فتح انسلاخ حزب (الأمة) السوداني من تحالف المعارضة بالمنفى الباب واسعاً امام سيل من الأسئلة الحائرة بشأن مستقبل السودان من خلال علامات الاستفهام التي تتناثر امام شكل التحالفات السياسية في الساحة السودانية في الفترة المقبلة وحول من الخاسر ومن الرابح من محصلة التطورات الاخيرة. (البيان)، حاولت تقديم قراءة شاملة للواقع السياسي على ضوء هذه التطورات وطرحت حزمة اسئلة على ثلاث شخصيات مرموقة على المستوى الحزبي والمتابعة السياسية. ومن منطلق الحرص على تقديم صورة متكاملة صوبت (البيان) اسئلتها الى ثلاثة ممن يحملون وجهات نظر مختلفة, فكان اللقاء مع امين عام حزب الأمة الدكتور عمر نور الدائم, والناشط السياسي المستقل الدكتور جعفر كرار فضل, احد قادة ثورة اكتوبر الشعبية التي وضعت نهاية لحكم الجنرال عبود عام ,1994 بجانب السياسي الجنوبي ادوارد بلينو, ممثل حركة قرنق في ليبيا. وفيما يلي حصيلة اللقاءات التي اجريت عبر الهاتف من باريس: هل ينفرط العقد؟ * سألت الدكتور عمر نور الدائم عما اذا كان انسحاب حزب الامة من التحالف الديمقراطي السوداني المعارض يعني انفراط عقد هذا التحالف؟ فأجاب: ـ لا شك ان التحالف سيتأثر رغم ان حزب الأمة, لم ينسحب من التجمع وانما جهد عضويته في تجمع المنفى مؤقتاً وقرر دعم التجمع في الداخل لأن اداء التجمع في الخارج كان اداء غير قويم لديه مشاكله التنظيمية والسياسية التي عليها خلافات, مثلاً بالنسبة للقضايا السياسية هناك مجموعة غالبة في التجمع ترى ان الحل السياسي والتفاوضي يأتي في مرحلة متأخرة, في الوقت ان الموقف السياسي هذا اذا لم يستجب للمستجدات الموجودة في الساحة السياسية, في الداخل والخارج واقليمياً ودولياً, نكون نحن كالذي يسبح في البحر, فالمستجدات كبيرة جداً وجعلت الحل السياسي التفاوضي, أهمها ان دول الجوار اعادت علاقاتها مع النظام السوداني وفي الوقت نفسه لديها الاستعداد للتعاون معنا في دفع مسيرة الحل السياسي وهذا كان سبب خلاف اساسي في القضية بالنسبة للتجمع في الخارج. اما القضية الثانية المتعلقة بالمسألة التنظيمية فقد فشل التجمع في الخارج في ان يعقد المؤتمر الثاني لمدى تجاوز اربع سنوات ونصف وتم تأجيل عقد المؤتمر عشر مرات. مثلاً في كمبالا نحن اخذنا قراراً اساسياً كي نناقش قضايا المؤتمرالتنظيمية في أسمرة في السادس والعشرين من مارس, ولكن هذه المجموعة رأت ان تؤجل المؤتمر مرة اخرى الى مايو اي ثلاثة شهور اخرى وربما تؤجل ايضاً.. لذلك نحن نرى ان هناك عدم جدية مما جعلنا كحزب امة ولم ننسحب كما اشرت من التجمع, اذ اننا لا نزال نلتزم بكل القرارات والمرجعيات والمواثيق الصادرة عن التجمع الوطني الديمقراطي, ولكن اختلفنا في قضية العمل السياسي, مما دفعنا الى دعم التجمع في الداخل. * كيف يمكن ان نصف الوضع داخل ائتلاف المعارضة؟ ـ سيستمر التعاون بين كل اطراف المعارضة وفي البيان الذي اصدرته شخصياً قبل ايام أكد حزبنا ان سحبنا الاعتراف بتجمع الخارج لن يؤثر في التنسيق تنسيقاً تاماً مع الخارج, واما الداخل فموقفنا كان واضحاً وقد عبرنا في خطب العيد والتصريحات التي واكبت الاحتفالات بعيد الاضحى ونحن ملتزمون بكل, واكرر (بكل) المرجعيات والمواثيق ولكننا نرى الآن ان الحل السياسي التفاوضي اصبح متقدماً. سأكون أول العائدين * هل نستطيع ان نفهم من تفسيركم لهذا الخلاف بين الداخل والخارج, هو انكم تجمدون انشطتكم في كل مؤسسات المعارضة خارج السودان, وان مجموعاتكم داخل السودان هم الذين سيواصلون المعارضة في الداخل؟ ـ نحن وجهنا نداء للكوادر, بعد رفع الحظر عن العمل السياسي, من أجل عودة هذه الكوادر وانا بإذن الله سأكون اول العائدين في الأسابيع المقبلة, وانا احضر حالياً اجراءات العودة الى السودان, لكن يا أخي, لك ان تعلم ان التجمع اساساً هو في الداخل, كل الاحزاب السودانية وكل النقابات وتركيبات الفصائل السياسية هي بأغلبها موجودة في الداخل, ومن خرج من القيادات فلأنه لم يكن من الممكن ان تقوم بعمل سياسي في الفترة الماضية, نظراً للحظر الذي فرض من قبل الحكومة السودانية. الآن رفع الحظر وعلى اخواننا في الخارج ان يعودوا الى البلاد, لمتابعة العمل من الداخل, خصوصاً وكما اشرت ان الدول المحيطة بنا, ابدت استعدادها للتعاون معنا في دفع مسيرة العمل التفاوضي والسياسي, وانها لا ترغب بعد اعادتها علاقاتها مع السودان, ان تسير في أعمال عسكرية او تساعد فيه ضد النظام السوداني. * هل يعني ذلك ان الصادق المهدي سيعود قريباًَ الى السودان وانكم ستواصلون سياسة التفاوض مع حكومة الخرطوم؟ ـ القرار الآن هو انني سأعود, وبصفتي الأمين العام, وبعدها سيعود بقية الاخوة مثل مبارك الفاضل وغيره, وفي رأيي ان الصادق المهدي قد يبقى لمدة قصيرة في الخارج ريثما ننهي بعض الاعمال والارتباطات المتراكمة أهمها متابعة الاتصالات الخارجية, لإنجاز المؤتمر الجامع, الذي ندعو اليه, والذي يتقاطع مع المبادرة المصرية ـ الليبية المشتركة عبر انشاء الملتقى. والحل السياسي مرتبط بهذا الملتقى وايضاً مرتبط بكيفية التنسيق مع مبادرة (ايجاد) والمبادرة المصرية الليبية المشتركة. * هذا يعني انه اذا تم التنسيق ستكون الاولوية للعمل السياسي, وسيعود الصادق المهدي وتعملون للتفاوض من الداخل مع الحكومة السودانية؟ ـ كل مسيرة التفاوض تتم وتسير حسب الاتفاق, نحن نسعى كي يعقد مؤتمر جامع لكل القوى السياسية السودانية. * ألا يجعل هذا الموقف الاطراف الاخرى كالحزب الاتحادي الديمقراطي والجنوبيين لا يتعاملون معكم ويصرون على نهج العمل العسكري؟ ـ نحن لدينا سياستنا واهدافنا باتت واضحة وعلى الآخرين ان يوضحوا ماذا يريدون مع التأكيد على انفتاحنا على جميع الطروحات. الخاسر الاكبر اما الدكتور جعفر كرار فضل, سكرتير جبهة الهيئات الذي قاد ثورة اكتوبر 1964 وهو شخصية سودانية مستقلة تنتمي الى المعارضة في الداخل فيقول: ان الصراع منذ بداياته هو بين حكومة شمولية واخرى دينية, وبين المعارضة وهي خليط في التجمع من احزاب وتنظيمات بعضها ديمقراطي وبعضها ينزع نحو الشمولية. النقطة الثانية, التطورات الجارية ستقود الى انفصال جنوب السودان, والى اشتعال النزاعات او الحرب المباشرة على طول الحدود بين الجنوب والشمال, وفي جهات عديدة في شمال السودان. والنقطة الاخيرة: حصيلة تداعيات هذا الخلاف بين الأمة والتجمع هو خسارة كبيرة للسودان, فالخاسر الأكبر هو الشعب السوداني, واذا اردنا بعض التخصيص, فإن الخاسر الثاني سيكون حزب الأمة نفسه, والخاسر الثالث سيكون النظام.. هذا في نظري ما سيؤول اليه الوضع بعد الخلافات. * برأيكم هل عدم الاتفاق يساعد ويسهل عمل النظام السوداني, خصوصاً وان المعارضة باتت مفككة؟ السيناريو المعجزة ـ نعم, هنالك سيناريو آخر, اعرضه وبعدها نعود الى السؤال السيناريو هو انه يمكن ان تحدث تطورات غير مرئية الآن, يعني قد تحصل معجزة, اذا حصل تطور سريع لمصلحة البلاد يكتشف بموجبه عجز التكوين الجديد يعني حزب الأمة عندما يعود الى السودان ويكون هناك حوار مع النظام في المرحلة المقبلة وتحصل مبادئ انتفاضات كما حدث في سبتمبر 1995 و1996 ويكون قد حدث تغيير هام في قيادة التجمع أو باقي المجتمع, مما يدفعه للتحرك لقيادة الجماهير هذه الانتفاضة التي يتكلمون عنها ولكن في الوقت نفسه انا اسارع للقول ان النظام السوداني والمعارضة مفككة أكيد النظام سيستفيد من هذا الوضع, اما التجمع الذي كان يتحدث باسم جماهير الامة والاتحاديين والحركة الشعبية والحزب الشيوعي والحزب القومي وتجمع النقابات واحزاب وتجمعات اخرى سيصبح يتحدث بلسان عدد اقل من الشعب, فعليه هيبة التجمع ومقدرته وكفاءاته في التحاور وفي ادارة نزاع ستكون اقل.. هذا أكيد. النقطة الثانية, علة التفكك كانت واضحة في التجمع منذ سنين واعراضه ظاهرة, وعلى الرغم من ذلك حرص النظام على تماسكه وتقوية نفسه, وبالتالي هو قادر على دحر اي تحرك, لكن عندما ازدادت علة التجمع اطمأن النظام وبدأ ينظر في أحواله الداخلية وتفرغت قياداته للنظر في موضوع التنافس فيما بينها ونسيت امر التجمع المعارض على اعتبار انه لم يعد مؤثراً حتى حدث ما حدث من اختلاف بين رئيس الجمهورية وامين عام حزب المؤتمر اي البشير والدكتور الترابي, ويبدو لي ان المصيبة نفسها التي حصلت في الحكومة حصلت الآن في التجمع. التجمع عندما رأى الأشكال الخاص داخل النظام ظن بعض او جل الاحزاب, ان النظام في أضعف حالاته فتفرغ لهم للنظر في نزاعهم الداخلي والآن وصلوا الى محطة الانشقاق وهي في ظاهرها انشقاق عادي لكن الحقيقة ان الميرغني (يرفس) المهدي. * الخلافات في تجمع الخارج, هل ستؤثر على عمل المعارضة في الداخل؟ ـ نعم ستؤثر: في الماضي قبل التفكك الذي بدا الآن استفاد تجمع الداخل, ومن دون قصد, من غياب الميرغني والمهدي, فعمل التجمع بتنسيق ووضوح وشفافية في قيادة العمل, ولكن الخاسر الآن وفي المستقبل في غياب الالاف من المهنيين وقادة التنظيمات داخل المجتمع المدني, طبعاً حزب الأمة سيعودون, لكن لن يتمكن كل الناس من العودة معهم. عودة قيادة حزب الأمة مع تجميد عضويته في التجمع سيضعف ايضاً تجمع المعارضة في الداخل, وبهذا ستكون الخسارة أكبر وكارثية, اذا ما حدث الانقسام ووقف تجمع الداخل في المستقبل في معارضة تآلف جديد بين النظام وحزب الأمة وهذه ستكون اخطر مرحلة يصلها مستقبل المعارضة في السودان. فريق آخر من المعارضة كبير ومؤثر في الحركة السياسية السودانية يقاتل عن طريق الكفاح المسلح النظام السوداني البعض يتهمه بمحاولة الانفصال فيما هم يقولون ان اهدافهم احداث تغيير في مفهوم النظام الحالي من خلال فصل الدين عن الدولة واعطاء كل صاحب حق حقه هذه هي رؤية (الحركة الشعبية لتحرير السودان) الذي يقاتل في جنوب البلاد تحت قيادة العقيد جون قرنق. ويقول ادوارد بلينو ممثل الحركة في ليبيا معلقاً على خروج حزب الأمة والبدائل المتاحة امام التجمع: (ليس هناك بدائل من حيث الكم او العدد, انما البديل هو ان تزيد اصراراً ونزيد ايماناً اننا نستمر بالنضال حتى نهاية النظام) . * ولكن هل بدأتم اتصالات مع الفئات المعارضة الاخرى لجمع الشمل؟ ـ تمت الاجتماعات في أسمرة, وكل الاعضاء كانوا موجودين, وكل القيادات كانت موجودة, حتى حزب الأمة كان حاضراً لهذا جمع الشمل هو نتيجة حتمية او نتيجة طبيعية للقرار نفسه. * هناك مبادرتان هما المصرية ـ الليبية ومبادرة (ايجاد) ما هي رؤيتكم للتنسيق بين المبادرتين؟ ـ لقد تم تكوين لجنة ضمن التجمع الوطني ستقوم بايجاد صيغة في أقرب وقت ممكن لدمج هذه المبادرات حتى يتم تفعيل عملية السلام في السودان. * انتم متهمون باللجوء الى التصعيد العسكري رداً على انسلاخ حزب الأمة؟ ـ من جانبنا لم نصعد في الفترة الماضية الذي حصل ان الخرطوم بدأت تقصف المناطق الآمنة في جنوب السودان, كالذي حصل في (نمولي ولوي, ورومبيك) وغيرها من المناطق التي تعرضت للقصف الجوي, وهي بعيدة كل البعد عن مناطق الالتحام وحول مدينة جوبا وكل المدن التي كانت قبل بدء الاجتماعات في أسمرة, محاصرة. الحركة لم تبدأ بأي عمل عسكري او تصعيد الحرب وهذه الايام نرى ان الحكومة تتحرك ضد قواتنا في شرق السودان الحكومة هي التي أقدمت على خرق وقف النار. * عادت العلاقات الدبلوماسية بين الدول التي كانت في السابق تصنف في خانة المناوئة للنظام السوداني واليوم أصبح لديها ممثلون دبلوماسيون في السودان.. هل سينعكس ذلك على وضع الحركة في الجنوب ورفاقكم في الشمال؟ ـ هناك عدم فهم واضح لطبيعة المشكلة السودانية, هذه المشكلة هي داخلية سودانية وطبيعة النظام السوداني هي التي خلقت المشاكل بينها وبين هذه الدول المجاورة, فالمشكلة في العلاقة الاريترية ـ السودانية, الاوغندية ـ السودانية, والعلاقة المصرية السودانية والليبية السودانية, يتحمل النظام السوداني كل مسئوليتها وحكومته الموجودة في الخرطوم وهذه العلاقات لا تمس لا من قريب او من بعيد المشكلة السودانية الداخلية, التي تعود الى وقت اقدم بكثير من هذه العلاقات اي الى عام 1955. الخرطوم هي التي تقول لهذه الانظمة ان عودة العلاقات بينها وبين دول الجوار, لها مدلول وتأثير مباشر على حل المشكلة او الحرب الأهلية داخل السودان, المشكلة هي مشكلة تحقيق الديمقراطية وان يكون المواطنون (سواسية) امام القانون المشكلة هي مشكلة الحريات العامة وجه السودان مستقبل السودان. * يقال انكم تتخذون قراراتكم دوماً تنفيذاً لسياسات خارجية ما ردكم؟ ـ أبداً نحن لدينا صداقات وعلاقات كجميع الفئات نحن نعمل من اجل تأمين دعم المجتمع الدولي لقضيتنا الذي بات مقتنعاً بأننا لم نبدأ ولم نكن طلاب حرب, وانما طلاب حق, وهو ان نعيش على ارضنا بسلام وتعاون مع اخواننا وجيراننا اما ان نتهم بتنفيذ قرارات سياسات خارجية, فنحن نقاتل ولا نزال مؤمنين بضرورة احداث التغيير ولا قرارات خارجية سوى لمصلحة ابناء الجنوب وابناء السودان. باريس طوني شامية