خلال زيارة الرئيس الامريكي بيل كلينتون لجنوب افريفيا في مارس ,1998 شهد مأدبة مدرجة ضمن برنامج زيارته بصحبة نلسون مانديلا, وفجأة ظهر ضيف دعي للمثول أمامه. لم يكن ذلك الضيف سوى السفير السعودي لدى واشنطن الامير بندر بن سلطان بن عبدالعزيز، وحينها بدأ الامير يدفع بالحوار مع كلينتون باتجاه موضوع حساس لم يكن الرئيس الامريكي يرحب به, ألا وهو موضوع ليبيا ثم انضم اليهما الرئيس مانديلا. أما الهدف من ذلك فكان اقناع كلينتون بتأييد تخفيف العقوبات عن ليبيا وهي العقوبات التي فرضها مجلس الامن بعد سقوط الطائرة الامريكية فوق بلدة لوكيربي الاسكتلندية قبل عقد من الآن. وهذا بدوره سيكون أولى الخطوات نحو السماح للشركات الامريكية بالعودة الى ليبيا, التي تصنفها واشنطن رسميا ضمن الدول الارهابية. لكن الرئيس كلينتون توخى الحذر, ولم يقدم اي رد محدد في هذا الشأن مع أن العديد من موظفي الرئيس الامريكي اهتموا بهذه الرسالة, ومنهم مستشاره لشئون الأمن القومي ساندي بيرجر. تعرض هذه الحادثة فكرة قاتمة عن الحساسيات الشديدة التي لا تزال تحيط بمقتل 270 راكبا على متن الطائرة المدمرة, لكن نوعا من التغير قد حصل الآن فالليبيان المتهمان بتدبير التفجير سيمثلان امام المحكمة في هولندا في 3 مايو المقبل. وما ان تنتهي المحاكمة حتى يمكن رفع الحظر الاقتصادي الذي طال كثيرا عن ليبيا. ويقول رونالد نيومان المسئول عن شئون الشرق الاوسط في الخارجية الامريكية: (يمكن لنا الآن أن نتوقع حدوث تغيير) وفعلا فقد بدأ رجال أعمال امريكيون على علاقة بالادارة الامريكية الحالية وادارة الرئيس السابق جورج بوش حملة ضغط لاحداث انفراج في الازمة. وقد بدأ هذا الانفراج بمبادرات من الزعيم الليبي معمر القذافي فهو لم يوافق على التعاون بخصوص قضية طائرة لوكيربي وحسب, بل ارسل عدة اشارات عبر قنوات رسمية وغير رسمية على استعداده للاتفاق مع واشنطن. وكانت البداية طرد عدد من المتطرفين من بلاده ومن بينهم ابو نضال. وقد يكون من المفاجىء لمن يتذكر من الثمانينيات حينما اشير لتورط ليبيا بتفجير ملهى في ألمانيا مما أودى بحياة جنديين امريكيين أن يسمع مسئولا امريكيا رفيعا يقول: (حاليا, ليس للقذافي اي علاقة بالارهاب) . والشركات دوما اسرع في النسيان من الحكومات. إذ مد القذافي بساط الترحيب لمئات من رجال الاعمال من بريطانيا وفرنسا وايطاليا وروسيا والصين وكندا. فقد ذهب هؤلاء الى ليبيا بتأثير اغواء عوائد البلاد النفطية التي تصل الى 12 مليار دولار سنويا بحثا عن صفقات كبيرة ومن بين الشركات التي حظيت بها هناك ايرباص التي ستبيع 24 طائرة ركاب للخطوط الجوية الليبية, في صفقة تبلغ قيمتها 1.5 مليار دولار على الاقل. وقد برز الامير بندر بن سلطان كشخصية محورية في أي تقارب ليبي أمريكي. وقد أمضى مع الرئيس مانديلا بطلب من كوفي عنان السكرتير العام للامم المتحدة, شهرين وهو يحاول اقناع القذافي بتسليم الليبيين المشتبه بهما للمحاكمة ومن جانبها شكرت واشنطن مانديلا وبندر بن سلطان على جهودهما ويعتبر انقاذ ليبيا من عزلتها بالنسبة للزعيم الجنوب افريفي بمثابة رد الجميل للقذافي على دعمه السياسي الذي قدمه له خلال سنوات اعتقاله في سجون نظام التفرقة العنصرية. أما بالنسبة للامير بندر بن سلطان فقد كانت محاولته جهدا يبذل لتخفيف الضغوط عن ليبيا الدولة العربية والعضو في منظمة اوبك والعودة بها الى المجتمع الدولي. وفي المقابل ساعد الولايات المتحدة وهي اهم حلفاء السعودية الغربيين في محاولتها لانجاز محاكمة المتهمين. وقد اثمرت جهود الامير بندر بن سلطان بالنسبة لطرابلس الغرب, حيث تم تخفيف العقوبات الاقتصادية كما اثمرت جهوده بالنسبة للمزارعين الامريكيين ايضا الذين ينظرون الى ليبيا كزبون جدير بالاهتمام ويجري التخطيط الآن لشحن 20 ألف طن من الحنطة اليها, كما قال أحد المسئولين في قطاع الصناعات الزراعية الذي عاد مؤخرا من طرابلس إن عشرات الملايين من الدولارات قد تبدأ بالتدفق على الاسواق الامريكية اواخر هذا العام. وتنتظر شركات النفط الامريكية, التي اضطرت لايقاف عملياتها في ليبيا بعد فرض العقوبات الاقتصادية عام ,1986 تحقيق فوائد اكبر. فقد سمحت إدارة كلينتون مؤخرا لشركة اوكسيدنتال بتروليوم وشركة أ وسيس, وهي تحالف يضم كلا من شركات كونوكو وماراثون واماراوا وهيس لتفقد آبار النفط التي كان تشغلها سابقا وفي اجتماع سري عقد مؤخرا عرض ممثل لشركة كونوكو تقديم الدعم اللوجستي والمساعدة في تأمين لقاءات مع مسئولين حكوميين ليبيين على مجموعة من اعضاء الكونجرس الذين يخططون لزيارة ليبيا. وساعدت الاتصالات غير الرسمية ايضا في تخفيف حدة التوتر بين واشنطن وطرابلس الغرب واخبر مسئول رفيع في وزارة الخارجية الامريكية مجلة (تايم) بأن وزير الخارجية الليبي عندما زار الولايات المتحدة في خريف عام 1998 قبيل اجتماع الجمعية العامة للامم المتحدة حصل عن طريق الخطأ على تأشيرة دخول من دون قيود السفر التي تفرض عادة على دبلوماسيي الدول التي تعتبرها واشنطن راعية للارهاب وهذا ما مكن الوزير الليبي من التحرك بحرية, وهي الميزة التي استغلها كامل الاستغلال ولم يتم اكتشاف هذا الخطأ الا بعد مغادرته للأراضي الامريكية. وحينها قام الامريكيون بتتبع التحركات التي أجراها والتي تبين انها اخذته الى ولاية تكساس موطن صناعة النفط الامريكية والى اسبين في كولورادو, حيث يمتلك الامير بندر بن سلطان هناك منزلا خاصا. كما نظمت مجموعة الحوار الامريكي الليبي في العام الماضي اجتماعا دام ثلاثة أيام خارج الاراضي الليبية مع مسئولين ليبيين كبار, ونصحت طرابلس بالاستعانة بخدمات شركة علاقات عامة والاستفادة من دعم رجال الاعمال الامريكيين (لتغيير سياسة العقوبات) . ايضا قام هرمان كوهين, المسئول عن الشئون الافريقية في عهد الرئيس السابق جورج بوش بسلسلة زيارات الى طرابلس من دون ضجة اعلامية وكانت زيارات كوهين في جانب منها تنظم عبر رجل الاعمال العربي كمال غريبي الذي احتفظ بالمسئول عن السياسات الشرق اوسطية في الخارجية الامريكية في عهد بوش روبرت بوليترو محاميا له في واشنطن. وخلال رحلاته عامل كوهين وصحبه الزعيم الليبي باحترام شديد, فعندما كان القذافي يدين اسرائيل لم يحاولوا الرد عليه ابدا بل كانوا يصغون الى ما يقوله, أما حينما اعرب عن رغبته في التعامل مع الشركات الامريكية فكانوا يشجعونه. واجتمع كوهين ايضا مع عبدالله السنوسي صهر القذافي الذي ادين العام الماضي غيابيا امام محكمة فرنسية بتهمة تفجير طائرة فرنسية في الجو عام 1989 وعلى متنها 171 راكبا بينهم زوجة لدبلوماسي امريكي قتلوا جميعهم, ولم يأت الزوار الامريكيون على ذكر هذا الحادث. ويقول المستشار الذي رافق كوهين في زياراته: (ما الذي كانت ستحققه اثارة المسألة؟ لقد اردنا ايجاد حوار بين الطرفين) . على كل حال فإن واشنطن مدينة تلقي الفرص التجارية بظلالها فيها على تحولات السياسة الحكومية وهذا لا يعني ان العقوبات الاقتصادية على ليبيا ستنتهي مباشرة وبالتأكيد ليس قبل انتهاء المحاكمة لكن الشركات الامريكية قد عادت اخيرا الى فيتنام ولم تحصل على اي فرصة في كوبا. وليبيا بالنسبة لهذه الشركات تبدو عميلا مهما جدا في اقتصاد معولم كبير. ترجمة جلال الخيس