يتمثل الفارق الكبير الأول بين العولمة الآن والعولمة في بداية القرن الماضي - عندما كان مستوى التجارة عاليا تماما. كما هو عليه الآن - في ان عصر الامبراطوريات قد ولى. فباستثناء اليابان, لم يكن باقي آسيا مشاركا في أول اقتصاد معولم إلا بصفته مستعمرات أوروبية. أما الفارق الثاني فهو ان ثورة المعلومات قد حولت القوة بعيدا عن المراكز القديمة للسلطة والسيطرة, مفوضة بذلك بنى الهيمنة العالمية, التي ترسخت بعد الانهيار الأخير لاقتصاد عالمي مدمج ودخوله في حالة من الركود والحرب. وأحد الأسباب التي أدت إلى انهيار العولمة في الجزء الأول من القرن العشرين كان يتمثل في التضارب بين المصالح الاستعمارية في صراعها للحصول على مكاسب تجارية. وفي نهاية المطاف, فرضت الامبراطورية اليابانية على القوى الأوروبية الاعتراف بمركزها وحقوقها. والحرب العالمية الأولى لم تؤد إلى ايجاد حل لهذه التوترات بالكامل, ولم تنهر الامبراطوريات العظمى بالكامل سوى بعد الحرب العالمية الثانية واستقلال الهند والصين الشيوعية واندونيسيا وباقي آسيا وانطلاقها في ركب التطور. وفي العقود المباشرة من الزمن بعد الحرب, هيمنت الولايات المتحدة على المنطقة. ووصلت تلك الفترة أيضا إلى نهايتها مع بروز الاقتصادات الآسيوية. وكان لثورة المعلومات في العقدين الماضيين تأثيرها في نقل القوة بحيث لم تعد الدول الكبيرة ذات فاعلية في هذا المجال. وبالفعل, فإن التجارة الالكترونية تكتسحنا جميعا. وبالتأكيد فإن الانترنت يتيح الآن لكل شخص التخلص من براثن السلطة بدءا من سلطة الآباء إلى سلطة الدولة أو هيئة دولية كالأمم المتحدة. وتتيح الانترنت لك الآن امكانية الاتصال, على نحو مفاجئ, مع أناس خارج بلادك وفي شتى أنحاء العالم, وتتيح لك أيضا تشكيل مجتمعك الخاص. إن نقل القوة يوجد مشكلات جديدة للحكم العالمي الذي بدأنا نتأقلم معه. وهذه المشكلات تتراوح بين تهديدات السناتور الأمريكي جيسي هيلمز بأن الولايات المتحدة ستنسحب من الأمم المتحدة, إلى انهيار منظمة التجارة العالمية وإلى الاحتجاجات المناهضة للعولمة في سياتل او دافوس, وهذه جميعها محاولات لفهم هذا العالم الجديد الذي لم تعد فيه فعالية لهياكل السلطة القديمة والتي لم تحل محلها هياكل السلطة الجديدة. لم يعد باستطاعة الحكومات ان تتحكم بحركة الاموال او الاشخاص او الافكار او رأس المال, وكان هذا يمثل عاملا حرجا في الازمة المالية الاسيوية الاخيرة, وقد يقود كذلك الى ازمة شرعية بالنسبة للنظام متعدد الجنسيات الحالي والى رغبة من قبل الحكومات الصغيرة لاثبات وجودها واعلان الاستقلال الذاتي. والتحدي الكبير الذي يواجهنا هو التكيف مع هذا الواقع الجديد مع تلبية اهداف المؤسسات متعددة الاطراف الحالية وهي الحفاظ على الانفتاح والاستقرار. والخطر الان يتمثل في ان قوى التدمير بما في ذلك بعض المنظمات غير الحكومية التي تؤكد على مصالحها فقط قد تعطي زخما للفوضى. لقد استغرق هذا الامر عقودا حتى اصبحت اتفاقية الجات ومنظمة التجارة العالمية راسختين باعتبارهما العمليتين المشروعتين لتوسيع نطاق التجارة المفتوحة والحكم في النزاعات. وفجأة, اخبرنا في سياتل بأن هذه العملية لم تعد مشروعة وكانت المنظمات غير الحكومية تقول لنا نحن وزراء التجارة: (انتم لاتمثلون حقا شعوبكم, نحن نعرف افضل منكم ما هو الامر الجيد بالنسبة لهم) ولكن من هي هذه المنظمات غير الحكومية؟ ومن الذي يمولها؟ من تمثل؟ ومن اعطاها الحق بالتحدث نيابة عن الاخرين؟ لقد كان امرا في غاية الغرابة ان يأتي عمدة سياتل ويخبرنا بأنه يتعين علينا ان ننهي اجتماع منظمة التجارة العالمية في وقت محدد لانه, بعد ذلك, لايمكنه ان يضمن سلامتنا! واذا كانت منظمة التجارة العالمية, وهي هيئة تمثل معظم دول العالم, لايمكن ان تضمن ان بامكانها عقد اجتماعاتها من دون التعرض للازعاج, فان هذا يثير قضايا خطيرة جدا, وسواء في سياتل, سنغافورة او دافوس, فان النشطاء ينبغي ان يتم اشراكهم بشكل دائم في القضايا المهمة ولكن شريطة ألا يكون ذلك بسبب الترهيب في الشوارع. واذا سمحنا بذلك, فان النظام بأكمله عندئذ سينحل في النهاية. بقلم: جورج يو ، وزير المالية والتجارة السنغافوري