أسرار لغز ملتف بالغموض اسمه عبدالباسط في اطار ما يمكن وصفه بالارتداد السريع بالذاكرة إلى الوراء - فلاش باك إذا شئت القول - يتوقف المؤلف سيمون ريف بتيار الأحداث عند ذلك الصباح العاصف من فبراير 1995 الذي ألقي القبض فيه على رمزي يوسف وحمل حملا رغم مقاومته العنيفة إلى حيث سيتم ترحيله بطائرة خاصة إلى الولايات المتحدة للتحقيق معه تمهيدا لمحاكمته, ويعود ليروي لنا القصة من أولها. ونحن, بالطبع, لن نتوقف في تلك المسيرة إلا عند المحطات التي تساعدنا في فهم عالم رمزي يوسف, ومن ثم في تقويم مدى صلابة الموضوعة التي يطرحها المؤلف وجوهرها ان الرجل جنبا إلى جنب مع أسامة بن لادن يجسدان جيلا جديدا من رجال الحركة السياسية ضد الغرب يعتمد العنف المطلق. والحقيقة الأولى التي يصافحنا بها المؤلف مجددا هي انه على الرغم من ان رمزي يوسف دخل الولايات المتحدة تحت اسم رمزي يوسف وتمت محاكمته بالاشارة إليه, إلا ان اسمه الحقيقي هو عبدالباسط محمد عبدالكريم. وقد ولد في الكويت في 27 ابريل 1968 وعلى وجه التحديد في منطقة الفحيحيل, وكان أبوه من أبناء قبائل اقليم بلوشستان الباكستاني, وانتقل إلى الكويت في سنوات الطفرة النفطية حيث تزوج امرأة تحمل جواز سفر كويتيا وان كانت أصلا من عائلة فلسطينية. البداية الشائكة وعلى الرغم من اتجاه الأب إلى الأصولية المتشددة إلا ان أبناءه تمت تربيتهم تربية عادية كتلك التي ينشأ في ظلها فتية في أي أسرة مسلمة, ويلفت نظرنا ان الفتى عبدالباسط سيبرز في دراسته ويتفوق في الانجليزية والرياضيات والفيزياء والكيمياء, وسيرتبط في هذه المرحلة بالأصدقاء الذين سيشاركونه مصيره بعد ذلك وعلى رأسهم عبدالحكيم مراد وإياد إسماعيل. ويلفت نظرنا أيضا انه في اكتوبر ,1984 وعندما كان عبدالباسط في السادسة عشرة من عمره حصلت له عائلته على أول جواز سفر يضع يديه عليه, وهو جواز سفر صادر عن القنصلية الباكستانية في الكويت. ويبدو انه لم تكن له حاجة ماسة للقيام برحلة طارئة للخارج, ولكن مجرد طلبه والحصول عليه يوضح ان عائلة عبدالباسط كانت بسبيلها إلى اتخاذ القرار الذي ستتخذه لاحقا وهو الاستقرار في بلدة ترعى تربه في بلوشستان تبعد 50 كيلو مترا عن الحدود الايرانية و350 كيلو مترا عن الحدود الافغانية. عندما زارت هذه البلدة الصحافية ماري آن ويفر في عام 1989 بعيد استقرار عائلة عبدالباسط فيها, وجدت أربعة آلاف من البلوش يخيمون في التلال المحيطة بها وهم مسلحون حتى أطراف الأصابع يعلنون تأييدهم للعراق ومن هنا فإنهم يعبرون الحدود للقيام بعمليات داخل العمق الايراني, وتعتقد المصادر التي ينقل عنها سيمون ريف ان معظم الذكور في عائلة عبدالباسط قد شاركوا في هذه العمليات. لكن الفتى عبدالباسط كان ينتظره مصير آخر, فعائلته لها أقارب وأصدقاء في انجلترا, ومن هنا شد الفتى الرحال إلى الجزيرة العتيقة, ومضى في البداية إلى أكسفورد, وليس معروفا ما الذي درسه بها بالضبط غير ان قصر المدة التي أمضاها هناك يوحي بأنه درس اللغة الانجليزية كلغة أجنبية في المساق التقليدي الذي يستغرق 12 أسبوعا والذي يدرس في كلية اكسفورد للدراسات التكميلية. وما لبث الفتى أن التحق بمعهد وست جلامورجان للتعليم العالي الذي يعرف الآن باسم معهد سوانسي, والذي رأينا انه اختلس من مكتباته المراجع التي استعان بها في اعداد قنابله والتي سيفقدها في حريق شقة مانيلا لتقع في أيدي مطارديه وتتحول إلى جزء من الشبكة التي ستلتف حوله في نهاية المطاف. إلى أفغانستان في العطلة الدراسية بالمعهد في عام 1988 سيمضي الفتى عبدالباسط محمد عبدالكريم, أو رمزي يوسف بالأحرى, إلى أفغانستان للمشاركة في الحرب ضد القوات السوفييتية هناك. بعد انتصار المجاهدين وانسحاب السوفييت من أفغانستان ستحمل رياح الأيام رمزي يوسف إلى بيشاور حيث يجد له العديد من الأقارب والأصدقاء ومن بينهم خاله زاهد الشيخ, الذي سيذهل المحققون عندما يرونه يتبادل حوارا وديا في حفل افتتاح مؤسسة خيرية في 28 فبراير 1993, أي بعد يومين من تفجير ابن اخته للمركز التجاري العالمي في نيويورك مع الرئيس الباكستاني فاروق أحمد خان ليجاري. غير ان من محققي مكتب التحقيقات الفيدرالية والمخابرات الباكستانية من لا يعتقدون ان رمزي يوسف قد حارب بالفعل في افغانستان في عام 1988, وهو ما أكده في حوار صحافي معه في سجنه بنيويورك وهم يقولون انه أمضى عدة شهور في معسكرات تدريب يمولها أسامة بن لادن, تعلم خلالها المهارات المتعلقة باعداد القنابل وصنع العبوات الناسفة, وقام بتدريس ما تعلمه عن الالكترونيات في سوانسي للمقاتلين. ويلفت النظر هنا انه في هذه المرحلة صادق محمد أبو حليمة, أحد أعضاء المجموعة التي ستشاركه في انجاز تفجير نيويورك. في الربيع التالي سيحصل رمزي يوسف على درجة الدبلوم الوطني العالي في الهندسة الكهربائية المستندة إلى دراسة الكمبيوتر, وهو مؤهل يقل عن درجة البكالوريوس, وسيغادر سوانسي إلى الكويت حيث تذكر بعض المصادر انه حصل على وظيفة في وزارة التخطيط. ولا ندري بالضبط أهي حقيقة أم محاولة لتشويه الرجل ما تقوله مصادر ينقل عنها المؤلف اشارتها من دون تأكيد لها من ان رمزي يوسف كان في الكويت في ذلك الصباح التعس من أغسطس الذي غزا العراقيون فيه الكويت وانه تعاون مع القوات الغازية. أيا كان الأمر فإن كل ما نعرفه هو ان الحكومة الكويتية ترفض القاء الضوء على أي معلومات في هذا الشأن باستثناء اشارة الشيخ علي الصباح السالم الصباح وزير الداخلية الكويتي إلى ان رمزي يوسف كان من الضالعين مع قوات الغزو. في أوائل 1991 اختفى رمزي يوسف وحكاية الاختفاء هذه ستتكرر كثيرا في مسار حياة صاحبنا, وكل ما يعرف عن هذه المرحلة من حياته انه أخذ في الترحال في أرجاء الخليج وباكستان وربما بريطانيا مستخدما جواز سفر مزورا, بل ان بعض المصادر تشير إلى انه شد الرحال إلى الولايات المتحدة وانه عندما دخل مطار جون كنيدي القريب من نيويورك في سبتمبر 1992 ليخطط لتفجير المركز التجاري العالمي لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يضع فيها قدمه على الأراضي الأمريكية. وبعض المصادر لا تتردد في ربطه في هذه المرحلة بشخصية غامضة هي احسان البربوطي, وهو الرجل الذي تعتقد بعض المصادر انه أمد ليبيا والعراق بالمواد اللازمة لأسلحتهما الكيماوية وانه كان الرجل الذي وقف وراء مصنع الربطة الليبي. ما هذا الهراء؟ أيا كان الأمر فإن رمزي يوسف سيواصل مسار حياته الحافل بالعمليات المدوية وصولا إلى النقطة التي التقيناه عندها في صدر هذا الكتاب, غير ان المؤلف يشدد على ان الرجل لا يمكن وصفه بأنه من الأصوليين المتشددين, وانما هناك دوافع أكثر مباشرة للقيام بعملياته المتوالية. ما هي هذه الدوافع على وجه الدقة؟ المؤلف هنا يعاود التأكيد على ان رمزي يوسف هو الرجل الأول بين نوعية جديدة من رجال الحركة السياسية ليست لها أهداف سياسية واضحة, يمكن ان نلمسها بأيدينا, فدافعه ليس دينيا صرفا ولا سياسيا بالكامل, وانما هو مركب معقد من هذين العنصرين يفصح عن ذاته في الرغبة في ايقاع الألم والمعاناة في صفوف أعدائه وبصفة أساسية في الغرب نظر لصلف هذا الغرب ولدعمه لاسرائيل. بالطبع من حق القارئ ان ينظر إلى هذا التحليل باعتباره نوعا من الهراء الحقيقي والكلام الفارغ الذي يفصح عن عجز مروع عن فهم عالم رمزي يوسف ومن على شاكلته, إلا ان سيمون ريف يمضي في تحليله مشيرا إلى انه من منظور رمزي يوسف فإن الغرب يؤيد اسرائيل والاسرائيليون يقمعون الفلسطينيين وبالتالي فلابد للغرب من ان يعاني من جراء جرائمه. وهنا يلفت نظرنا مجددا ان سيمون ريف في غمار تخبطه في فهم شخصية رمزي يوسف وتحليلها يعود إلى المقابلة التي أجرتها راغدة درغام ونشرتها صحيفة (الحياة) وكيف انها عندما قابلت رمزي يوسف حرص على ان يحمل معه كومة من الوثائق التي تؤكد الطابع غير المشروع للاحتلال الاسرائيلي لفلسطين. وهو ينقل عنها عدم اعتقادها بأنه متدين بشكل خاص وانها لا تعتقد انه شخص اصولي متشدد وانما هو اقرب الى فدائي يقاتل من اجل القضية الفلسطينية منه الى اصولي متشدد يدفعه الدين للمضي في طريقه وهو مقتنع تماما بأن ما تقترفه اسرائيل ظلم صارخ ولا بد من طريقة للفت الانظار الى هذه المظالم, وهكذا فإنه يبرر الارهاب بالارهاب. ويرى المؤلف ان رمزي يوسف يتوحد مع مجموعتين ثقافيتين الاولى هي البلوشيون الذين ينتمي اليهم ابوه والمجموعة الثانية هي الفلسطينيون الذين تنتمي اليهم أمه. ومن الناحية الفكرية فإن رمزي يوسف يشير الى مبدأ المسئولية الجماعية لتبرير ضرباته, ولا ينسى ان يذكر محدثيه بأن الاسرائيليين كانوا الطرف البادىء بقتل المدنيين الابرياء وان اسرائيل اخترعت طريقتها الخاصة في العقاب الجماعي, وهو يربط بين الاعمال التي اقترفها الاسرائيليون والتي ادانتها عشرات من جماعات حقوق الانسان على امتداد العالم وبين دافعي الضرائب الامريكيين الذين يدعمون الاسرائيليين في قتل الناس الابرياء وتعذيبهم. ويرى المؤلف ان غضب رمزي يوسف حيال المعاناة الهائلة للشعب الفلسطيني كان الغضب المحوري الذي دفعه الى العنف كأسلوب للرد, وهو يستند الى منطق احصائي بسيط, فيقول انه في عام 1917 وبحسب الاحصاءات الدولية كان هناك 1.1 مليون فلسطيني على ارض فلسطين, اما الآن وبعد 80 سنة فهناك أقل من سبعمئة الف فلسطيني, اما بقية ابناء الشعب الفلسطيني فأما انهم قتلوا او رحلوا عنوة او يعيشون في مخيمات مؤقتة او عبر البحار كأجانب, والامريكيون ايدوا دعم كل هذا القتل والترحيل على امتداد ثمانين عاما. ويوسع يوسف رمزي نطاق تحليله الذي ينقله عنه المؤلف من خلال (تكنيك التحليل داخل التحليل) فيقول ان الغرب كان الاول في قتل الأبرياء وادخال الارهاب إلى تاريخ البشرية عندما قصف اليابان بالقنبلة الذرية وقتل مئة ألف نسمة معظمهم من المدنيين بالقنابل الحارقة التي قصف بها طوكيو وان المدنيين في فيتنام قتلوا بأسلحة كيماوية مثل (الوسيط البرتغالي) وان أمريكا مضت قدما بالحرب أكثر من أي دولة في القرن العشرين ثم ها هي نجد لديها الجرأة لتتهم الآخرين بقتل الأبرياء. صيف من لهيب يمضي سيمون ريف في محاولة اضفاء حد أدنى من التماسك على تحليله لرمزي يوسف الذي لا يفتأ يذكرنا بشكل كابوسي ومثير للصذاع بأن التجسيد الحقيقي لجيل عديد من رجال الحركة السياسية يعتمد الارهاب المطلق. وهو في اطار هذا التحليل يؤكد لنا ان صيف 1991 كان مهما بالنسبة لحياة رمزي يوسف لانه عاد فيه إلى باكستان واستقر هناك ونسج على منوال أبيه الذي التحق بجماعة أصولية معروفة هي جماعة (سباع الصحابة) وتزوج من إحدى أخوات (أبو هاشم) وهو أحد المتشددين الباكستانيين والذي درس في الجامعة الإسلامية في باكستان, وبعد 15 شهرا من زواجه أنجب ابنتيه الأولى وتلتها أخت لها في أوائل 1994 بينما كان أبوها يواصل هروبه من شباك رجال مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية. وهذا الصيف مهم كذلك بالنسبة للرجل لانه كان بمثابة نقطة تحول في تطوره كرجل حركة سياسية, أو كارهابي كما يصر المؤلف على وصفه, وهو ينقل عن أحد المحققين الأمريكيين قوله: كانت تلك هي اللحظة التي بدأ فيها مسار حياته العملية كإرهابي حقا, فقد بدأ في الظهور مجددا في العديد من معسكرات التدريب التابعة لأسامة بن لادن موسعا نطاق معرفته الكبيرة بالالكترونيات والمتفجرات ومتلقيا المزيد من التوجيه العقيدي من المقاتلين المخضرمين الذين شهدوا المعارك الضارية ضد القوات السوفييتية في اطار خدمة قضية الحق. وتلك المرحلة التي صادق فيها رمزي يوسف عبدالرزاق أبو بكر الجنجلاني وهو أصولي من أبناء جزيرة باسيلان في جنوبي الفلبين, وكان ذلك هو المدخل الذي قاد رمزي إلى مهام تدريب في جنوب الفلبين. وكانت تلك أيضا هي المرحلة التي تعرف فيها بأصولي آخر يدعى أحمد محمد عجاج, ولم يطل الوقت حتى كان ينطلق معه في 31 أغسطس 1992 إلى نيويورك بعد ان تكفلت النقود بحل المشكلات المتعلقة بتأشيرات السفر والجوازات وما إلى ذلك من تعقيدات, واستقر مع مجموعة من الأصدقاء والمعارف الذين تربطهم صلات عائلية وعقيدية يبرز من بينهم المهندس نضال عياد, الاختصاصي في الكيماويات, ولم يطل الوقت أيضا قبل ان يبدأ رمزي يوسف في تحويل التجمع العشوائي المحيط بالشيخ عمر عبدالرحمن إلى جماعة منظمة قادرة على توجيه الضربات الموجعة لأعمدة القوة الأمريكية. المواد المشعة هنا ربما يتوقف القارئ ليسأل نفسه: هل قدم المؤلف للقارئ العربي شيئا جديدا بصورة حقيقية لم يكن يعرفه من قبل؟ بعض القراء قد لا يتردد في الاجابة بالنفي, فمعظم ما يطرحه المؤلف معروف للقارئ المتابع للقضايا المهمة في الشرق الأوسط في العقد الماضي. وربما, بالضبط, لشعور المؤلف بأن انطباعا كهذا قد يكون استقر في نفوس القراء, وبالتالي قد يدفعهم غير آسفين إلى طي الكتاب بصرف النظر عن استكمال قراءة ما تبقى من صفحاته, فإنه يبادر إلى طرح ما هو جديد حقا. ما الحكاية بالضبط؟ ينقل المؤلف عن مصادر المخابرات الامريكية اعتقادها بأن رمزي يوسف بدأ في هذه المرحلة استعداداته لنسف المركز التجاري العالمي في نيويورك وانه كان على اتصال منتظم بشريك في التآمر لم يعرف أحد له اسما في نيويورك, ومن غير الواضح ما إذا كان هذا الاتصال يتم مباشرة أو عن طريق طرف ثالث, وان من المعتقد ان هذا الشريك كان مقربا من اسامة بن لادن. والجديد الذي يطرحه المؤلف حقا هو ان هذا الشريك حاول الحصول على مواد مشعة لاستخدامها في نسف المركز التجاري العالمي في نيويورك من مصادر في الاتحاد السوفييتي السابق. والجديد أيضا ان المؤلف ينقل عن المصادر اياها انه من المعتقد ان هذا الشريك ركز انتباهه على الحصول على مادة السترونتيوم ـ 90 أو مادة السيزيوم ـ 137, وكلاهما كان من الصعوبة البالغة جعلهما آمنتين إذ استخدمهما رمزي يوسف, فالمادة الأولى متوسط عمرها الافتراضي بعد تشغيلها بنصف طاقتها يبلغ حوالي 28.8 سنة وعندما يستوعبها البشر حتى بمقادير بالغة الضآلة فإنها يمكن ان تتسبب في الاصابة بالسرطان, والثانية متوسط عمرها في الحالة نفسها 30.2 سنة وتترك بصمتها بقوة على الجسد البشري. وعلى الرغم من ان الشريك الموجود في باكستان لم يتمكن من تأمين هاتين المادتين ربما بسبب ضيق الوقت المتاح له فإن رمزي يوسف كان حريا ان يتردد في استخدامها, ويقول أحد مصادر المخابرات الأمريكية حسبما ينقل عن المؤلف: بأمانة شديدة فإن هذا ليس بالأمر الذي نحب ان نفكر فيه مجرد تفكير, دع جانبا ان نتحدث عنه. وبينما كان الشركاء في باكستان عاكفين على محاولة زيادة القوة التدميرية للعبوة الناسفة كان رمزي مشغولا بأمور ذات طابع تقليدي, فالمواد المتفجرة كانت في مستودع تم استئجاره في نيوجيرسي وكان المطلوب تحويلها إلى عبوة ناسفة ذات أبعاد تدميرية لم يسبق لها مثيل, على الرغم من كل المتاعب والمشكلات التي يمكن أن تعترض المجموعة المكلفة بالتنفيذ. ولم تكن هذه المتاعب والمشكلات بالقليلة, وإذا كنا قد رأينا ان أحد أبرز عناصر متاعب رمزي يوسف يتمثل في سائقي سياراته الملغومة حيث أفلت الاسرائيليون في السفارة الاسرائيلية بجلودهم من موت محقق في بانكوك لارتباك سائق سيارة قام رمزي بتلغيمها فإنه في الولايات المتحدة قد صادف قدرا من المتاعب من هذا النوع وان لم يصل إلى النهاية ذاتها. فقد تسبب محمد سلامة في حادث سيارة استدعى قدوم دورية شرطة المرور, ولم تكن السيارة عادية وإنما كانت تقل مواد كيماوية يمكن أن تتحول إلى كتلة من اللهب تلتهم السيارة بمن فيها السائق والراكب معه الذي لم يكن إلا رمزي يوسف والذي أصيب بجروح بليغة في الحادث. وعلى الرغم من ان رمزي كان عقب الحادث يعاني من ألم مبرح في ظهره إلا ان ما كان يعنيه بعد نقله إلى المستشفى هو أن يقنع الممرضات بأن يتحن له فرصة الحديث عبر الهاتف, وبالفعل بادر إلى الاتصال باعطاء آخرين في الخلية المكلفة بالتنفيذ وكان الأمر الأول الذي أصدره هو ضرورة التأكد مما حدث للمواد الكيماوية الموجودة في مؤخرة السيارة, وكان الحظ العصيب قد ساعده فلم تمتد يد إلى هذه المواد ولا إلى المعدات الموجودة معها, فلم يفتح رجال الشرطة مؤخرة السيارة التي سرعان ما استعادها محمد سلامة كما هي بعد يوم من وقوع الحادث. وفي أوائل فبراير كانت الطبخة قد نضجت وطلبت من يلتهمها. وبقي سؤال مؤرق: من الذي سيقود السيارة التي تحمل العبوة الناسفة؟ تذكر رمزي يوسف وهو يحاول الرد على هذا السؤال ان محمد سلامة فشل في اختبار القيادة أربع مرات قبل ان يفوز أخيرا برخصة القيادة وانه في النهاية تحول إلى سائق مروع أوشك ان يودي بالعملية كلها في حادث سيارة من قبل, ولهذا اتصل بصديق الصبا والأيام الخوالي في الكويت اياد اسماعيل لينضم إلى قافلة السيارات الصغيرة التي ستشق الطريق حاملة العبوة الناسفة إلى المجمع العتيد في جنوبي منهاتن. على امتداد التحقيق مع رمزي يوسف بعد اعتقاله وخلال محاكمة لم يشكك أحد في الحجم الكبير للعبوة ولا في العبقرية التي أعدتها وجعلتها العبوة الثانية من نوعها في تاريخ بكامله من انفجارات أمريكا والحدث الأول من نوعه بعد الحرب الأهلية الأمريكية الذي دفع بهذا العدد الهائل من القتلى والجرحى إلى المستشفيات الأمريكية. الآن وبعد ان اكتملت دائرة الـ (فلاش باك) التي ادخلنا فيها المؤلف تبقى أسئلة لابد من الاجابة عنها بحد أدنى من الوضوح والعمق معا, ما هي نقطة التقاطع بين رمزي يوسف وأسامة بن لادن؟ هل قدر لهما اللقاء أبدا؟ وبأي معنى يجسدان جيلا جديداً من رجال الحركة السياسية في مواجهة الغرب؟