لبنان, كما يراه العديد من المراقبين ليس إلا ضحية للجغرافيا في المقام الأول. فهذا البلد الذي مزقته الحروب الأهلية والاحتلال, كان ذات يوم المنبر الأكثر تألقا في الشرق الأوسط وموقعه بين جيشين من أقوى جيوش الشرق الأوسط جعل منه ساحة للمعارك والاشتباكات التي تنشب بين كل من اسرائيل وسوريا من خلال عناصر تتحرك بالوكالة. وقد ساد نوع من الهدوء الحذر أعقب التصعيد الذي واكب قيام اسرائيل بالرد على الهجمات التي نفذتها جماعات حزب الله المقاتلة ضد قواتها العسكرية في الجنوب. وهكذا فإن الحكومتين في كل من تل أبيب ودمشق تلعبان لعبة خطرة واللبنانيون هم الخاسرون. وتحتفظ اسرائيل منذ غزوها للبنان في عام 1982 ببعض قواتها في شريط حدودي عرضه 15كم يمتد داخل أراضي الجنوب اللبناني. ومعظم الوحدات العسكرية في هذا الشريط تعود لقوات الميليشا الموالية لاسرائيل التي تعرف باسم (جيش لبنان الجنوبي) لكن اسرائيل أيضا تنشر بعض الوحدات العسكرية الخاصة بها في المنطقة. والخصم اللدود لهذه القوات هو حزب الله, الذي يلقى دعمه من إيران وسوريا, ويعارض الوجود الاسرائيلي في لبنان لا بل ووجود اسرائيل بحد ذاتها. ومنذ اجتياح الجيش الاسرائيلي للبنان في 1982 قتل نحو 800 جندي اسرائيلي في المواجهات العسكرية التي أسفرت أيضا عن خسائر فادحة في أرواح المدنيين اللبنانيين تقدر بآلاف الضحايا. ومنذ عام ,1996 التزم الطرفان بما يعرف بتفاهم ابريل الذي يحرم انطلاق الهجمات من مناطق مدنية, ويمنع أيا من الجانبين من البدء بضرب أهداف مدنية. وتزعم اسرائيل ان حزب الله انتهك هذه الضوابط في سلسلة من الهجمات التي أودت بحياة ستة جنود اسرائيليين, مؤخرا, إلا ان حزب الله أنكر أن يكون قد استخدم قرى الجنوب كدروع بشرية لحماية هجماته الأخيرة. وقد أغارت اسرائيل على البنية التحتية في لبنان بقصف ثلاث محطات كهرباء رئيسية. الأمر الذي أسفر عن تعطيل المحطات كليا ووقوع 15 جريحا بين المدنيين. ولحسن الحظ فإن حزب الله استجاب بعقلانية لقيام اسرائيل من جانب واحد باعادة صياغة بنود تفاهم ابريل, ولم يطلق أيا من صواريخ الكاتيوشا على أهداف مدنية داخل اسرائيل, واقتصر رده على شن هجمات ضد أهداف عسكرية فقط. وكما حدث على نحو متكرر خلال العقود الثلاثة فقد دفع لبنان ثمن ما قام به جاراه القويان, وقد تبنى حزب الله هذا الموقف الهجومي, لعلمه بأن الرأي العام الاسرائيلي يريد الانسحاب من لبنان تجنبا لمزيد من الخسائر في صفوف قواته الموجودة في الجنوب. وقد انتخب الاسرائيليون ايهود باراك بناء على الوعد الذي قطعه على نفسه أمامهم بالانسحاب من لبنان من جانب واحد مع حلول يوليو المقبل. ويعتقد ان سوريا التي تحتفظ لنفسها بحوالي 35 الف وحدة عسكرية في لبنان تمتلك زمام السيطرة على حزب الله ويتكهن بعض المحللين بأن دمشق اعطت حزب الله الضوء الاخضر بعد تعطل محادثات السلام السورية مع اسرائيل ويبدو ان سوريا مستعدة لكبح جماح حزب الله مقابل موافقة اسرائيل على الانسحاب من مرتفعات الجولان, اذن حسب المنطق الذي يسود الشرق الاوسط, فإن انسحاب اسرائيل من لبنان سيلغي نفوذ سوريا في هذا البلد. ويواجه باراك ضغوطا كبيرة لسحب قواته العسكرية بكاملها من لبنان وقد اظهر استطلاع رأي اجري مؤخرا ان اكثر من نصف الاسرائيليين يريدون هذا الانسحاب, حتى لو لم يتم التوصل الى اتفاق مع سوريا, لكن في الوقت ذاته لا يتحمل رئيس الوزراء الاسرائيلي ان يظهر بمظهر الضعف ولا ان يجازف بتعريض اسرائيل لهجمات داخل حدودها, وربما يكون باراك صاحب اكبر عدد من الأوسمة العسكرية الاسرائيلية لكن عليه ان يوفر الامن والسلام لمواطنيه, اذا اراد الاحتفاظ بمنصبه. وفي حين ان اي رئيس وزراء اسرائيلي يجب ان يعمل ضمن هذه الضوابط ينفرد باراك الآن بمشكلات ذات طابع خاص حدت من قدرته على المناورة, وتتمثل هذه المشكلات بفضيحتين سياسيتين داخليتين, الاولى طالت الرئيس الاسرائيلي عيزرا وايزمان وهو حليف قوي لعملية السلام, والثانية تتعلق بقضايا تخص حملات التبرعات التي يقوم بها حزبه, وحتى لو كانت نوايا باراك حسنة, الا ان غرائزه تبقى عسكرية لذا فهو يحتاج الى دبلوماسيين قادرين على ترويضه ومساعدته في المفاوضات الصعبة التي تنتظره. وقد اضيفت الى الصعوبات التي تعرقل مسار المفاوضات مع سوريا صعوبات اضافية انبثقت في سياق المفاوضات الموازية مع الفلسطينيين, الذين يخشون ان ابرام اتفاقية سلام مع سوريا سيكون على حسابهم. ولتجنب تشتت تركيز باراك عمد الفلسطينيون الى تجميد نسبي في المحادثات مع ان الطرفين كان من المفترض ان يتوصلا الى صيغة للاتفاق النهائي قبل 13 فبراير الماضي, وأحد المحاور الاساسية لهذه المحادثات يتمثل في حق العودة لمئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في مخيمات لبنان. وهكذا نرى ان قدر لبنان ان يجد نفسه في قلب عملية سلام الشرق الاوسط محاصرا بقوتين لا يقوى على مقاومتهما. ترجمة علي محمد