في المسافة بين بحر قزوين والصين تمتد آسيا الوسطى .. منطقة بادية الفقر والتخلف, يسكنها اسلاميون من اعراق مختلفة ومتشابكة بعلاقاتها مع دول الجوار, كانت جزءا من طريق الحرير الذي ربط الامبراطورية الرومانية بالصين, وكانت مسرحا للصراع بين روسيا والقوى البريطانية في لعبة القرن التاسع عشر, عندما كانت الامبراطوريتان تناوران بعضهما من اجل التوسع. نسيتها العصور الحديثة مثلما نسيها الاستراتيجيون عندما غزاها الاتحاد السوفييتي وضمها لامبراطوريته, وبقيت في الظل عندما غزا الاتحاد السوفييتي افغانستان في ديسمبر 1979 .. وعادت الى الاضواء عندما حصلت على استقلالها عام 1992 بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, فتركز الانتباه على اهميتها الاستراتيجية, والجيوبوليتيكية والاقتصادية, فصارت بؤرة للصراع البارد والحار معا. هذه الدول الخمس التي تحتل كازاخستان بينها تقريبا اطول شاطىء على بحر قزوين, وتحتل تركمانستان جزءا مهما على نفس البحر وتحاذي ايران وافغانستان, متشابكة العلاقات, متعددة الاعراق, بتشكيلة غريبة تسكنها وتربطها بدول الصراعات الآسيوية, مثلما تربطها بامريكا مصالح الاخيرة في ثرواتها. استقلت عن روسيا ونفضت عنها غبار الشيوعية, لكنها ما زالت تملك اذرع روسيا الطويلة في الصناعة والتسليح, وتربطها بالدولة الشيوعية السابقة اتفاقيات هي شروط لاستقلالها, وهي مع كل ثرواتها لا تزال ضعيفة, لا تملك جيشا لحمايتها سوى الجيش الروسي, تتنازعها الصراعات العرقية وصراعات المصالح لدول آسيا والغرب معا, لترسم بؤرة ملتهبة في حلبة الصراع الاقليمي ـ الاقليمي, والاقليمي الدولي, كيف يمكن ان نفهم هذه الصراعات ونحدد توجهها المستقبلي؟ دول تتنازعها الاعراق دول او جمهوريات وسط آسيا, خمس هن: كازاخستان وهي اكبرهن مساحة واهمية استراتيجية وجيوبوليتيكة, تركمانستان, فاوزبكستان, ثم طاجيكستان فقيرغيزيا. توصف بانها مجموعة مستقلة مترابطة حصلت على استقلالها عام 1992, تسكنها تشكيلة سكانية غريبة. وتعد سلة خبز كازاخستان هي الاكبر بملايينها السبع عشرة نسمة, ولفهم الصراعات في هذه المجموعة يجب النظر الى تركيبتها, السكانية المتشابكة. فنسبة الروس في كازاخستان اكبر دول المجموعة تبلغ 38% ويشكل الكازاخستانيون 40% معظمهم كانوا بدوا استقروا بالكاد في القرن العشرين والنسبة الباقية يتوزعها الاوزبكيون والتركمان. وتأتي اوزبكستان بالدرجة الاولى من ناحية السكان اذ يبلغ تعداد نفوسها 22 مليون نسمة, منهم 71% اوزبكيين والنسبة الباقية تتوزع بين الروس وفئة قليلة من التركمان. اما تركمانستان التي يبلغ تعدادها اكثر من اربعة ملايين نسمة, فيحتل التركمان نسبة 72% منها, والروس 10% والباقي اوزبكيون. ودولة قيرغيزستان التي تضم اكثر من اربعة ملايين نسمة فتنقسم تركيبتها السكانية الى 21% من الروس, 13% من الاوزبك, و 52% من القيرغيز, ولا يزال قرابة مليون قيرغيزي عبر تخوم الصين. وفي طاجيكستان التي يقترب عدد سكانها من ستة ملايين نسمة نجد انهم يتوزعون بين 11% من الروس, 23% من الاوزبك, 58.8% من الطاجيك, والباقي يتوزعون بين اليوغرور والقيرغيز وسكان البامير من الشيعة وللطاجيك في كسينج بانج الصينية اكثر من 300 الف طاجيكي. ويتوضح من ذلك ان الخليط السكاني في وسط آسيا تشكل نتيجة الضم القسري الروسي لهذه الدول, ولقرون خلت لم تكن هناك تخوم ثابتة او حدود دائمة, حكمها الخانات المنحدرون بشكل رئيسي من العرق المنغولي والذين خاضوا معارك ضارية مع الروس على اراضي هذه الجمهوريات. وكانت روسيا آخر قوة محتلة لهم, ولم تكن تقلق كثيرا برسم حدود هذه الجمهوريات طالما انها كانت اراضي داخلية للاتحاد السوفييتي. واليوم يحاول الدبلوماسيون والسياسيون بناء حدود جديدة مثلما يحاولون بناء هذه الدول بشكل حديث فالمنطق يقول لهم ان من الافضل البدء بصفحة بيضاء تتناسى فيها هذه الدول احقادها تجاه الروس او تجاه البريطانيين او حتى تجاه الجارات الساعيات للسيطرة عليها. الولاء للقبيلة وبشكل عام يمكن القول ان هذه المنطقة لا تدين بالولاء لاحد. فالولاء فيها عادة ما يكون شخصيا او قبليا اكثر من استناده الى القومية, والسياسات التي تقود هذه الدول مرتبطة بنزاع قديم حول امور كثيرة لعل اهمها نظام الحياة الذي يرتكز على نهرين يصبان في بحر الاورال, وهما لكثرة استخدامهما في الري والاستخدامات الصناعية الاخرى يجفان ويتسببان في نقص مياه بحر الاورال, ومع هذا الواقع تلوح في الافق كارثة خاصة مع ازدياد السكان. الفئات والاقليات مثل الاوزبك يبحثون عن توحيد اقليمي, الا ان السياسيين يقولون انهم يبحثون عن الهيمنة فهم تتنازعهم رغبات الجارات مثل تركيا التي يرتبطون بها ارتباطا تاريخيا وثقافيا, ونجد ان هذه الدول تتحدث التركية جميعها ماعدا طاجيكستان وذلك رابط ثالث يدعو تركيا لان تحاول بكل جهودها الاقليمية والدولية السيطرة او استعادة السيطرة على المنطقة. وجارتا الدول الخمس باكستان وايران من جهتهما لديهما منظور اسلامي, لكن الاسلام في هاتين الدولتين تتنازعه الانقسامات بين شيعة وسنة, وتجدر الاشارة الى ان هناك 50 مليون مسلم في وسط آسيا. مزقت المنافسة الشيوعية مع القوى القومية والاسلامية وسط آسيا, لكن سكان هذه المنطقة نبذوا الشيوعية على درجات فقيرغيزستان تخلت عن الشيوعية بشكل سلمي, بينما استخدمت طاجيكستان العنف فاحدثت الحرب الاهلية بين الشيوعيين السابقين والقوميين الاسلاميين. اما اوزبكستان فقد اغلقت حدودها فطلبت المساعدة الروسية. حاولت القوات الروسية ان تقيم جدارا من الدبابات على حدود اوزبكستان مع الطاجيك, لكن ذلك اثار حفيظة الكثيرين, فلم يكن الدرس الذي تلقاه الروس عند تدخلهم العسكري في افغانستان هينا, وهو بالتالي لا يزال يحكم سياسة موسكو تجاه ما يجري في كابول وتجاه سياسية كابول في وسط آسيا. ويمكن القول ان استقلال الدول الخمس هذه كان استقلالا منقوصا, فهذه الدول لا تزال تبحث عن هويتها, بينما يظل العنصر الروسي في قرار هذه الدول هو الاكثر تأثيرا سيما وان التنافس التركي الايراني عليها لم يحقق اهدافه المرجوة للبلدين بعد ما عدا احياء بعض الروابط الثقافية والاصول العرقية المحدودة. اما هاجس موسكو تجاه افغانستان فهو انتقالي, يتعلق بنموذج الاصولية الاسلامية وبخاصة مع (طاجيكستان, اوزبكستان, وتركمانستان). الا ان اوزبكستان التي تعد قاعدة الصواريخ الروسية مازالت تشكل اهمية لروسيا وافغانستان وتركيا والباكستان معا, ولذلك يسعى الروس الى الاستفادة من العروق الروسية الموجودة فيها بنسبة اعلى من شقيقاتها لدعم سياسة (ترويس) الدولة حفاظا على ما لهم هناك. صراعات المصالح اللعبة الكبرى على ساحة دول وسط آسيا تجري بين اطراف كثيرة اكبرها صراعات المصالح بين الغرب المتعاظم والروسي التقليدي. ودول آسيا الوسطى منفتحة لا توجد اسيجة او عوارض طبيعية تفصلها عن ايران وروسيا وافغانستان وباكستان وتركيا, وحتى الغرب الاوروبي. ويعدها الدارسون دولا محاصرة طبيعيا وتحتاج الى مساعدة جوارها لنقل مواردها الاولية الى السوق العالمية, وتحتاج الى اموال طائلة لاصلاح ما خربته الشيوعية واعادة البناء في الوقت الذي يساهم فيه العامل الاقتصادي في تدعيم موازين القوى لصالح مجموعة الدول على حساب مجموعة اخرى. * المسلمون في هذه الدول التي تشكل امتدادا لهضبة القوقاز وتشكل سوارا يحيط ببحر قزوين يبلغ تعدادهم (43 مليون نسمة) ويتوزعون في: * منطقة القوقاز: وتضم كلا من جمهورية اذربيجان الاتحادية وعدة اقاليم تتمتع نسبيا بالاستقلال الذاتي داخل ارمينيا وجورجيا, ومساحة الاراضي التي يوجد فهيا المسلمون 389 كم مربع ويوجد بها حوالي 21% من اجمالي عدد المسلمين في الاتحاد السوفييتي السابق. * منطقة تركمانستان: وتعتبر مقاطعة لجمهوريات وسط آسيا وشرق بحر قزوين ومساحتها 490 الف كم,2 بها حوالي 66.5% من اجمالي عدد المسلمين, وتضم خمس جمهوريات كما اسلفنا. * منطقة روسيا الاتحادية: ويوجد فيها حوالي 15% من اجمالي عدد المسلمين في الاتحاد السوفييتي السابق موزعين في منطقة تبلغ مساحتها حوالي 103 ملايين كم2 ويطلق عليها وادي الفولفا الاوسط في تتاريا وبشكيريا والشوفاش. البؤرة المشتعلة هذه المجموعات الثلاث تشكل الدول الاكثر حيوية اقتصادية واستراتيجية وجيوبوليتكية, كما انها تشكل اكثر البؤر اشتعالا من ناحية الصراعات العرقية. وربما تتركز اهمية ثلاث منها هن طاجيكستان, اوزبكستان, وتركمانستان في متاخمتها لدول مشتعلة اصلا وبؤر للصراعات مثل باكستان , افغانستان, وايران. وتأتي طاجيكستان في مقدمة دول آسيا تأثرا واهتماما بما يجري في جاراتها المضطربات, وهي الدولة الوحيدة بين دول الاتحاد السوفييتي, السابق التي تتحدث الفارسية وتعود الاصول العرقية لسكانها الى الفرس. كانت النظرة التاريخية لطاجيكستان وشمال افغانستان تعدها وحدة واحدة وتحقق لها ذلك في القرن الثامن عشر عندما حكم امير بخارى شمال افغانستان ويفوق عدد الطاجيك الذين يعيشون في الشمال الافغاني اليوم (اربعة ملايين نسمة) وهو عدد يساوي الطاجيكيين الذين يعيشون في طاجيكستان نفسها. مشكلات الحدود ثمة مشاكل حدودية بين طاجيكستان وجارتها اوزبكستان, فقد ضم ستالين جزءا مهما من اراضيها الى اوزبكستان يشمل مدينتي سمرقند وبخارى معقل الطاجك الثقافي, في اطار سياسة الخلخلة العرقية لشعوب المنطقة, منشئا مدينة دوشانبيه العاصمة الحالية لطاجيكستان, والتي تعني (يوم الاثنين) باللغة الفارسية. ومن الجدير بالذكر ان وادي فرغانة الطاجيكي تسكنه اغلبية اوزبكية, وفي اطار الخلخلة العرقية لشعوب المنطقة يتوزع سكان طاجيكستان ثلاث مجموعات رئيسية كما اسلفنا اكثر من نصفها من الطاجيك ثم الاوزبك فالروس فعرقيات اخرى. وتذكر مصادر كثيرة ان طاجيكستان كانت المعبر الرئيسي لقوات الاتحاد السوفييتي السابق الى افغانستان في فترة التدخل العسكري وقد دفعت التطورات الحاصلة في افغانستان روسيا الى تعزيز قواتها غير ذي مرة في طاجيكستان وروسيا تدعم نظام دوشانبيه تحسبا لما قد تسفر عنه نتائج الصراع في افغانستان بين قوات احمد شاه مسعود وحركة طالبان. وتحول الموقف تجاه طاجيك افغانستان الى اتهامهم بدعم نظام دوشانبيه وارسال الامدادات بالاسلحة وهو ما يعد خطرا مصيريا يتهددهم من قبل طالبان, ورغم التصعيد العسكري في افغانستان وحالة التأهب القصوى للروس الا ان الحدود لم تشهد اية تصعيدات او مصادمات بين الاثنتين, رغم ان الامر مازال يعد واردا وهو بالتالي حجة للروس لابقاء سيطرتهم على دول وسط آسيا. امتدادات عرقية اما الاوزبك فيشكلون المرتبة الثالثة في افغانستان بين عرقيات المجتمع الافغاني ونسبتهم تبلغ 10% ويتركزون في الولايات الشمالية التي كان يسيطر عليها الجنرال عبد الرشيد دوستم. لقد ظلت مناطق الاوزبك لفترة طويلة في منأى عن طاحونة الحرب حتى زحفت اليها قوات طالبان في محاولتين فاشلتين عام 97 واخرى ناجحة عام 1998 كان هناك هامش من التنسيق بين قوات طالبان ودوستم في ايامها الاولى وهذا هيأ درجة من الاطمئنان لدى اوزبكستان التي تقف بتصلب تجاه ما تسميه بخطر العناصر الاصولية وامتدادات تأثير حزب النهضة الاسلامي في طاجيكستان اليها. للاوزبك روابط عرقية ولغوية بتركيا, وقد بدا اوزبك افغانستان قانعين بالوضع الذي افرزه صراع الاطراف المتنازعين قبل ظهور طالبان على الساحة. ويثير اقتراب طالبان من المناطق الاوزبكية مخاوف اوزبكستان وتركيا التي لم تزل تطالب طالبان بالكف عن مهاجمة الشمال الافغاني حفاظا على مصالحها في المنطقة. وعلى خلاف اوزبكستان لم تشهد تركمانستان احداثا خطيرة على حدودها رغم سيطرة طالبان على مناطق حدودية متاخمة لها منذ اكثر من خمسة اعوام, كما لم تشهد اي نوع من انواع التوتر, بل بالعكس اقام الطالبانيون روابط تجارية مع عشق آباد التي كانت مصدرا مهما لوقود طائرات حركة طالبان عدا عن البترول الذي تستورده منها, وما زالت هذه العلاقة هادئة حتى بعد سقوط مزار شريف على ايدي طالبان, فالتركمان ليسوا مهتمين بالتوترات والنزاعات الاقليمية قدر اهتمامهم ببيع البترول الذي يساعد هذه الدولة التي تعد اكثر دول الاتحاد السوفييتي السابق تخلفا عن النهوض. باكستان وايران تأثير هذه الدول ليس اقل من تأثير افغانستان على منطقة وسط آسيا, فبعد سقوط كابول واستقلال دول آسيا الوسطى المسلمة, واقامة تكتل اقتصادي وكيان في المنطقة تدعمه روابط العقيدة والمصالح المشتركة التي تحولت اواخر القرن الى سراب, تشكلت قناعة لدى باكستان وايران بامكانية تحريك الروابط العرقية والدينية للحصول على مكاسب دولية واقتصادية وسياسية. تشكل هذه الدول طموحات اقتصادية مهمة لباكستان التي تحاول الاستفادة من النزاعات العرقية لتستقطبها في محاولة للحصول على دور في التشكيل الاقليمي الجديد للمنطقة. وباكستان اكثر الدول المعنية بما يجري في افغانستان فلها معها اطول حدود برية, ولكنها ايضا تهمها ان تصبح افغانستان معبرا لآسيا الوسطى التي يتسارع اليها الجميع, ولا ننسى ان نذكر ان امريكا كانت تنتظر من حركة طالبان تمهيد الارض لها لفرض هيمنتها على هذه الدول التي تعد بموقعها الاستراتيجي وثرواتها مطمعا امريكيا. اما بالنسبة لايران فينبغي القول ان الصراعات العرقية والطائفية في اسيا الوسطى تلقي بظلالها على الازمة الايرانية ـ الافغانية انطلاقا من المصالح الحيوية الاقتصادية والعقائدية, كما ان التنافس الايراني الباكستاني انعكس بدوره على ما يجري في وسط آسيا وافغانستان معا. ويجب الاشارة الى ان امريكا التي تدعم, وفق مصادر كثيرة طالبان, تسعى لتهدئة الاوضاع في دول وسط اسيا وعزلها عن التأثيرات المجاورة لها لمحاولة الهيمنة على ثرواتها, ولان الكثير من الشركات العاملة لانجاز مشروع انابيب الغاز لدول بحر قزوين ووسط آسيا شركات امريكية وهكذا نجد ان شعوب هذه الدول في حمى بحثها عن هوية تتصارعها النزاعات التي تضعفها وتجعلها جاهزة لاي سيناريو سواء كان غربيا ام روسيا ام آسيويا, وليس غريبا انها مازالت تلجأ في ظروف كثيرة الى الام التي انفصلت عنها, حتى تعزز هويتها او تنضم الى حلف اقليمي لتحقيق استقرارها.