان الدولة العبرية, ولكنها وجدت نفسها بلا خيار آخر بسبب الضغوط العربية والدولية وهذا يؤكد ان أحد محاور السياسة الفلسطينية يجب ان يكون على الدوام توفير أقصى قدر ممكن من هذه الضغوط, لكسر الاختلال في موازين القوى, ما أمكن ذلك. لكن أهم ما تنبغي الإشارة إليه هو وجود تقويمات خاطئة لدى كبار المسئولين في إسرائيل على الرغم من الأوهام الموجودة لدينا بأنهم يعرفون أدق التفاصيل عن أوضاعنا الداخلية, الفلسطينية والعربية, يبدو ان النصر له آباء والهزيمة يتيمة, وعدم قدرتنا على تحقيق النصر لعقود من الزمن يعود أساساً لضعفنا, وليس لقوة الطرف الآخر وثمة فارق كبير بين الأمرين, لهذا تصورنا الخصم يملك قوة أسطورية وخاصة بعد عام 1967. قبل ذلك كنا نستهين بإسرائيل واهمين ان الصواريخ العربية قادرة على سحق عظام الدولة العبرية وان كل ما نريده فسحة من الوقت للقضاء على إسرائيل, قبل ان يهب الأسطول السادس الأمريكي لنجدتها. جاءت الهزيمة الساحقة في يونيو الأسود من عام 1967 لتجعل الشعور والمزاج والموقف العام ينقلب للنقيض من الاستهانة بالخصم إلى تصويره كأسطورة لا تنهزم واستخبارات ترصد دبيب النمل, وجاءت حرب أكتوبر لعام 1973م, لتحدث تعديلات في الصورة العامة, ولكنها بقيت تعديلات محدودة. في هذه الحلقة يتحدث نافيه عن رفض اللقاء بخالد سلام كمبعوث للرئيس عرفات ولكنه يعترف ان ذلك كان رد فعل عاطفي وسريع, إذ ان سلام ذو تأثير قوي على أبي عمار واستثمرت حكومة رابين مثل هذا التأثير. من يعرف الوضع الداخلي الفلسطيني يسخر من هذه الأقوال, إذ ان خالد سلام له مهمات اقتصادية ولا يحاول ممارسة دور سياسي ولا تتم استشارته في القضايا السياسية. والخلاف بين أبو العلاء وأبو مازن واقتراب د. صائب عريقات ( وهو متشدد) من أبو مازن المعتدل وكافة الحكايات التي يتحدث بها نافيه حول الخلافات الداخلية الفلسطينية, بعيدة عن الحقيقة إذ أزعم أنني أعرف الكثير عن البيت الداخلي الفلسطيني, حين أصبح أبو العلاء رئيساً للمجلس التشريعي لم يعد ممكناً ان يستمر في دوره التفاوضي المعلن, واستمرت له أدوار من نوع آخر, وفي نهاية الأمر ومهما كانت اجتهادات المجتهدين فإن القرار بيد ياسر عرفات كما يقول نافية الذي يعترف صراحة ان عرفات لا يلين بسهولة وأنه تمكن من دبّ الذعر في صفوفهم. هل حقاً يميل عرفات للاعتدال حين يكون منفرداً في المفاوضات رأساً لرأس مع صانع القرار الإسرائيلي, ولكنه يتجه نحو التشدد في حضور مستشاريه؟ لديّ الانطباع نفسه ولكن الأمر له تفسير واضح إذ حين يتفاوض مع رئيس الوزراء الإسرائيلي يكون هناك مجال للوصول لقرارات وذلك يحتاج لتنازلات من الطرفين. في المفاوضات الموسعة فإن كل طرف يطرح مطالب الحد الأقصى أو شيئاً قريباً منها والجميع يعرفون ان القرارات النهائية يتم أخذها في لقاءات قمة, فلماذا إعطاء التنازلات قبل ذلك ولو بدقيقة واحدة؟ لقد سألوا رجال علم النفس في إسرائيل, العاملين كما يبدو مع الأجهزة, عن تفسيرهم لتشدد عرفات في بعض الحالات وبأكثر من كل التصورات, واتجاهه نحو الاعتدال وبشكل غير متوقع في حالات أخرى. سألوهم عن تفسير هذه الظاهرة فأجابوا بأن القادة يتجهون نحو شيء من التناقض وهم ينتقلون من الحرب للسلام ومن موقع إلى موقع, وأظن ذلك ينطبق عليهم كما ينطبق علينا, بنفس الدرجة تماماً. في إسرائيل يتحدث المتطرفون عن استغرابهم من تنازلات مزعومة لاسحق رابين وقد كان من عتاة المتشددين في إسرائيل. أما قصة خلافة ياسر عرفات, فقد تحدثوا عنها مطولاً في الصحافة الإسرائيلية, وحددوا شهوراً انفضت منذ زمن طويل لرحيل أبو عمار. داني نافيه يعترف الآن, خلافاً لما كانت تقول به حكومته في حينه, بأن عرفات قادر على العمل وعلى اتخاذ القرارات بشكل كبير وربما استثنائي. ولكن حديثه عن خلافة عرفات ( بعد عمر طويل), تنقصه المعلومات الدقيقة التي يفترض ان يعرفها سكرتير عام الحكومة الإسرائيلية, إلا إذا كان يقصد التضليل المسبق, إذ ان أية قراءة مهما كانت مبسّطة لتضاريس الواقع الفلسطيني تؤكد استحالة تفكير, مجرد تفكير, قادة حماس, بالسيطرة على الوضع الفلسطيني, إذ لا توجد آلية لذلك وليست بيدهم أية قوى مادية تمكنهم من إصدار البيان رقم 1 وتحريك الجيش نحو إذاعتنا وتلفزيوننا, لا سمح الله, وقادة حماس وقد نشرت معهم عشرات الحوارات أكدوا ان مثل هذا السيناريو المرعب, غير ممكن عملياً ولا تفكر فيه حماس التي تعرف جيداً ان منظمة التحرير معترف بها عربياً ودولياً, الأمر الذي لا تملكه حماس. وحكاية احتمال صعود عسكري لسدة السلطة احتمال بعيد, ويدل ان نافيه لا يعرف طبيعة الولاء الداخلي, وخاصة في حركة فتح, للقيادات الأساسية من أعضاء اللجنة المركزية للحركة. كل إنسان له طموحاته, ولكن الكثيرين يعرفون حدود الإمكانات ولا يقامرون بخسارة كل شيء. عرض وتعقيب: توفيق أبو بكر مركز جنين للدراسات الاستراتيجية