الاخ جون, انت تعلم ان كل حركات المقاومة المسلحة تضطر لايجاد دعم اجنبي يمكنها من مواجهة دولة مؤسسة, ان الفرق بين قوة حركة انانيا التي كان يقودها الجنرال جوزيف لاقو والجيش الشعبي الذي تقوده انت لا يرجع للفرق بين قدراتكما الشخصية, لقد حظيت انت بدعم اجنبي كبير اذ تبناك حلف عدن في 1983, لكنه لم يحظ بدعم مماثل. ان واجب قادة حركات التحرير هو ان يوازنوا بين الحاجة للدعم الاجنبي, والفرص التي تفتحها لهم نتائج مبادراتهم ونضالهم لقد ضيعت انت ثلاث فرص حقيقة: * لقد كان المجلس العسكري الانتقالي والحكومة المدنية المصاحبة له حريصين غاية الحرص على الوصول معك لاتفاق عادل عندما استولوا على السلطة في ابريل 1985 لكنك اعرضت عنهم ولم تعترف بان تغييرا قد حدث بل واصلت صيحات الذئب .. الذئب .. تلاعبت بالسياسة واضعت فرصة ذهبية, لو انك اخذت الامر ماخذ الجد لاستطعت التأثير الايجابي على التطورات السياسية في الفترة الانتقالية لكن تصرفاتك ساعدت في اكثر من مرة برنامج صقور الشمال. موقفك السلبي من نداءات السلام في الفترة الانتقالية فتح المجال لنداءات الجبهة الاسلامية وصقورها اثناء الفترة الانتقالية. * وفي مرحلة لاحقة كنت مصرا ان يرد في اعلان ورشة عمل امبو (مارس 1989) النص الآتي: البند 17 (في السودان اكثر من اسلوب للنضال الثوري. والقتال واحد من الاساليب ان النضال سوف يسرع نحو غاياته عندما تتكامل وسائل النضال) هكذا دفعتك قيودك الايديولوجية لتدخل معك في برنامج تقويض دستور ديمقراطي بالقوة فصائل مشاركة في ذلك الدستور ونظامه السياسي. لقد اعطيت مبررا قويا لهجمات الجبهة الاسلامية القومية من خارج البرلمان على النظام الديمقراطي. * عندما انتخبت الحكومة الديمقراطية في السودان في ابريل 1986, كان واضحا لك انه برغم وجود مشاكل عالقة فان هناك قاعدة سياسية كبيرة تتطلع للتعاون معك من اجل السلام العادل. ولكنك اسقطت طائرة الخطوط الجوية السودانية فوق سماء ملكال واسقطت معها فرصة السلام الجديدة. المؤسف حقا انك في الحالتين كنت اسيرا لنزعات حليفك منقستو الذي كان لا يسمح باية خطوات جادة للسلام في السودان, هذا ما قاله وزير خارجية اثيوبيا في ذلك الوقت: قال لي (لقد ساعدت اثيوبيا السودان على تحقيق السلام عام 1972, ولكن السودان لم يقابل عملنا بعرفان بل استمر يساعد المتمردين في ارتيريا, لو لم يكن قرنق موجودا لاوجدناه, لن نسمح لكم بالسلام في الجنوب السوداني الا اذا ساعدتم على اخماد التمرد في الشمال الاثيوبي. لقد ساعدك منقستو ولكنه اجبرك ان تدفع ثمنا غاليا في خدمة اجندته. انت تعلم ان اجتماعاتكم في ظل مبادرة الايجاد حوارات طرشان. فالجبهة الاسلامية القومية الزمت نفسها باجندة تطرف اسلامي استقطبت ضدها جبهة عريضة مكونة من قوى المعارضة السودانية, وجهات اقليمية ودولية, هذا الاستقطاب جعل الحوار الايجابي بين اجندتهم وموقفكم مستحيلا. ولكن بعد عام 1997 ادرك النظام سوء موقفه واخفاق اجندته, وطفحت اخفاقات النظام على السطح وانقسم صفه. لا اقول ان النظام رأى النور فجأة, ولكن عوامل موضوعية جعلته يغير خطابه واسلوبه تلك العوامل الموضوعية جعلت استمرار الحرب والدكتاتورية مستحيلا وبشرت بفرصة حقيقية للسلام والتحول الديمقراطي. ولكن للاسف فان بعض العناصر في الادارة الامريكية لم تدرك المستجدات فاستمروا يتعاملون مع الموقف كأننا مازلنا في عام 1995. لقد درجت انت على التعامل مع اجتماعاتك مع الحكومة في ظل مبادرة الايجاد كمنابر علاقات عامة لاعلان اهدافك الحربية, لقد لمسنا هذا كله وحاولنا توسيع مبادرة الايجاد وبعد حين وافقتم انتم امامنا على ذلك التوسيع, سرا عارضتم التوسيع كما ذكر لنا السناتور الايطالي سيرى وآخرون. لذلك بحثنا عن بدائل فوجدنا بديلا. لقد وجدنا في المبادرة المصرية ـ الليبية كل العوامل المفقودة في مبادرة الايجاد. نعم, ان في المبادرة المشتركة مسائل, ولكنها مسائل ممكن حلها. لقد وقعت الحركة الشعبية وجيشها على اعلان طرابلس, تصورتم المبادرة المشتركة لاتقوى على البقاء فاذا صبر القاتل لمات المقتول!. لقد اعتمدتم على تعنت الجبهة الاسلامية المعهود ليخلصكم من المبادرة ولكن فات عليكم ان الظروف تغيرت. وتطلعتم لمؤتمر قمة الايجاد المتوقع في نوفمبر 1999 ليعلن رفضه التعامل مع اية مبادرات اخرى فيعفيكم من التعامل مع المبادرة المشتركة, ولكن مؤتمر قمة الايجاد خيب رجاءكم ورحب بالتعاون مع المبادرات الاقليمية الاخرى ذات الاهداف المماثلة. وفي اجتماعاتك مع المسئولين الامريكيين اثناء زيارتك لواشنطن في سبتمبر 1999 قلت لهم بصورة قاطعة, انك تؤيد مبادرة واحدة لحل ازمات السودان, مبادرة الايجاد, وانك قبلت المبادرة المشتركة لارضاء حلفائك في التجمع ولارضاء الدول العربية ولكنه قبول تكتيكي لا يؤثر على جوهر موقفك لا سيما وانت تعتقد ان المبادرة المشتركة شطر ميت, حدثت سامعيك بما يحبون ان يسمعوا, قال احد مستشاريك في اجتماع هيئة قيادة التجمع في القاهرة في اكتوبر 1999: (لقد قال لنا الامريكيون وهم يتحدثون عن المبادرة المشتركة اقتلوها) . يحلو لمنافسينا السياسيين ان ينسجوا قصصا حول سجل حكومتي في مجال حقوق الانسان, ولكن لا يوجد موقف من الامم المتحدة او هيئاتها المتخصصة او من المنظمات التطوعية ضد سجلنا في مجال حقوق الانسان. بل العكس هو الصحيح فان مدير اليونسكو الراحل خاطب مؤتمر الامم المتحدة والجمعيات التطوعية المنعقد في الخرطوم في 1988 مشيرا لمشروع شريان الحياة الذي ايدناه, ان هذا المشروع ينبغي ان يسمى المعادلة السودانية, وان يبرز مافيه من رحمة, وادلى ممثلون للجمعيات التطوعية بتعليقات مماثلة, كرروا مثلها في المؤتمر الذي دعا له البنك الدولي في الخرطوم في 1988 لمساعدة السودان في التعمير واعادة التأهيل بعد التخريب الذي سببته الامطار والسيول والفيضانات في اغسطس 1988. اضف الى ذلك فان مصادقة السودان على الاتفاقيات والمواثيق والمعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الانسان لم تتم الا اثناء الديمقراطية الثالثة: فيما يلي اذكرها مفصلا: المعاهدة الدولية الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, المعاهدة الدولية للحقوق المدنية والسياسية (كان السودان اول دولة عربية توقع على هذه المعاهدة) الميثاق ضد التعذيب وغيره من المعاملة المذلة والعقوبات القاسية, المعاهدة الدولية ضد كل انواع التمييز العرقي, المعاهدة الدولية الخاصة بحقوق المرأة السياسية, الميثاق الافريقي لحقوق الانسان والشعوب. وفي يناير 1987 عقدت منظمة حقوق الانسان العربية جمعيتها العمومية لاول مرة في قطر عربي او افريقي منذ تأسيسها عام 1983. اما الحركة الشعبية والجيش الشعبي فقد تعرضا لادانة قاطعة من قبل الامم المتحدة والمنظمات التطوعية ومنظمة العفو الدولية لدرجة جعلتنا كحلفاء لكم في حرج شديد. * لن اخوض في كل الادانات, لكن التقرير الاول والثاني اللذين قدمهما ليوناردو فرانكو للجنة الامم المتحدة الخاصة بحقوق الانسان والقرار رقم 15 ـ 1999 في 24 ابريل 1999 في دورة اللجنة رقم 55 ادان الحركة الشعبية والجيش الشعبي ادانة صريحة للتعدي على حقوق الانسان قال: (ان عمال الجيش الشعبي تستهتر بحقوق الانسان ولا تحترم قانون الانسانية) كذلك ادانكم قرار الجمعية العمومية للامم المتحدة في 23 نوفمبر 1999. * كتبت المنظمات التطوعية العالمية, جمعية صندوق انقاذ الطفولة, جمعية الرعاية العالمية, وجمعية اوكسفام البريطانية ورقة مشتركة في اكتوبر 1998 بعنوان (السودان من يريد السلام؟) جاء فيها الآتي: ان المسئولية الاساسية عن عذابات السودانيين تقع على عاتق الحكومة والحركة الشعبية والجيش الشعبي والميليشيات الاخرى التي تواصل حربا لا يستطيع احد ان يكسبها. * المذكرة التي رفعتها المنظمات العالمية الاربع للامين العام للامم المتحدة وهي كير (الرعاية), واكسفام, وانقاذ الطفولة, واطباء بلا حدود في اكتوبر 1998 وزعت اللوم بينكم وبين النظام السوداني. * وفي عام 1995 قالت منظمة العفو الدولية في تقريرها: يزعم الجيش الشعبي انه يؤسس سودانا جديدا, ولكن الحقيقة هي انه منذ تأسيسه في عام 1983 حفل سجله في مجال حقوق الانسان بعدم المحاسبة وعدم احترام قانون الانسانية, وفي عام 1998 جاء في تقرير لمنظمة العفو الدولية (ان الجيش الشعبي اعتقل صمويل مابور مالك وهو جنرال سجون سابق وقتله) . ختاما لهذا الفصل الحزين, انت تذكر اننا اجتمعنا في يناير 1998 في اديس ابابا فريق من حزب الامة وانا فيه, وفريق من الحركة الشعبية وانت فيه, وبحثنا في ذلك الاجتماع موضوع التعاون بيننا في منطقة جنوب النيل الازرق حيث اقام ممثلكم هناك ملوكية عرقية صارمة هزمت اهداف التجمع ونفرت السكان ففروا من اقليم السودان الجديد! وبعد تداول الآراء ساد التفاهم بيننا على ان يكون لحزب الامة طريق الى المنطقة, ولكن القائد مالك عقار لم يكن راضيا على ذلك وابدى اعتراضه هذا ثم قال: اذا جاء نجيب الخير ـ مندوب حزب الامة في المنطقة ـ الى الاقليم سوف اقتله. دهش الحاضرون .. ياله من سودان جديد! 6 ـ قضايا مثيرة للجدل: هنالك خمس قضايا مثيرة للجدل ولاهميتها البالغة سوف اتطرق لها بالتفصيل هي: التهميش ـ السودان الجديد ـ الدين والدولة ـ الديمقراطية ـ التدويل. أ ـ التهميش: التهميش قضية حقيقية الشكوى منها ملحة في السودان وفي كثير من اقطار العالم لا سيما في افريقيا, انها توجب الالمام بابعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ان بعض النخب تحاول احتكار القضية واعطائها لونا عرقيا, اكثر السودانيين عروبة هم قبائل الجمالة وهم من اكثر المهمشين في البلاد, كذلك ورغم اعدادهم الكبيرة فان السياسة البريطانية همشت الانصار وحرصت على ابعادهم من مؤسسات الدولة الحديثة لانها اعتبرتهم مصدر تمرد على السلطة الحاكمة ابعدتهم لقد كنا وما زلنا حريصين على وضع اسس للتعامل مع قضية التهميش ونرى ان تكون: * ان يكون الحكم لا مركزيا اقليمي او فدرالي. * المشاركة الموزونة في السلطة المركزية. * التنمية المتوازنة جهريا وعدالة توزيع الثروة. * الاعتراف بالتنوع الديني والثقافي. * وخاصة في امر الجنوب فان الوحدة لا يمكن اعتبارها من المسلمات بل تحتاج لتحديدها على اساس طوعي. لقد كادت التمنيات الخيالية الملونة بايديولوجيات اليمين واليسار ان تخرب السودان مرتين, ولكيلا نسمح مرة اخرى للاماني في ثوب الايديولوجية ان تخرب السودان ينبغي ان نحدد مفهوم التهميش تحديدا قاطعا للتعامل معه بموجب برنامج قومي عقلاني. ب ـ السودان الجديد: يبدو انك تعتقد ان مفهوم التجديد دخل المعجم السياسي السوداني مع الحركة الشعبية وجيشها, لقد كان عنوان برنامج حزب الامة الانتخابي بعد انتفاضة اكتوبر 1964م: (نحو آفاق جديدة) . وفي 1968م كون حزب الامة مع فصائل سياسية اخرى مؤتمر القوى الجديدة, وكان عنوان برنامج حزب الامة لخوض انتخابات 1968م : (اصلاح وتجديد) والانقلابان العسكريان في 1969م, وفي 1989م زعما انهما مقدمان على بناء سودان جديد واعادة صياغة الانسان السوداني. هنالك امور كثيرة قيمة في السودان التقليدي: الايمان الديني, الهوية الثقافية, وكثير من الولاءات الموروثة الحميدة. ان الهوية الثقافية من حقوق الانسان وينبغي احترامها, احترام يسمح بتلاقحها ولكن يمنع الهيمنة المطلوب هنا احترام الحميد في السودان التقليدي مع الحرص على المساواة والعدالة. ان اثيوبيا واوغندا ذهبتا الى ابعد من ذلك انهما اعترفتا بالهوية الثقافية في الدستور. كذلك هنالك اشياء كثيرة حميدة في السودان الديمقراطي القديم اذكر منها: خدمة مدنية محايدة, قضاء مستقل, اقتصاد يدار بأسس عقلانية, دولة رعاية اجتماعية, وصحافة حرة. ولكن اصلاح السودان القديم في المجالات الآتية ضرورية لبناء الوطن, وللتنمية, وللسلام الاجتماعي: * التخلص من العلاقات القائمة على الهيمنة الدينية والثقافية. * اعادة هيكلة الاقتصاد لتوزيع الثروة توزيعا عادلا ولتحقيق التوازن التنموي. * اعادة هيكلة مؤسسات الدولة والحكم لتحقيق مشاركة عادلة في السلطة السياسية, التنفيذية والادارية. ان الاخفاق في توضيح مفهوم السودان الجديد بشفافية تامة من شأنه ان يفتح الباب للأماني الخيالية والايديولوجيات قصيرة النظر المدمرة للوطن, بل المدمرة لاصحابها انفسهم كما حدث في الماضي ان الميثيولوجيا التي قد تمكن فئة من النخب على استمالة الجماهير من اجل الوصول للسلطة السياسية ستكون متاحة لنخب منافسة لتعبئة جماهيرية في اتجاه مضاد. ج ـ الدولة والدين: لا تبرح الحركة الشعبية والجيش الشعبي يتحدثان عن فصل الدين عن الدولة, والدين عن السياسة, والعلمانية, ولكنكم في الواقع تصفون مجلس كنائس السودان الجديد بأنه الجناح الروحي للحركة. وتعتمدون اعتمادا هائلا ماديا ومعنويا على المؤسسات الكنسية, وتشتركون في اجتماعات سياسية تدعو لها وتمولها جهات كنسية, معاهدة ونليت بين الدينكا والنوير في 27 فبراير ـ 8 مارس 1999م تقول: (اجتمع زعماء الدينكا والنوير والكنائس وقادة المجتمع المدني والشيوخ والنساء والشباب في ونليت ببحر الغزال السودان من اجل الصلح والسلام تحت رعاية مجلس كنائس السودان الجديد .. الخ) وجاء في (البيان) : لقد فتحنا مؤتمرنا بالقربان وذبحنا الثور الابيض (مابيور تن توبور) وختمنا العهد بالصلاة المسيحية والقربان التقليدي) . لقد قام الدين بدور هام في تاريخ السودان: وآثار ممالك السودان القديمة في مروي ونبتة تدل على الحماسة الدينية, ثم حكمت السودان ممالك مسيحية في مملكتي علوة والمغرة, ثم الممالك الاسلامية: ممالك الفور, الفونج, وتقلي, والمسبعات. ثم جاء غزو محمد علي للسودان في 1821م, وكان من الاسباب الهامة للثورة الدينية الوطنية ضد الحكم التركي ـ المهدية ـ الانحراف الديني لذلك الحكم, ثم حل بالسودان الحكم الثنائي بعد غزو عام 1898م. بعد استقلال السودان, ظهرت في برامج الاحزاب صياغاتها للهوية السودانية. ظهر التطلع الاسلامي في برامج الاحزاب السياسية ذات القاعدة الجماهيرية . التطلع الاسلامي هذا ازعج المجموعات السودانية غير المسلمة فخافت على هويتها الدينية المسيحية والافريقية وكيانها الثقافي. اتجه الرأي العام السياسي السوداني نحو التخلص من سياسة المواجهة والاستقطاب للاعتراف بالتعددية الثقافية والدينية, وكان المؤتمر القومي الدستوري سيبحث هذا الموضوع ويحسمه وفاقيا. ولكن انقلاب يونيو 1989م جر عقارب الساعة للوراء. السودانيون شعب عميق التدين. وحتى عندما يتخذون موقفا معاديا للدين سرعان ما يعودون اليه. فالحركة الشعبية وجيشها بدؤوا باتجاه ماركسي لينيني. ولكن في مرحلة لاحقة اتخذ د. جون قرنق موقفا ايجابيا نحو الدين ففي خطابه للمجلس العام لمجلس كنائس السودان الجديد قال: (ان مجلس كنائس السودان الجديد هو الجناح الروحي للحركة) . ان مقولات فصل الدين عن السياسة وفصل الدين عن الدولة قد ظهرت في الفكر الاوروبي عندما واجهت المجتمعات الديمقراطية الناشئة عرقلة كنسية. ولكن مع نضوج الدولة في اوروبا منذ مولدها في اتفاقية سلام وستفاليا في 1648م ومع نضوج النظم الديمقراطية في اوروبا وامريكا اثناء القرن التاسع عشر فان المجتمعات الغربية الديمقراطية توصلت الى معادلة عملية متوازنة بين الدولة والدين وبين الدين والسياسة, ان للكنائس نفوذا قويا في المجتمعات الغربية, وتقريبا كل الاعلام الاوروبية تظهر الصليب في رموزها, وفي بريطانيا الملكة هي رأس الدولة ورأس الكنيسة, ومجلس اللوردات وهو جزء من الهيئة التشريعية والهيئة القضائية في الدولة يجلس فيه كأعضاء عدد من رجال الكنيسة, وكثير من الاحزاب السياسية القوية في اوروبا تطلق على نفسها تسمية مسيحية كالحزب الديمقراطي المسيحي في المانيا وفي هولندا وفي ايطاليا. حتى في اكثر البلدان الغربية علمانية اي الولايات المتحدة الامريكية فان نفوذ المؤسسات الدينية السياسي كبير جدا, ان الاغلبية الجمهورية الحالية في مجلس الكونجرس الامريكي تحققت نتيجة لدعم المؤسسات المسيحية الاصولية للمرشحين الجمهوريين التي هرعت لتأييد الجمهوريين لان اتجاهات كلينتون الليبرالية افزعتهم لا سيما نظرته لحرية الاجهاض, وكانت المؤسسات الدينية على رأس القوى المطالبة بمحاكمة الرئيس كلينتون على مونيكا جيت. ولكن عندما تحول الموضوع لما يشبه الادب الفاضح فان هؤلاء رأوا وجوب قفل هذا الباب. قال بات روبرتسون الزعيم الاصولي المسيحي الشهير ان لامريكا اولويات اخرى غير الترويج للفضائح, كان لرأيه هذا اثر في توجه مجلس الشيوخ نحو حل للقضية دون المحاكمة. ان على الرئيس الامريكي ان يؤدي القسم عندما يتولى الرئاسة. ان اداء القسم مطلوب دستوريا لدى كثير من الاجراءات. قال الرئيس جورج واشنطن في خطاب الوداع (ماذا تكون الضمانات للممتلكات, وللحياة, وللسمعة, اذا صار القسم عاريا من المحتوى الايماني الديني, ان اداء القسم هو آلية من آليات التحري القضائي فان جردت هذه الآلية من مضمونها الايماني أصبح القسم خاويا والمصالح هدرا) . ان اكثر الرموز الامريكية مادية هي الدولار, على الدولار مكتوب: (توكلنا على الله) الدولة هي شعب وارض, وسلطات: تنفيذية, وتشريعية, وقضائية, ان على الدولة ان تعترف بمعتقدات الشعب. الدولة يجب ان تصدر تشريعات لتنظيم بعض جوانب حياة مواطنيها التي ترتبط بحقوق دينية في الزواج مثلا, وان على المحاكم الفصل في نزاعات تقع في هذه المجالات. ان كثيرا من الاجراءات الدستورية, والقانونية, والقضائية تقتضي اداء القسم, والقسم فيه محتوى ديني. كيف يمكن ان نفصل الدين عن السياسة؟ ان الاعتقاد الديني الحقيقي سوف يؤثر على آراء ومبادىء المواطن. ان الذين باستطاعتهم الفصل بين اعتقادهم ومواقفهم الاخرى هم الذين لايعبثون بالاعتقاد الديني هؤلاء لا يتحدثون عن فصل ولكن عن محو آثار العقائد في الحياة. ان الحديث عن العلمانية يعني تبني فلسفة لا ترى ان للمبادىء او المعارف قيمة ما لم تكن مستمدة من الحقائق المشاهدة في هذا الزمان وهذا المكان, عبارة علمانية مليئة بمعان كثيرة لا حاجة لنا بالدخول فيها وما يصاحبها من جدل فلسفي. نحن لسنا بصدد تهميش الدين ولا ينبغي ان نكون ولكننا بصدد اعلاء شأن المواطنة وحمايتها من اي عوامل تضعف رابطتها. ان علينا ان نعمل للآتي: * ان نجعل المواطنة اساس الحقوق والواجبات الدستورية. * عدم السماح لاي عمل سياسي يقوم على اساس الولاء الديني وحده. * يجب منع التمييز على اساس ديني او اثني او نوعي او ثقافي. الخلاصة: يجب ان يكون المواطنون احرارا في نشاطهم الديني ماداموا يلتزمون بالنظام الديمقراطي وما داموا لا يسعون لتحقيق امتياز سياسي او دستوري لانفسهم على اساس الولاء الديني, وما داموا يعترفون ان الدولة الوطنية حق لكل المواطنين دون تمييز. علينا الاعتراف بحقوق المؤمنين مع ايجاد هذه الضوابط, هنالك بعض شرائح المجتمع السوداني يهمها تقويض حقوق المؤمنين, في مايو 1998م وفي جامعة بنسلفانيا قال مندوبكم في واشنطن ستيفن واندو المقولة الذكية الآتية: (بعض الصفوة الشمالية والتي تسمي نفسها علمانية ـ تسعى لتقوية موقفها تحت مظلة الهوية والتعدد الثقافي, فبعد ان فشلت في ايجاد قاعدة شعبية لايديولوجيتها تحول اهتمامها تجاه الجنوب لايجاد تغطية لايديولوجيتها او لاقناع الصفوة الجنوبية بقبول ايديولوجيتها والمقاتلة دونها نيابة عنهم. هذه الصفوة الشمالية دائما ما تعبر عن ايديولوجيتها بصورة متطرفة وهي تسعى لوضع الاسلام موضع تساؤل والحط من قدر الثقافة العربية الاسلامية والبحث عن بديل لها انها حيلة تأتي بنتائج عكسية لانها تقود الى التطرف في الاتجاه المضاد. الحقيقة ان هذا الموضوع قتل بحثا واننا اتفقنا على اسس واضحة لحسمه في مؤتمر نيروبي 1993م, وفي مؤتمر اسمرا في 1995م. اننا ملتزمون حتى النخاع بما أبرمناه ونتوقع ان يلتزم الآخرون, ونطالب باتفاق على كيفية ضمان الوفاء بهذا الالتزام. د ـ الديمقراطية: ليست الديمقراطية في نظر كثير من النخب هي حكم الشعب لنفسه, انها الحكم من اجل مصلحة الشعب, والشعب في نظرهم جاهل لايعرف مصلحته الحقيقية. لكن هذه النخب تعرفها. هذا الفهم الابوي للديمقراطية تبنته ايديولوجيا اليمين واليسار وغطت القرن العشرين في الدماء, لقد كان هذا الفهم دائما المدخل لأسوأ النظم الديكتاتورية, اذا لم توضع ضوابط قوية لمفهوم الديمقراطية فان عددا من الفصائل المعارضة يمكن ان تتدافع نحو نظام بديل للنظام الحالي يفرض على البلاد وصاية سياسية لا تستمد شرعيتها انتخابيا من الشعب. وفي رسالتك للاخ غازي سليمان قلت ان القوى التقليدية في السودان (الامة والاتحادي) اختطفت انتفاضتي 1964م و 1985م, كما تعلم هذه القوى لم تحكم اثناء الفترتين الانتقاليتين بل كان الحكم الانتقالي في الحالتين الاولى بقيادة جبهة الهيئات والثانية بالتجمع النقابي, هذه القوى لم تصل الى الحكم الا عبر الانتخابات العامة الحرة. ان موقفك يدل على استخفافك بالناخب السوداني واحتقارك للارادة الشعبية, وهذا يقدم مزيدا من البرهان على موقفك السالب من الديمقراطية انت انما تفكر في وصاية تفرضها على السودان باسم احدى الايديولوجيات دون احتكام للشعب ولا معرفة لرأيه, ومثلما علينا ان نكون واضحين ودقيقين لضبط مفاهيم الدين والدولة والدين والسياسة فان علينا ان نكون واضحين بشأن الديمقراطية لكيلا نرفع شعارات تأتي التطبيقات بنقائضها. هنالك آخرون يرون الالتزام بالديمقراطية الليبرالية على اساس ان لكل شخص صوتا دون مراعاة لموازنات ثقافية واجتماعية يفرضها الواقع. ان ظروف السودان الوطنية, والظروف العالمية الحالية لا تسمح باي بديل للنظام الديمقراطي. لكن لكي تكون مستدامة فان على الديمقراطية ان تراعي توازنا: * ان تراعي مشاركة الانتماءات الثقافية والاثنية والدينية بصورة متوازنة. *ان تستوعب ما للقوى الحديثة من وزن فوق وزنها العددي. *ان تعالج تظلمات الماضي, ان موقفكم من الديمقراطية غير مطمئن ويوجب التوضيح القاطع. هـ ـ قضية التدويل ان اخفاقات نظام الجبهة الاسلامية القومية وسياساتها الاقليمية والدولية دولت القضية السودانية كما ان انحسار الثقة بين المنظمات السياسي السودانية سيما بين النظام والمعارضة يجعل تدخل جيران السودان واصدقائه في الاسرة الدولية حتميا, لذلك رحبنا ونرحب بمبادرة الايجاد, والمبادرة المشتركة, ودور شركاء الايجاد في محاولة حل الازمة السودانية, ان التوسط الذي يساعد السودانيين على حل ازماتهم توسط مطلوب ولكن اية محاولة لحل يراه طرف دولي ويفرض على السودان فوق رؤوس السودانيين سوف يأتي بنتائج عكسية, هذا النوع من التدويل الاجنبي مرفوض, اذا لم تكن مساعي الاتصالات الاقليمية والدولية هادفة لايجاد حل سياسي شامل واتجهت لايجاد حلول ثنائية او جزئية فإنها تمثل تدويلا ضارا. هذا النوع من التدويل الذي يحتضن طرفا سودانيا واحدا من شأنه ان يدفع النظام في تدويل لصالحه يستقطب بموجبه المناصرين هكذا يصبح السودان ميدانا لتصفية حسابات اقليمية ودولية وحروب بالوكالة. لذلك نتحدث عن تدويل حميد يساعد اهل السودان لحل مشاكلهم, وتدويل خبيث يفرض على البلاد أجندات لا تهمها المصلحة الوطنية. في الختام انت تعلم والناس يشهدون اننا عبر عقد من الزمان فرشنا لك ولحزبك النمارق, وانت تعلم والناس يشهدون ان علاقتنا بك وبحزبك كانت على المستويين الخاص والعام اخوية تعاونية. ولكنك في خطابك العلني في كمبالا في ديسمبر الماضي بادرتنا بهجوم ليس له ما يبرره, اقول: هجوما لا نقدا ولا نصحا, هجوما يصيح بنا للرد عليه لا يمكن ان يكون دافع حماسه ان حزب الامة لم يكن متشددا بالقدر الكافي في المطالبة بإجراءات بناء الثقة قبل الدخول في حوار مباشر مع النظام, فالحركة الشعبية تفاوض النظام منذ اكثر مراحله دموية في 1989م لقد قلت انت شخصيا انك لا تقيم لمثل هذه الاجراءات وزنا وانك مستعد للتفاوض دون مقدمات, ولا يمكن ان يبرره تصوركم ان حزب الامة خرق قرارات التجمع, فالحركة الشعبية والجيش الشعبي تعودا خرقها باستمرار مثلا موقف الحركة التفاوضي المحدد في مذكرة بتاريخ 3 اغسطس 1998 وقع عليها القائد سلفاكير مايارديت نائب رئيس الحركة الشعبية ورئيس هيئة اركان الجيش الشعبي نصت على (خريطة جديدة لدولة كونفدرالية جنوبية جديدة تحكمها الحركة الشعبية, ودولية كونفدرالية شمالية تحكمها الجبهة الاسلامية القومية, وفترة انتقالية لعامين تتقاسم السلطة الكونفدرالية المركزية اثناءها الجبهة والحركة بالتساوي. هذه المطالب كلها تعبر عن مواقف حزبية تتناقض مع كل قرارات التجمع المشتركة التي وقعت عليها انت شخصيا ووقعت عليها الفصائل الاخرى. اذن هجومك العلني لا تفسره تجاوزات مزعومة من حزب الامة فالحركة الشعبية مابرحت تمارس التجاوزات وعندما وصلكم ردنا المتوقع لم تشأ ان ترد على ما جاء من نقاط محددة بل ارسلت جوابا هو تجسيد للسلبية والعدمية ربما ازعجكم اننا حركنا الملف السياسي بفاعلية ساعدتها الظروف المواتية فاعلية تجاوزت اطار الايجاد الذي لا (يسمح) لاحد ان يتجاوزه. مهما كانت الاسباب الحقيقية فمن العدل ان نذكر انه عندما تحالفنا ضد اجندة الجبهة الاسلامية القومية الايدلوجية فإن ظروفنا وقواعد انطلاقنا مختلفة. نحن في الحقيقة تنظيم سياسي اضطر للعمل العسكري, انتم في الحقيقة تنظيم عسكري تقيسون الوزن السياسي بعدد المجندين, الحركة الشعبية في حقيقتها منبر علاقات عامة للجيش الشعبي. قواعدنا الشعبية مارست العمل السياسي بفاعلية مكنتنا من مساهمة قيادية في انتفاضتي 1964 و 1985 ومكنتنا من كسب معركتين انتخابيتين في 1965 و 1986 لكن قواعد انطلاقكم عسكرية وفي هذا المجال كان ما حققتم من نجاح وحتى تسوية خلافاتكم الداخلية فالوسيلة العسكرية هي المفضلة على غيرها, وفي الاراضي السودانية التي استوليتم عليها فان الادارة في حقيقتها ادارة عسكرية, اما في السودان الذي تحكمه الاسلامية القومية فإن لنا وجودا سياسيا مدنيا فاعلا, استطاع بحركته ضمن عوامل اخرى ان يحقق هامش حرية اوسع, هامش حرية اسرعنا لتوظيفه لمصلحة القضية الوطنية اسراعا لم تقدروه حق قدره. على اية حال ورغم الاختلافات فثمة ظروف قاهرة ينبغي ان تفرض علينا جميعا موقفا سياسيا واحدا: * ان بيننا وطنا منكوبا وشعبا طحنه العذاب, هذا كله يفرض على كل وطني ان يجهد نفسه لتحقيق تطلعات الشعب المشروعة, وفي هذا الصدد ينبغي الا يخفى علينا انه بالقياس للظروف مابين عام 1995 وعام 1998 فان فرص العمل العسكري صارت اضيق بينما فرصة العمل السياسي والدبلوماسي صارت اكبر. * هناك الان اجندة وطنية صالحة للالتفاف حولها وقابلة لتأييد اقليمي دولي يدعم الارادة الوطنية السودانية ويفرض الاجندة الوطنية على المسرح السياسي السوداني. الاجندة الوطنية هي: ـ ابرام اتفاقية سلام على اساس قرارات اسمرا 1995. ـ تحول ديمقراطي يكفل الحريات الاساسية وحقوق الانسان العالمية. ـ فترة انتقالية تديرها حكومة قومية واجباتها: * تفكيك دولة الحزب وتركيب دولة الوطن. *المساءلة عن التجاوزات وتحري الحقيقة بشأن التعديات ورفع المظالم. * ادارة الاستفتاء. عقد المؤتمر الدستوري الذي يقر الدستور الجديد مضمنا فيه نتيجة الاستفتاء. * اجراء الانتخابات العامة الحرة. * آلية التفاوض بشأن اتفاقية السلام, وبرنامج التحول الديمقراطي, وتكوين مهام الحكومة القومية الانفصالية ينبغي ان تكون المؤتمر القومي الجامع او الملتقى الجامع الذي ورد في المبادرة المشتركة المصرية الليبية. ولتحقيق مساهمة جيراننا المعنيين ان يكون المؤتمر او الملتقى برعاية مشتركة بين دول الايجاد ودولتي المبادرة. * ينبغي ان يكون لمنبر شركاء الايجاد دور مراقب. * ينبغي ان يكون لدولتي المبادرة المشتركة, ولدول الايجاد ولجنوب افريقيا ونيجيريا والجزائر ومنبر شركاء الايجاد والامم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية والجامعة العربية دور الشهود والمتابعين لضمان تنفيذ اتفاق الحل السياسي الشامل. ان الشعب السوداني اليوم في يأس وقنوط وشقاء بالعنف والمرض والفقر والشعب في الجنوب خاصة عرضة للابادة والاقتتال الاهلي, والنزوح, والوحشين الكاسرين الجوع والمرض. ختاما: ان الحاجة لاتفاق سياسي شامل لانهاء الحرب واقامة السلام وبناء الديمقراطية, وتحقيق الاستقرار حاجة ملحة. اننا لا نستطيع ان نجزم بحقيقة نوايا النظام ولا قدراته على الوفاء بالسلام العادل والتحول الديمقراطي الحقيقي, ولكن اذا تقاعس عن الوفاء فإنه حتما سيواجه جبهة وطنية, اقليمية, دولية لا مهرب من حصارها. نحن امام فرصة تتيح لشعبنا وقضيته العادلة احدى الحسنيين فرصة تشكل اضاعتها خذلانا للوطن واكتسابا للعنة التاريخ.