صبغ بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني زيارته لفلسطين المحتلة امس بطابع سياسي طغى على طابع رحلة اقتفائه آثار النبي موسى وزيارة مهد المسيح وارض السلام, وقبل لدى وصوله بيت لحم حفنة من التراب الفلسطيني قدمت له في وعاء بحضور الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وقرينته سهى (المسيحية)، وفي لفتة لإظهار التسامح واحترام مشاعر المسلمين اوقف البابا قداسا ترأسه في ساحة كنيسة المهد اثناء انطلاق الآذان لصلاة الظهر من مأذن مسجد مجاور. وقبل البابا تراب بيت لحم الذي قدمه له صبي وفتاة في وعاء من النحاس عند وصوله الى البلدة القريبة من القدس في خطوة اعتبرها الفلسطينيون ختما بابويا لطموحاتهم باقامة دولة مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وقال البابا في كلمة القاها في حفل استقبال حضره الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات (لا يمكن ان يتجاهل انسان قدر معاناة الشعب الفلسطيني في العقود الاخيرة, العالم يشهد عذابكم الذي طال امده) وصفق عرفات وزوجته المسيحية سهى عندما قال البابا ان الفاتيكان يعترف دائما بحق الشعب الفلسطيني في (اقامة وطن والعيش في سلام وهدوء مع الشعوب الاخرى في هذه المنطقة) ورفرفت اعلام الفاتيكان وفلسطين في المطار في الوقت الذي قبل البابا (79 عاما) التراب الذي قدم له في وعاء ببداية زيارته لبيت لحم التي تستمر يوما وتتخذ صبغة دينية وسياسية. ووقف البابا وعرفات على بساط احمر بينما عزفت الموسيقى وقام عرفات بتحية حرس الشرف. وتوجه البابا بعد ذلك في سيارته المدرعة الى قصر عرفات في بيت لحم حيث صافح وهو يجلس بجوار عرفات وسهى عشرات المسئولين الفلسطينيين الكبار ورجال الدين المحليين. وقال عرفات في القصر ان الشعب الفلسطيني يقدر بشكل كبير موقف البابا ومساندته لقضية الفلسطينيين وحقهم الطبيعي في اقامة وطن ذي سيادة. وردد كلماته على مسامع البابا: وجودك حدث تاريخي تسجله فلسطين وتعتز به لما له من ابعاد حضارية وسياسية. وسلمت اسرائيل بيت لحم للسيطرة الفلسطينية عام 1995 وفقا لاتفاق سلام جرى التوصل اليه ويسيطر الفلسطينيون الان على نحو 40 بالمئة من اراضي الضفة الغربية ومعظم قطاع غزة. ومضى البابا الذي يقوم بزيارة تستمر اسبوعا للارض المقدسة يقول ان الفاتيكان يعترف دائما بحق الشعب الفلسطيني في (اقامة وطن والعيش في سلام وهدوء مع الشعوب الاخرى في هذه المنطقة) . ومضى البابا يقول في قصر الرئاسة (على الساحة الدولية اعلنت مرارا انا واسلافي انه لن تكون هناك نهاية لهذا الصراع المحزن في الارض المقدسة دون ضمانات لحصول كل الشعوب المعنية على حقوقها على اساس القانون الدولي وقرارات واعلانات الامم المتحدة ذات الصلة) وأوضح ان طموحات الشعب الفلسطيني المشروعة لا يمكن ان تتحقق الا عن طريق سلام عادل ودائم ودعا الاطراف المعنية الى التحلي بالشجاعة والمرونة (والاذعان لمطالب العدل) . واجاب عرفات على سؤال للصحفيين عن رأيه في كلمة البابا بقوله ان هذه التصريحات كانت في غاية الاهمية خاصة عندما ركز البابا على قضية الشعب الفلسطيني. واضاف ان زيارة البابا حدث مبارك وله اهمية دولية. وقبيل توجهه لمخيم اللاجئين بالدهيشة, قال محمد اللحام رئيس لجنة فلسطينية مسئولة عن الاعداد لزيارة البابا للدهيشة ان هذه الزيارة اعلان وليست مجرد تلميح على ان البابا يدرك ان قضية اللاجئين بحاجة الى حل. وقال بطريرك اللاتين ميشيل صباح الشهر الماضي ان البابا سيخبر لاجئي الدهيشة انه من حقهم انهاء الالم الذي يعانونه بالاقامة في مخيمات غير نظيفة والعودة الى منازلهم. ومصير نحو اربعة ملايين لاجيء فلسطيني من القضايا الرئيسية التي سيحاول المفاوضون الاسرائيليون والفلسطينيون حلها في محادثات السلام التي استؤنفت في واشنطن أمس الاول. وهذه هي ثاني زيارة فقط يقوم بها بابا للكنيسة الكاثوليكية للارض المقدسة. وعلى النقيض من هذه الرحلة كان البابا بولس السادس قد أمضى 12 ساعة فقط في اسرائيل اثناء زيارته للارض المقدسة عام 1964 ولم ينطق ابدا كلمة اسرائيل. واحتشد اكثر من 20 الف فلسطيني في ساحة المغارة امام كنيسة المهد في بيت لحم لتحية البابا بحضور عرفات وسهى. وهتف الحشد (يوحنا بولس الثاني نحبك) و(يحيا البابا) باللغة الايطالية وهم يلوحون باعلام فلسطينية وباعلام الفاتيكان. وقد احاطت اعداد كبيرة من قوات الامن بالحضور. ولم يتمكن من عبور الحواجز التي اقامتها الشرطة عند المداخل المؤدية الى الساحة, الا الاشخاص الذين يحملون تصاريح خاصة بهذا الهدف. وخاطب بولس الحشد مطمئنا أياهم بأن السلام معهم وبقوله: لا تخافوا (انها الكلمات التي توجهها لكم الكنيسة اليوم لا تخافوا من سعيكم لحماية وجودكم وارثكم المسيحي في المكان الذي ولد فيه يسوع المسيح) . واكد ان (بيت لحم في قلب رحلة الحج في اليوبيل) , مشيرا الى ان هذه المدينة (موقع شهد النير والعصا) . وتساءل (كم من صرخات الابرياء سمعت في هذه الشوارع) . واكد ان زيارته الى بيت لحم جاءت عن (امل كبير) في نفسه لتحقيق حلم لديه منذ ان اصبح حبرا اعظم في 1978. وتابع البابا (بسلام الله احيي كل الشعب الفلسطيني مدركا انها لحظة ترتدي اهمية خاصة في تاريخكم) , قبل ان يصلي (من اجل عصر جديد من التفاهم والتعاون بين كل شعوب الاراضي المقدسة) . وبعد ان دعا الى تعزيز علاقات الوحدة والسلام حيا البابا المسيحيين من اتباع الكنائس الاخرى والمسلمين في بيت لحم. واظهر بولس سماحة واحتراما للمسلمين عندما ارتفع صوت المؤذن من مسجد قريب من كنيسة المهد حين انهى البابا كلمته التي حث فيها المسيحيين على البقاء في بيت لحم بالضفة الغربية والتي يمثل المسلمون أغلبية سكانها الان. جلس البابا صامتا في تأمل وهو يمسك بعصا فضية يعلوها صليب كما صمت القساوسة الذين حضروا القداس معه لحين انتهاء الاذان. وبعد انتهاء الاذان صفق الاف حضروا قداس البابا الذي يحج الى الارض المقدسة متتبعا خطى السيد المسيح0 ومن المقرر ان تستمر زيارة البابا لمدة اسبوع.