ربما لا تدل هيئة أنجيلا ميركل على أنها المنقذ من الشدائد والملمات, ولكن وقع عليها الاختيار لانقاذ الحزب المسيحي الديمقراطي من حظه العاثر بعد شهور من الفضيحة التي عصفت به. وميركل (45 عاما) التي جاءت من الجزء الشرقي من ألمانيا تبدو كنموذج للانثى التي يتوقع الكثيرون أن تكون من إنتاج النظام الشيوعي السابق. فهي قصيرة وذات شعر غير مساير للموضة وبدون مكياج على الاطلاق وترتدي بذلة غير مهندمة ـ إضافة إلى سلوك يتسم بالتواضع يتماشى مع تلك الهيئة وخلفية أكاديمية في علم الفيزياء. وقد اعتاد المستشار السابق هيلموت كول الذي أتى بميركل إلى مجلس وزرائه في عام 1991 والذي تلطخت سمعته بالوحل الان في فضيحة التبرعات, أن يخاطب ميركل بشكل أبوي بكلمة (فتاتي) . ومن غير المرجح أن تغري أول امرأة تتزعم الحزب المسيحي الديمقراطي ـ بفمها المنحدر إلى اسفل وعينيها البارزتين اللتين يكسوهما الحزن ـ ناخبين كثيرين بالتصويت للحزب عن طريق استغلال المفاتن الانثوية التقليدية. ولكنها لا تعبأ بذلك على الاطلاق. وفي الواقع فان عدم اهتمامها بصورتها لم يقف حائلا أمام بزوغ نجمها. ففي خلال عقد من الزمن صعدت ميركل بسرعة الصاروخ من كونها عالمة مغمورة تعمل في أحد مختبرات برلين الشرقية إلى سيدة أصبحت حديث الساعة في الحزب المسيحي الديمقراطي الذي حكم ألمانيا لفترة طويلة والذي أصبح حزب المعارضة الرئيسي منذ انتخابات عام 1998. وكانت (فتاة) كول هي أول مسئول رفيع بالحزب المسيحي الديمقراطي يهاجم المستشار السابق بعد تفجر فضيحة التبرعات السرية. ففي مقال نشرته صحيفة فرانكفورتر الجماينه في شهر ديسمبر الماضي قالت ميركل ان الوقت قد حان بالنسبة لكول لكي يترك المسرح السياسي ويسلم دفة الحزب للجيل التالي. وقد أوقع قذف أول حجر في محاولة قتل الملك الذهول والروع في قلوب الزعماء الاخرين للحزب المسيحي الديمقراطي. وأبدت ميركل شجاعة سياسية أكثر بكثير من منافسيها في الحزب وقت الشدة, ومنهم على سبيل المثال وزير الدفاع السابق فولكر روهه الذي أطلق سيلا من التصريحات بأنه لم يعرف أبدا أي شيء عن فضيحة التبرعات السرية والحسابات الخفية السويسرية التي غسلها حزبه فيها. وتستنكف ميركل, التي تنحدر جذورها من منطقة بحر البلطيق, إظهار العواطف بشكل علني. ولكن عندما تفجرت فضيحة الحزب المسيحي الديمقراطي كانت تخفى وراء مظهرها الهادئ بركانا من الغضب جعلها تتعهد بتخليص الحزب من المستنقع الذي غرق فيه. وبإطلاقها وابلا من النقد ضد كول تمكنت من انتزاع المبادرة وفازت بشيء يفتقر إليه تقريبا الان الحزب المسيحي الديمقراطي برمته ألا وهو المصداقية. ونشأت ميركل, وهي ابنة راعي كنيسة بروتستاني, في ألمانيا الشرقية ذات الجو المكفهر والصارم حيث اعتادت على مواجهة المحن في حياتها. فقد أفسد الموظفون الشيوعيون خطتها في بادئ الامر بأن تصبح معلمة بسبب صلاتها بالكنيسة. وبدأت بعد دراستها في جامعة ليبزيج عملها العلمي في برلين الشرقية. وفي عام 1989 انضمت ميركل إلى الحركة المطالبة بالديمقراطية الالمانية الشرقية, وهي حركة ذات صلة بالكنيسة كانت تطلق على نفسها الصحوة الديمقراطية. وفي أعقاب أول انتخابات حرة تجري في ألمانيا الشرقية في مارس عام ,1990 أصبحت ميركل متحدثة باسم حكومة ألمانيا الشرقية في ظل حكم رئيس الوزراء لوثار دي ميزيير. وتم انتخابها نائبة في البوندستاج (البرلمان الالماني) في أول انتخابات تشمل كل ألمانيا بشطريها الغربي والشرقي في عام 1990. بعد ذلك انتقلت إلى بون لتصبح وزيرة للمرأة والشباب في حكومة كول من عام 1991 إلى 1994. وأصبحت وزيرة للبيئة في حكومة كول من عام 1994 إلى عام 1998. وزاد نجمها لمعانا عبر السنين في الحزب المسيحي الديمقراطي. ففي عام 1991 تم انتخابها نائبة لزعيم الحزب. وعقب هزيمة كول في عام 1998 تم انتخابها أمينا عاما للحزب. وأدت سياسات ميركل إزاء قضايا مثل الاجهاض والمساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة إلى تصنيفها في الجناح المعتدل في الحزب المسيحي الديمقراطي الذي يعتبر حزبا محافظا. وبصرف النظر عن كل ذلك فان هناك مشكلة اخرى قد تواجه ميركل وهي افتقارها التام تقريبا للخبرة الدولية, فهي لا تتحدث الانجليزية الا بالكاد, رغم انه يقال انها ملمة باللغة الروسية, وقد اقتصر دخولها معترك الشئون الخارجية على رئاستها مؤتمر الامم المتحدة للمناخ في عام 1995 في برلين. وتزوجت ميركل مرتين وليس لديها اطفال, وزوجها الحالي استاذ في الكيمياء.ـ د.ب.أ