من يحسم الصراع في لعبة التنافس الدولية؟

تتشابك الاوضاع السياسية والعسكرية في منطقة متشابكة العلاقات والانتماءات والمصالح السياسية والاقتصادية وبينما ينظر الروس الى الثروة التي توشك ان تتسرب من ايديهم كالماء, ينظر الغربيون الى دفاعاتهم الاستراتيجية ومصالحهم الاستراتيجية ايضا. ومع قرارات اوروبا اللحاق بنادي الدول مالكة الصواريخ طويلة المدى, يرى سياسيوها ضرورة السيطرة على قدرات روسيا, او تحجيمها, او منعها بشكل او بآخر عن تهديد الغرب. وتبدو روسيا ازاء ازمات آسيا الوسطى كالنمر الجريح, تحاول استعادة ما لا تستطيع استعادته اليوم بعد ان مكنته من استقلاله, لها في هذه الدول ثروات, ومفاتيح لتكنولوجيتها, صناعات وقواعد صواريخ وقواعد لبرامج الفضاء, هذه الدول الخمس الفقيرة سياسيا والغنية بثرواتها وموقعها الاستراتيجي تؤرق روسيا التي تعرف انها هدف الناتو الاول بين خطى تمدده على الارض الآسيوية. وتدرك موسكو ان اوروبا تحاول تعظيم الخطر المقبل من آسيا لتستطيع انفاذ برامجها الامنية التي تحمي اولا مصالحها قبل شعوب هذه المنطقة, ولان منطق القوة لا يمكن ان يمضي مع روسيا التي مازالت تحتفظ بزرها النووي وصواريخها الباليسيتة وامكاناتها النووية, فان خطط اوروبا وامريكا تكمن في الشراكات التي ستقيد بها روسيا ودولها الخمس المستقلة ودول بحر قزوين. التنافس المحموم في هذه البقعة التي منحها الله ثروات ثرة عادت وتعود عليها بالدمار ومحاولات الاستعمار, يجري بين احلاف توشك ان تقوم في آسيا وبين احلاف قائمة تريد ان تزداد قوة على قواعد آسيا. فبين الصين وطموحاتها الاقليمية, والروس وطموحاتهم القومية, والايرانيين وتطلعاتهم الثورية, والاتراك وروابطهم العرقية والثقافية , تتمزق دول آسيا في الداخل الصغير والخارج الكبير. وقد نجد ان اقرب هذه الدول تحقيقا لمطامع امريكا هي تركيا, فهي قاعدة امريكية عسكرية تثير صراع الشرق الاوسط, ومخاوف ايران وروسيا معا. وهي صاحبة التأثير الاكبر في اربع من دول آسيا الوسطى على الاقل, تتحدث لغتها وتكاد تنتمي لها. في تركيا يدرس عشرة الاف طالب من وسط اسيا ورغم انها لا تقدم سوى بليون دولار من المساعدات لدول اسيا الوسطى مقابل 24 بليون دولار من المساعدات الروسية, لكن هذه الدول لا تريد مايربطها بروسيا سوى ما تبقى من المصالح والعلاقات وبعض الحماية التي قد تجعلها تتخلى عن طلبها اذا وجدت ظهيرا قويا. ونجد ان ايران وباكستان اقل طموحا في هذه الدول الخمس, رغم اعتقادهما بان الدين والعقيدة قد يجعلانهما تسيطران على المنطقة, لكن منطق الامور الذي تنظران اليه اليوم بوضوح اكثر, يشير الى فقدانهما هذا التأثير, وربما يبرر ذلك ردات الافعال الصادرة عن كلتيهما في اكثر من مناسبة. على الطرف الابعد قليلا نجد الهند وروسيا قلقتين في حمى الصراع بالمنطقة, فالهند التي تقاتل بشراسة من اجل كشمير المتاخمة لثلاث من هذه الدول يقلقها التأثير الباكستاني في المنطقة وهي بالتالي تحسب حساباتها على اساسين: * ان هذه المنطقة لها امتدادات عرقية مع باكستان صاحبة التجارب النووية التي قد تعادل قوتها النووية. * رغبة الهند في حرمان باكستان من منطقة تشكل للاخيرة سوقا لبضائعها, كما تريد ان تحرم باكستان من ظهير ديني قد يضعف حليف الند القوي (الروسي). اما روسيا فقلقها اكبر, فمع 9 ملايين روسي تركوا في آسيا الوسطى واستمرار القلق حول الاسلحة النووية التي هي موجودة في كازاخستان وتسيطر عليها روسيا, فان موسكو لديها قلق أعمق واسباب اقوى للتدخل, خاصة وان هؤلاء الروس لا يشكلون سوى نسبة محدودة في آسيا الوسطى. وطبعا يضاف الى ذلك الثروات التي تجد موسكو انها فرطت بها خاصة بعد فشل سياساتها الاصلاحية في روسيا وما يثير خوف روسيا اكثر التحدي لتطور جماعات اوراسية, اما انها ستمتلك مقومات تجعلها تبقى خارج هذا المرجل او انها ستنضوي تحت ألوية عديدة من المتنازعين عليها. ورغم كل ذلك تراهن موسكو ان آمال آسيا الوسطى بدولها الخمس ستبقى منعقدة عليها, فهي بحاجة اليها عسكريا وسياسيا واداريا .. هذه الدول التي تمتلك كل مقومات الاكتمال كقوى دولية لا تعرف كيف تدير بلدانها او تستثمر ثرواتها, لا تملك تكنولوجيا ولا خبرات او قدرات عسكرية عالية رغم ارتفاع نسبة التعليم فيها, انها دول ضعيفة في الوقت الحالي, وروسيا (الام) مازالت ملاذها الآمن .. لكن المستقبل لا يستطيع احد التكهن به وسط معادلات التغيير الجديدة والعولمة التي فرضت نفسها شئنا ام أبينا.

تعليقات

تعليقات