بينما تتفاعل الاحداث داخل تحالف المعارضة السودانية في المنفى بانسحاب حزب الأمة من التجمع الوطني في احدث تطور سياسي, تواصلت ايضاً مواجهات الرسائل بين الزعيمين الصادق المهدي رئيس حزب الأمة وجون قرنق رئيس (الحركة الشعبية لتحرير السودان) حيث تسلم قرنق رسالة ثانية من المهدي علمت (البيان) ان قياديين في حزب الأمة عكفوا على تحضيرها منذ تلقيهم رسالة قرنق التي اتسمت بالحدة الشديدة والتشكيك في مواقف حزب الامة تجاه الجنوب ورؤيته للسلام. واكد المهدي في صدر رسالته (الثانية) لقرنق ان (قرنق اتاح لنا فرصة واسعة لبحث كل القضايا بالوضوح والصراحة ورب ضارة نافعة) . وقال المهدي في رسالته مخاطباً قرنق (ان حزب الامة يعلن بوضوح تام اننا سنظل اوفياء للبرنامج الوطني الذي أمضيناه لا سيما نحو اخوتنا الجنوبيين مهما تقلب بك الهوى وتجاذبتك الاجندات) . واوضح المهدي ان قرنق استنسخ في جوابه الاباطيل التي ألفها اعداء المهدية والتي سهل تفنيدها بالحقائق والوثائق وقال: ان المهدي مات فقيراً ولم ترث اسرته مالاً ولا منصباً سياسياً) . وفقد المهدي ما اثاره قرنق في رسالته بشأن الرق وتسليح قبائل التماس, وموقف الحزب من اغتيال وليم دينق الذي قال المهدي انه صديقه الشخصي والقى المهدي الضوء على دور حزب الامة خلال المراحل المختلفة منذ الاستقلال وحتى مؤتمر القضايا المصيرية في أسمرة عام 1995 وركز على جهود حزبه في ضم الحركة الشعبية لتجمع المعارضة والمبادرات التي قادها لترسيخ حق الجنوبيين في تقرير المصير حتى أصبح واقعاً لاقامة الوحدة على اساس طوعي وعادل. وقال المهدي في رسالته ان قرنق درج على التعامل مع اجتماعات وفوده مع الحكومة في ظل مبادرة الايجاد كمنابر علاقات عامة لاعلان أهدافه الحربية وكشف المهدي ان قرنق ظل يعمل سراً معارضاً توسيع الايجاد وهي معلومات تحصل عليها من السيناتور الايطالي سيري وآخرون في لقاءاته بهم. وتحدث المهدي عن انتهاكات الحركة الشعبية لحقوق الانسان مستنداً على تقارير منظمة العفو الدولية وتقارير المبعوث الخاص للأمم المتحدة ومذكرات المنظمات الطوعية التي ادانت مثل هذه الممارسات, وقال ان سجل الحركة في هذا المجال حافل لدرجة لا تؤهلها على اتهام الآخرين بما ليس فيهم. وتناول المهدي في نقاش فلسفي قضايا الدين والدولة والاثنيات متعرضاً للمدارس الفكرية في الشرق الشيوعي والغرب الليبرالي قبل انتهاء الحرب الباردة وانعكاساتها على الواقع السياسي في السودان وقال اننا لسنا بصدد تهميش الدين ولا ينبغي ان نكون ولكننا بصدد اعلاء شأن المواطنة وحمايتها من اي عوامل تضعف رابطتها معدداً مقتضيات ذلك. وحول قضية الديمقراطية قال المهدي مخاطباً قرنق (ان موقفك من الديمقراطية يدل على استخفافك بالناخب السوداني واحتقارك للارادة الشعبية وهذا يقدم البرهان على موقفك السالب من الديمقراطية) . واختتم المهدي رسالته لقرنق بضرورة اتخاذ موقف سياسي واحد لتحقيق تطلعات الشعب السوداني رغم الاختلافات والتباينات والالتفاف حول الاجندة الوطنية. وقال المهدي نحن امام فرصة تتيح لشعبنا وقضيته العادلة احدى الحسنيين وفرصة تشكل اضاعتها خذلانا للوطن واكتساباً للعبة التاريخ وفي اطار اهتمامها بتوثيق الخطاب السياسي السوداني تنشر (البيان) نص رسالة المهدي الى قرنق المؤرخة في مارس عام 2000م على حلقتين. د. جون قرنق دي مابيور رئيس الحركة الشعبية وقائد الجيش الشعبي جون قرنق لك تحياتي.. وبعد, طالعت نسخة من جوابك على خطابي, جواب خلا من بحث القضايا المطروحة وخاض ذما شخصياً, ومعلومات بادية البطلان لا تقوى على الفحص والبرهان. اولاً: لقد قامت علاقتنا مع الحركة الشعبية والجيش الشعبي على تحالف, ابرمناه ضد طغيان الجبهة الاسلامية القومية لكي نأخذ بيد شعبنا ونحقق تطلعاته في السلام العادل, والاستقرار الديمقراطي, والوحدة الطوعية, ومنذ ابرامنا اتفاقاتنا التزمنا بالوفاء والجدية معكم ومع زملائنا في التجمع الوطني الديمقراطي. ولكن حديثك العلني في كمبالا في ديسمبر الماضي, وجوابك الاخير كشف آراءك الحقيقية ومشاعرك لا نحو حزب الامة وحسب ولكن ايضاً نحو البرنامج الوطني ومقاصد السلام, والديمقراطية, والوحدة الطوعية, المقاصد التي وثقناها في أديس أبابا, وفي نيروبي, وفي شقدوم, وفي أسمرة. ان حزب الأمة يعلن بوضوح تام اننا سنظل اوفياء للبرنامج الوطني الذي امضيناه لا سيما نحو اخوتنا الجنوبيين مهما تقلب بك الهوى وتجاذبتك الاجندات. ثانياً: لقد استنسخ جوابك الأباطيل التي ألفها أعداء المهدية, والمهدية المتجددة, وحزب الأمة القومي الجديد فزودتنا بقائمة الهمز واللمز والاتهام قائمة سهل تفنيدها بالحقائق والوثائق. ثالثاً: تحالفنا حينا من الدهر تحالفاً فيه ما فيه من مخاطر الحياة والموت, لكنكم رغم ذلك لم تفصحوا ابداً عن حقيقة اهدافكم السياسية تاركين خياراتكم مفتوحة, معتمدين على عدوانية الجبهة الاسلامية القومية ان تبقى معزولة, وتبقى خصومها موحدين, وحاصلين على تأييد اقليمي ودولي اكيدين. لقد لقي النظام منا صمودا وتصدياً ولقي في محاولاته اخفاقاً فتداعت اجندته وتبدل خطابه, ولكن بعضكم من فصائل التجمع الوطني الديمقراطي لم ير في المستجدات جديداً وعندما اقدم حزب الامة على مخاطبة المستجدات تكالب عليه هؤلاء تكالب على ذي جنة وامطروه وابلا لم يمطروا به الجبهة الاسلامية نفسها بمثله. لم نكن محتاجين لبرهان ساقه جوابك الاخير وزيادة ان نداءات الريادة وقعت في آذان صماء يقينها يقين النعامة ان ما لا يسمع ولا يرى لعينها واذنها لا يوجد, لقد تعددت في صفوفنا الآراء, لكنها ليست بين من آثر السلامة وفضل الاستسلام في رحاب العدو ومن لازم النضال وعهد القتال كما يحلو لكم تصويره, نعم هنالك رأيان احدهما مشدود لظروف الاعوام 1995م - 1996م - 1997م عندما كان نظام الخرطوم مستمسكاً بأجندة احادية وحملة جهادية وأساليب توسعية والرأي الآخر الذي يرى ان الصمود الوطني والتصدي أسقط الاجندة الايديولوجية وتحدى الارادة الدكتاتورية وخلق واقعاً وطنياً, اقليمياً, دولياً جديداً جعل ابرام اتفاق للحل السياسي الشامل يحقق السلام العادل والتحول الديمقراطي اقرب منالا. لقد اتاح جوابك لنا الفرصة واسعة لبحث كل القضايا بالوضوح والصراحة, رب ضارة نافعة لقضية السودان الوطنية. 1 ـ المهدية قال المؤرخ البريطاني بيتر هولت: (ان الذين ارخوا للمهدية في الماضي انما سطروا دعايات حربية) هكذا كان ما كتبه سلاطين, واهر ولدروونجيت وتشرشل, المصادر التي غذت معلوماتك المشوهة عن المهدية, ولكن منذ ربع قرن من الزمان استيقظ ضمير كتاب غربيين دفعت بهم الموضوعية الاكاديمية لمراجعة تاريخ المهدية, فكتب هولت, وثيو بولد وفليب وندسور, وآخرون تأريخاً أكثر موضوعية. أما المؤرخون السودانيون الحديثون ابتداء من مكي شبيكة الذي قال: (انه راجع تأريخه بعد ان اطلع على المصادر الاصلية) , ومرورا بالآخرين ميمونة ميرغني حمزة, محمد ابراهيم ابو سليم, سعيد القدال وغيرهم, فإنهم التزموا موضوعية أكبر هولاء اعتبروا المهدية حركة تحرير وتوحيد للوطن وحركة تأصيل ثقافي, لم يسقطوا هناتها بل أحصوها ولكن وضعوها في اطارها التاريخي, اما اعتبارك المهدية مجرد حركة لتأسيس تجارة الرقيق واستشهادك بكتاب الأخ محمد ابراهيم نقد للبرهان على ما تقول فقد كان أكبر انزلاق في قشر من موز ابدى الأخ نقد في كتابه ملاحظتين في هذا الصدد وهما: الاولى: ان المهدية مع انها لم تأمر بإلغاء الرق, قد اتخذت من الاجراءات ما حاصره عملياً. الثانية: ان الادارة البريطانية في السودان ضخمت من ادانة الرق لكنها تسامحت معه عملياً. الشاهد الاول: لقد منعت المهدية تصدير الرقيق لأسباب استراتيجية, ومنعت تجنيدهم في جيوش خاصة, وجندتهم في سلاح الجهادية وقررت ان من ينضم للجهادية يعتق وضيقت المهدية من اسواق الرق بحصرها في سوق مركزي واحد في ام درمان يكون تحت اشراف بيت المال هذه العوامل اسهمت مجتمعة في الحد من تجارة الرقيق بالحجم والمدى الذي كانت عليه في التركية. الشاهد الثاني: قال: بعد سبع وثلاثين سنة من عمر الحكم الجديد في السودان اي في مايو 1936م استمر متسامحا مع الرق ولم يأمر بالغائه بحجة ان الغاءه مرة واحدة غير عملي ويضر بمصلحة الارقاء انفسهم. نعم حالت حماسة المهدية الدينية دون تجاوب جنوبي تام مع أهدافها الثورية ولكن رغم ذلك كانت المهدية اول صلة شعبية بين الشمال والجنوب بموجب الشواهد الآتية: كثير من قبائل الجنوب شدتها مواقف المهدية المعادية للاستعمار قبائل توقويو, الديمو, البتقو, الشلك, النوير والدينكا.. تجاوبت اوساطهم مع الثورة وخرجت عن طاعة حكم الاتراك, وارسلت وفود تأييد للمهدي. وفي كتابه طائر الشؤم يذكر د. فرانسيس دينق كيف دخلت المهدية في الفلكلور الجنوبي اذ اعتبر بعضهم المهدي تجليلاً لروح (مانقديت) وفي مجال آخر استشهد فرانسيس بأغنية للدينكا في تمجيد المهدي ثم ذكر بعد ذلك ان هذه الصلة الايجابية انقطعت. لقد تعثرت العلاقة على مستوى الدولة للصعوبات امام استقطاب كوادر جنوبية بالحجم المناسب ولانشغال المهدية بالمواجهات الحربية. سياسة المهدية الهادفة لتوسيع المشاركة بين القبائل ادت لصعود قادة اكفاء امثال حمدان ابو عنجة والزاكي طمل الى اعلى درجات القيادة. ان سياسة مشاركة كافة الشرائح الاثنية هذه بلغت درجة ان مادح المهدي الشيخ احمد ود سعد قال في مدحه: (خليت الحر يقول سيدي للعبد) . سياسة المهدية السكانية جعلت أم درمان العاصمة الوطنية بوتقة انصهار لاثنيات السودان, قال كاتب اوروبي عن ام درمان التاريخية (لقد صارت ام درمان صورة مصغرة لتركيب السودان الاثني وفيها تجد كل الالوان من اكثرهم سوادا, الى أكثرهم بياضاً وفيما بينهم هذا الاختلاط الاثني صار النواة الاولى للوعي القومي السوداني لا غرو ان شهدت أم درمان مولد الوعي القومي السوداني وصارت عاصمة البلاد الوطنية رغم سياسة الاستعمار المعادية لها. على الصعيد الاجتماعي شجعت المهدية تلاقح الاعراق. اسرة المهدي نفسها صارت تجسيداً ورمزاً للاختلاط الاثني, هذا النهج شكل قدوة وتوجها تربوياً على طرفي نقيض مع مفاهيم النقاء العرقي السائدة في كثير من الاوساط. 2 ـ المهدية المتجددة: جاء في خطابك ما يدل على انك تعتقد ان الامام عبدالرحمن ورث ثروته من أبيه الذي كونها بأيدي الرقيق اثناء المهدية ثم ورثها لاسرته, هذا الفهم يدل على غيبوبة تامة عن تاريخ السودان الحديث. المهدي لم يكون ثروة خاصة لقد مات فقيراً ولم ترث اسرته المباشرة مالا ولا منصبا سياسياً (سأله احد اقاربه قبل وفاته ماذا ستترك لأبنائك من بعدك؟ قال له: (ان كانوا صالحين فالله يتولى الصالحين وان كانوا طالحين فلا حاجة لي بهم) . أما عبدالرحمن ابنه الذي ولد بعد وفاة أبيه وسائر اخوته واخواته فقد عاشوا فقراء في المهدية ثم جاء الغزو الاجنبي فبطش بالاسرة وشرد افرادها, ان الثروة التي كونها الامام عبدالرحمن المهدي فيما بعد عمل عصامي مثل ما حقق فورد وروشايلد وغيرهما من العصاميين في التراث الغربي, لقد شهد المؤرخون السودانيون بدور الامام عبدالرحمن في التنمية الاقتصادية الحديثة في السودان لقد كان رأي الادارة البريطانية حول نشاط الامام عبدالرحمن الاقتصادي منقسماً بعضهم كان يرى تعويقه وآخرون رأوا تشجيعه لان فيه ما يشغله بالماديات عن النشاط السياسي, لقد استطاع الامام ان يكتم حقيقة مقاصده على الادارة البريطانية في السودان وان يساهم في تنمية البلاد الاقتصادية وان يوظف ثروته سياسياً لتحقيق استقلال السودان, ان قصة ثروة الامام عبدالرحمن مفصلة في سيرته الذاتية التي اعاد طبعها مركز الدراسات السودانية في القاهرة, انها قصة موثقة وقد خاض فيها عدد من المؤرخين السودانيين, انها قصة درسها حسن احمد ابراهيم الذي قال في مقدمة كتابه عن الامام عبدالرحمن: (اتسمت البيئة التي نشأت فيها بالعصبية والتشنج لدرجة وصمت الامام عبدالرحمن المهدي بممالأة نظام الحكم على اقل تقدير ووصلت المبالغة احياناً بوصفه خائناً وتابعاً ذليلا لبريطانيا المستعمرة وطوال فترة طفولتي الباكرة ثم مرحلة الشباب كنت مقتنعاً شخصياً, ومعي الكثيرون من ابناء جيلي بتلك الادانة على ما فيها باعتبار انها مسألة مسلم بها, ولا غرو فما زالت فكرة الخيانة تلك عالقة بأذهان بعض الدوائر في السودان وغيره وحين عركتني ميادين الدراسة, واتيح لي الاطلاع على الوثائق والمخطوطات البريطانية التي تقتنيها خزائن كتب الخرطوم ولندن ودرم وغيرها, استقر عندي اية سذاجة وبطلان وتعسف تلك التهم التي تجعل من اقاويل العامة نماذج حقيقة, تعلو على النقد والنظر الدقيق.. وقد حذر احد الموظفين البريطانيين ومنذ عام 1915 وكأنه قد استقر التحليل في ذلك التاريخ المبكر بأن عبدالرحمن سوف يقلب البلاد رأسا على عقب ضد البريطانيين متى وجد الفرصة سانحة لذلك وهذا عين ما فعله الامام العصامي في نهاية المطاف ولكن باسلوبه الخاص في المناورة والدهاء لذلك فليس من المبالغة ان نتحدث عنه في هذا الكتاب بوصفه مهندس استقلال السودان, واهم شخصية سودانية في القرن العشرين. 3 ـ حزب الأمة الآن: ان حزب الامة لم يحكم ابداً منفرداً بل كان دائماً يحكم مؤتلفاً, وحزب الامة والاحزاب المؤتلفة معه لم تحكم الا في عهود منتخبة ديمقراطيا وعهود الديمقراطية في السودان لم تتجاوز مدتها 25% من عمر السودان منذ الاستقلال. مع هذا سولت لك نفسك, ان تلقي على ظهر حزب الامة تبعات كل الاخطاء التي تعثر فيها تاريخ السودان الحديث! حكمك على الامور انت مسئول عنه ولذلك لن اتعرض له, ولكنني سوف اكشف بطلان عشر من الوقائع الخاطئة التي تورط فيها جوابك. لقد دعاني حزب رابطة الشباب الصومالي لزيارة الصومال في عام 1965 وكان هذا قبل انتخابي رئيساً للوزراء, وفي طريق عودتي زرت مدينة جوبا, كان يسكن معنا في أم درمان جندي يدعى محمد حامد علمت انه استشهد في العمليات لذلك زرت قبره وقرأت الفاتحة ترحما على روحه, لم يكن في صحبتي مسئولون رسميون, وكانت زيارة مواطن عادي, هذه الواقعة ضخمها الرواة, وانت منهم, ونفخوا فيها معاني غريبة عليها. لقد كان احد اسباب زيارتي للجنوب ما بلغني من حادثة الهجوم على بعض المثقفين الجنوبيين في جوبا وواو واعتقالهم وقتل بعضهم, ورأيت التحري عما حدث لأهميته واطلاع حزبي على الحقائق, لم اجد تعاونا من ناحية المسئولين في جوبا وواو لذلك عندما عدت للخرطوم خاطب حزب الامة الحكومة وكانت برئاسة محمد احمد محجوب مستنكراً ما حدث ومطالباً بالتحقيق, لم تقبل الحكومة طلب حزب الامة وكان هذا اول خلاف علني بين حزب الامة والحكومة الائتلافية التي يشارك فيها. انت تذكر ان حزب الامة هو الحزب السوداني الكبير الوحيد الذي اشترك في ملتقى كوكادام والاعلان الصادر عنه في مارس 1986. الحزبان الكبيران الآخران وهما الاتحادي الديمقراطي والجبهة الاسلامية القومية وقعا اتفاقا وقعه زين العابدين الهندي وحسن الترابي وشهد عليه محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب الاتحادي فحواه: رفض اعلان كوكادام, ورفض قانون القصاص الشعبي, ورفض الغاء قوانين سبتمبر ,1983 كان موقف حزب الامة مؤيداً للخطوات الثلاث ولكن موقف الحزبين الآخرين الثاني والثالث في الجمعية جردنا من الاغلبية المطلوبة لتحقيق ذلك وهذا ما شرحته لك في لقائنا في أديس ابابا في يوليو 1986 واوضحت اننا على استعداد للاتفاق معكم وملتزمين باعلان كوكادام ولكن علينا ان نعمل جاهدين للحصول على أغلبية في الجمعية. بعد اجتماعنا الذي فتح الاتصال المباشر انقطع الاتصال لأنكم دون مبرر اسقطتم طائرة الخطوط الجوية السودانية المدنية فوق مدينة ملكال فقرر مجلس الوزراء وقتها قطع الاتصالات بكم, ولكن عندما بدأت اتصالات الحزب الاتحادي الديمقراطي بكم في عام 1988 وكان شريكا في الحكومة, قرر مجلس الوزراء بالاجماع استثناء مبادرة الحزب الاتحادي من الحظر ولدى عودة محمد عثمان الميرغني للخرطوم بعد توقيع المبادرة السودانية معك, اوفدت الدكتور علي حسن تاج الدين, عضو مجلس رأس الدولة, لاستقباله في المطار وتأكيد تأييدنا للمبادرة وعندما التقيت محمد عثمان الميرغني فيما بعد قلت له انني احتاج لبعض الوقت للحصول على تأييد الجمعية التأسيسية الاجماعي للمبادرة ومع انه وافق على ذلك إلا أن بعض العناصر في الحزب الاتحادي الديمقراطي استعجلت تقديم المبادرة للجمعية التأسيسية لاتخاذ قرار بشأنها, وعدني محمد عثمان الميرغني بسحب المبادرة من امام الجمعية ريثما يتم التمهيد اللازم وذهب للجمعية لتحقيق ذلك ولكن بعض العناصر اصرت على وضع المبادرة امام الجمعية احراجاً للحكومة هذه الرواية يشهد بصحتها محمد عثمان الميرغني واحمد سعد عمر الوسيط بيننا. كنت حريصاً على أن اوسع تأييد للمبادرة في الجمعية التأسيسية لحساسية الموضوع وقفل باب المزايدات بأن فيها طعنا للاسلام, لقد عقد اجتماع في القصر الجمهوري في يوم 4 يناير 1989 برئاسة احمد الميرغني حضره محمد عثمان الميرغني, وحسن الترابي, وشخصي. اثبت ذلك الاجتماع ان الاجماع حول الموضوع كان ممكناً. بالاضافة لذلك فإن وزير الداخلية مبارك المهدي التقى في أديس ابابا في فبراير 1989 وفدا من الحركة بقيادة مساعدك في ذلك الوقت د. لام اكول والاخ دينق الور ومعهما آخرون وسلمهم خطاباً مكتوباً يؤيد موافقتي كرئيس للوزراء على مبادرة الميرغني ـ قرنق. لقد اشرت لتسليح بعض قبائل جنوب كردفان, نعم, سلحت بعض القبائل اثناء الفترة الانتقالية بقيادة المشير سوار الذهب وكان السبب معلوما وهو ان الجيش الشعبي اعتدى على قرى مدنية غير محاربة في ود دكونة, والقردود, والازرق, وكليك, وقريتي بت الكلب, والليري. بلدو وعشاري زارا مناطق توتر قبلي شديد وسجلا شائعات سماعية ودون اجراء تحريات كما ينبغي للباحثين ونشرا اتهامات مثيرة, لقد كانت الحكومة مهتمة بالاحداث وكونت لجنة تحقيق عليا لمعرفة الحقائق كانت تواصل عملها عندما نشرا اتهاماتهما. كان وليم دينق صديقي وحليفي, وكنا مستهدفين معا من قبل الحكومة في ذلك الوقت, لقد كان وما زال في ذاكرتي من افضل رجال الدولة السودانيين الذين عرفتهم وعندما اغتيل قمنا بحملة كبيرة للكشف عن القتلة ولكن السلطات المدنية والعسكرية في ذلك الوقت حجبت الحقيقة وعندما انتخبت للحكومة فيما بعد كان ذلك بعد ثماني عشرة بعد مقتله وكان التستر على القتلة محكما فلم نجد خيطاً واحداً نستدل به اما ظروف مقتل الامام الهادي فقد كانت مختلفة لان حكومة مايو عاملت القتلة كأبطال وكان من بين القتلة من اعترف بما حدث لذلك لم يكن التحقيق صعباً. جوابك يلقي بظلال اتهام على حزب الامة في اعدام وصلب محمود محمد طه, لقد كنا نحن من حزب الامة وهو وعدد من زملائه في سجن نميري بسبب (جريمة) واحدة هي معارضتنا لقوانين سبتمبر 1984 وعندما اطلق سراحنا في نفس اليوم 18 ديسمبر حذرته وزملاءه بأنني اعتقد ان نميري اطلق سراحنا لينصب لنا شركا ونصحت لهم ان يضبطوا ما يصرحوا به. ولكنه وزملاءه كانوا يعتقدون ان نميري اطلق سراحهم ليستعين بهم في مراجعة خطه الاسلامي المشوه وكانوا مستعدين للقيام بذلك الدور. لقد وقع في شرك نميري. لقد ادنت ذلك العبث بالعدالة الذي تعرض له محمود محمد طه. ولعلمك فإن لي موقفا معلنا وهو انني لا اعتقد ان هنالك حدا عقابيا اسلاميا على الردة. لقد اشرت الى ان حزب الامة عرض عليكم صيغة للمشاركة في الحكم. ومع انك نفيت ذلك في مقابلة مع حمدي رزق في صحيفة مصرية, فإن هذه الاشارة وردت في مقالات مستشارك في جريدة (البيان) كما وردت في جوابك الحالي. هنالك مناسبتان دار فيهما نقاش جاد بين حزب الامة والحركة الشعبية حول مستقبل الحكم في السودان. المناسبة الاولى كانت اثناء محادثاتنا في شقدوم والمرة الثانية في اطار لجنة ترتيبات الفترة الانتقالية التي عينها التجمع الوطني الديمقراطي. وفي المناسبتين دعا حزب الامة لنظام رئاسي على النمط الفرنسي لكي يكون في منصب رئيس الوزراء فرصة لمشاركة جنوبية افضل من صيغة المشاركة في منصب نائب ثان للرئيس او عضو في مجلس رأس الدولة. هذا الرأي ابداه حزب الامة موثق ومعلن. بالاضافة لذلك عندما طالعنا اتهامات مستشارك في جريدة (البيان) ثم ما جاء في هذا الشأن في خطابك قال لي الاخ مبارك المهدي انه اجتمع معك في اسمرة في اواخر يونيو 1999 اجتماعا حضره القائدان باقان اموم وياسر عرمان وانكم تناولتم بالبحث الحل السياسي الشامل في السودان في ذلك الاجتماع تساءل الاخ باقان عن استعداد الجبهة الاسلامية لمشاركة التجمع الوطني الديمقراطي على اساس 30% للحركة الشعبية, 30% للامة, 30% للجبهة, 10% للاتحادي والآخرين! روى لي مبارك انه رد بقوله (ان اي مشاركة سوف تعتمد على ابرام اتفاقية سلام وان المشاركة ستتوقف على تفاوض بين الاطراف المعنية) . والمدهش حقا ان مستشارك الذي شوه تلك الوقائع في مقالاته في جريدة (البيان) لم يحضر ذلك الاجتماع, وعندما هم بالمشاركة في الاجتماع طلب منه اعوانك الانسحاب من الجلسة. ذكرت انني اعتذرت لك لظهور عبارة التدويل في بيان طرابلس الختامي مع ان لجنة الصياغة قد اسقطتها. لقد قلت لنيال وليم دينق الذي ابدى اعتراضا مماثلا اننا عندما رأينا النص على التدويل لم يذكر لنا احد من اعضاء لجنة الصياغة انهم اتفقوا على اسقاطه. شرحنا ما حدث فعلا ولم تكن هناك حاجة لاعتذار. على اية حال ان وقائع ما دار بيننا في القاهرة سجلها صلاح جلال وأروب مياك والوقائع تشهد على صحة ما اقول. ختاما, لقد ازعجنا كثيرا معاملة الاشاعات كحقائق وبث الاتهامات جزافا. كما همنا كثيرا ان بعض الجنايات والتجاوزات مسكوت عنها لذلك طالبنا بتحقيق شامل وعادل يتناول كل الاحداث الهامة والمزعومة التي لحقت بالحياة العامة في السودان. وفي سبيل ذلك فإنني في كتابي (لكي يولد السودان ثانية) احصيت 43 حدثا. وحرصا على هذه الفكرة فقد نص عليها (نداء الوطن) في 26 نوفمبر 1999. 4ـ دور حزب الأمة في جوابك قد حاولت (أبلسة) حزب الأمة. ابن آدم خطاؤون. ولكي لا تنسى الحقائق, فإنني سوف اذكر مساهمة حزب الامة الاساسية في تطور السودان الحديث. سأترك الماضي للمؤرخين وهم لا شك مشغولون بالبحث والتحليل. ولحسن الطالع فإن للسودان وثائق ومحفوظات ممتازة. كما ان حزب الامة اكثر الاحزاب السياسية في العالمين العربي والافريقي توثيقا. هنا سأفصل مساهمات شاهدتها بنفسي ووثائقها موجودة. (أ) 1964 ـ 1989 لقد تشككت في وعي حزب الامة وشخصي الباكر في تشخيص طبيعة ازمة السودان القومية. شاهدي في هذا المجال هو كتيبي الذي نشرته في ابريل 1964 بعنوان (مسألة جنوب السودان) . لقد نشر الكتيب بعد ان طرد نظام الفريق عبود المبشرين الاجانب في مارس 1964, ادان الكتيب محاولة حل المسألة بالقوة جاء فيه: (ان المسألة ذات اسباب سياسية, وثقافية, واقتصادية وان حلها بزوال اسبابها. هذا الحل يجب ان يبحث بحرية ليكون حلا قوميا شاملا) . قام حزب الامة بدور اساسي في انتفاضة اكتوبر 1964. وعقدت المفاوضات مع الحكم العسكري الآفل وكتبت مسودة (الميثاق الوطني) الذي فصل طبيعة الازمة السياسية في الجنوب. واقترح حزب الامة فكرة المائدة المستديرة. وعندما شلت الآراء المتشددة التي اعلنها اقري جادين, وعلي عبدالرحمن المؤتمر انقذنا الموقف باقتراح تكوين لجنة الاثني عشر لمواصلة البحث عن حل سياسي للنزاع. هذه الفكرة نجحت لا سيما بعد عودة وليم دينق للبلاد. وفي 1967 دعونا لمؤتمر كافة الاحزاب السياسية السودانية وشاركت فيه النقابات والمنظمات الاقليمية التي تكونت احتجاجا على التهميش الجهري ومطالبة بالعدالة. وتناول المؤتمر بالبحث توصيات لجنة الاثني عشر. ولكن هذا السعي المتصل للحل السياسي عرقله امران الاول انقسام حزب الامة والثاني انقلاب 25 مايو 1969. ان قرارات مؤتمر الاحزاب والنقابات والمنظمات السودانية لم تذهب هدرا فقد صارت مرجعا اساسيا لاتفاقية 1972 التي ابرمها النظام المايوي في مارس 1972 في اديس ابابا. قال محمد عمر بشير (اذا فحصت اتفاقية 1972 بدقة يثبت انها مستمدة من مناقشات وتوصيات وقرارات الحكومات الشرعية التي حكمت البلاد قبل عام 1969. ان قرارات مؤتمر المائدة المستديرة, وتوصيات لجنة الاثني عشر وقرارات مؤتمر كافة الاحزاب السياسية كانت اساس الاتفاقية) . (ب) 1969 ـ 1985 في عهد الارهاب الاول 69 ـ 1985 الذي روع السودان باسم الايديولوجية تصدر حزب الامة مقاومة الطغيان. على ظهرنا وقعت حماقات النظام التي بلغت درجة اجبرتنا على القيام بانتفاضة الثاني من يوليو 1976, التي كادت تسقطهم. وعندما استعادوا سلطاتهم استهدفوا حزب الامة في المقام الأول ثم بقية الذين شاركوا في الانتفاضة. من ذاق اللسعة تضاعف حذره. لذلك قويت اجراءات النظام واستخدم معلومات انتزعها من المجاهدين الذين سماهم (مرتزقة) ليفرض على البلاد حصنا امينا تعاونه خبرات حماته الاجنبية. لقد اودى اخفاق الانتفاضة وما صحبه من ضغط الاجراءات الامنية بروح المعارضة المعنوية وبوحدة صفها. في هذا المنحنى الصعب اقدم رجل اعمال سوداني معهود الوطنية والاعتدال على وساطة بين الجبهة الوطنية المتحدة (المعارضة) والنظام. وساطة قبلها النظام لأنه بعد انتفاضة الثاني من يوليو ادرك ان اعلانه انه قضى نهائيا على السودان القديم وهم لا وجود له الا في خيالاته. اما نحن في المعارضة فقد قبلنا بالاجماع لأن خياراتنا تكمشت. كثير من الشهود على القبول الاجماعي ما زالوا على قيد الحياة قادرين على الشهادة, نعم, بعض الذين اجمعوا على قبولها راجعوا مواقفهم فيما بعد. لقد قاد حزب الامة برنامج المصالحة الوطنية ومع ان البرنامج نفسه قوضه خداع النميري كان ما صحبه من زيادة في هامش الحريات قد اعاد للبلاد التسامح عقب اتفاقية 1972 والذي ازاله النظام تماما بعد انتفاضة شعبان ـ سبتمبر 1973 نتيجة لزيارة هامش الحريات اجريت انتخابات بين النقابات لا سيما نقابات المهنيين. كذلك جرت انتخابات حرة بين الاتحادات الطالبية في الجامعات وضمن برنامج المصالحات الوطنية اعيدت آلاف مؤلفة من الموظفين والعمال للخدمة بعدما ابعدهم التشريد التعسفي منها. في مجال هذا الهامش الاوسع للحريات, امكننا ان نعلن ان عملية المصالحة قد ماتت وان نستبدل النشاط العسكري الذي تخلينا عنه بجبهة سياسية نشطة. وبحلول عام 19812 واجه النظام تحديات من كل جانب, فالقضاة الحوا على استقلال القضاء, ونقابات المهنيين المنتخبة تحركت تحقيقا لمصالح اعضائها. امام هذه التحديات همّ الطاغية بسد منافذ الحريات مثلما فعل بعد انتفاضة شعبان (سبتمبر 1973), لكن بحلول عام 1982 تبدلت الاحوال. فوعود النظام التنموية تبخرت وذاق اصحاب الدخل المحدود من موظفين وعمال مرارة الغلاء. صارت نسبة التضخم في الاعوام العشرة 72 ـ 1982 عالية 1000%, واتفاقية السلام 1972 التي كانت ريحانة النظام تعثرت. ترنح النظام مفلسا هابط المعنويات ولم يجد سوى اللجوء للقهر وسيلة لحماية نفسه ولكن اخفاقاته التي لم تعد خافية على احد, احوجته للبحث عن ادعاء يقيم عليه شرعية القهر. لجأ نميري لشعار تطبيق الشريعة الاسلامية ليتخد منها اساسا لشرعية القهر وقيد الحريات. ولكن هيهات قد فات الاوان. لم يعد القهر تحت اي مسمى خيارا ممكنا. صار صوت الرفض السياسي لادعاءات نميري السلامية عاليا. وصارت منظمات المجتمع المدني المنتخبة (نقابات المهنيين واتحادات الطلاب) اكثر اقداما في المواجهة. وبحلول عام 1983 صارت مبادرات الجيش الشعبي العسكرية تسبب للنظام غاية الاحراج. وفي الاسبوع الاخير من شهر مارس 1985 خرج اتحاد طلاب جامعة ام درمان الاسلامية المنتخب بقيادة طلبة حزب الامة الى الشارع. وتحركت عناصر في القوات المسلحة السودانية تنأى بنفسها عن النظام. هنا قرر حزب الامة ان أوان تسديد ضربة قاضية على النظام قد حان. لذلك قمنا بالتنسيق بين الانشطة المختلفة, وساهمنا في دعم مظاهرة الثالث من ابريل 1985 باقتراح ميثاق وطني كتبت مسودته وتبنوه. وبدأ حزب الامة اتصالات سرية بقياديين في القوات المسلحة لتأييد الانتفاضة الوشيكة. وفي يوم الجمعة 5 ابريل 1985 دعوت علنا للانتفاضة الشعبية ووجهت نداء علنا للقوات المسلحة لمساندتها. بعد النداء كثف النظام البحث عني بحثا استمر حتى قررت قيادات القوات المسلحة وضع حد لعهد القهر والذعر وخلع جعفر محمد نميري. لقد كان لمبادراتك العسكرية دور في هذه التطورات. لكنك لم تدرك حقيقة ما حصل والفرص الجديدة لتحقيق السلام العادل والتحول الديمقراطي. وسواء قعد بك قصر النظر السياسي أو القيود التي فرضها عليك مضيفك (منجستو) فإنك واصلت هجماتك العسكرية فاضعت فرصة الحل السياسي العادل واعطيت صقور الشمال (الجبهة الاسلامية القومية) فرصة ذهبية للتصدي لصقور الجنوب. فرختم الصقور في وقت كان الوطن فيه احوج ما يكون لغير هذا الطائر الملعون. (ج) 85 ـ 1989 اثناء الديمقراطية الثالثة 86 ـ 1989 بحثنا عن السلام بهمة بخيل ضاع في التراب خاتمه. نعم, لقد عطلتم ذلك البحث باسقاطكم الغاشم لطائرة الخطوط الجوية السودانية المدنية فوق سماء مدينة ملكال. ولكن تراكمت مجموعة من الخطوات اذكر منها: اعلان كوكادام, وعدد من المؤتمرات داخل الوطن ومبادرة الميرغني ـ قرنق لتقارب بين الرؤى. ودعونا لمؤتمر جامع للاحزاب والنقابات برئاسة ميرغني النصري في فبراير 1989, نجح في الاتفاقية على برنامج وطني مرحلي وقع عليه 29 حزبا ونقابة. هذا البرنامج مهد الطريق امام اجتماع 4 يوليو مع الحركة الشعبية للتحضير لمؤتمر قومي دستوري. مؤتمر اقترحت له الاجندة الآتية: * الدين والدولة. * الهوية السودانية. * توزيع الثروة. * المشاركة السياسية. هذا التوجه الجاد تعرض مرة اخرى لعاديات السياسة. جندله انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 الذي قال صناعه انهم تحركوا في ذلك التوقيت ليوقفوا كيدا للاسلام مزمعا في المؤتمر القومي الدستوري في 18 سبتمبر المقبل! (د) 1989 منذ خيم على البلاد انقلاب يونيو ساهم حزب الامة بنصيب وافر في المفاهيم والافكار الجديدة التي التفت حولها القوى السياسية السودانية فكونت بها ارضية مشتركة. * التجمع الوطني الديمقراطي فكرة وتنظيم تنادت اليها قيادة البلاد السياسية وهي محبوسة في سجن كوبر 1989. اما التجمع الوطني الديمقراطي خارج السودان فقد بادر حزب الامة بتكوينه في اكتوبر 1989. أما الحركة الشعبية فقبل ان تنشأ بينها وبين التجمع اية علاقة فإنها وقعت مع حزب الامة اتفاقا في 22 فبراير 1990, البند الثاني من ذلك الاتفاق جاء فيه: (الحركة الشعبية وحزب الامة بحثا التحديات التي تواجه البلاد في كل المجالات. وقرارا ان يعملا معا لمواجهتها تحت مظلة التجمع الوطني الديمقراطي. في سبيل ذلك اكدت الحركة الشعبية قبولها للميثاق الوطني مع الاحتفاظ بحقها في السعي لتعديله اذا لزم) . وفي نفس ذلك الاتفاق قرر حزب الامة والحركة الشعبية ان يجردا نظام الجبهة الاسلامية من استغلال العداوات القبلية في مناطق التماس. هذا القرار ساهم في حفظ السلام القبلي سنوات عديدة. بعد ذلك الاتفاق الثنائي بيننا نوديت فصائل التجمع للقاء جامع في القاهرة. * في اغسطس 1992 اصدر حزب الامة اول خطة للسلام في السودان بعد انقلاب يونيو بعنوان (نحو سلام عادل) . كان ذلك المشروع اول محاولة لحل اشكال الدين والسياسة بعد انقلاب يونيو 1989. جاء في المشروع ان يؤسس دستور السودان على امرين هما: التزام بحقوق المواطن السوداني والتزام بحقوق الانسان الاساسية. في مؤتمر نيروبي الذي عقده التجمع الوطني الديمقراطي في ابريل 1993 اتفق في هذا المجال على الآتي: * ان تكون وثائق حقوق الانسان الاقليمية والعالمية جزءاً لا يتجزأ من قوانين السودان, وأي قانون يتعارض معها يعتبر لاغيا وغير دستوري. * تكفل قوانين البلاد مساواة المواطنين التامة واحترام المعتقدات والتقاليد بلا تمييز على اساس الدين, أو العرق, او النوع, او الثقافة, وأي قانون يتعارض مع هذه الاحكام يعتبر لاغيا وغير دستوري. تعود هذه النصوص الى اتفاق جنتلمان تم في منزلك في نيروبي رتبه الاخ بونا ملوال وحضره نيابة عن قيادة حزب الامة د. عمر نور الدائم والاخ مبارك المهدي. ما اتفقنا عليه صار اساسا لاعلان نيروبي بشأن العلاقة بين الدين والدولة في 13 ابريل 1993 الذي اصدره التجمع الوطني الديمقراطي, كما تبنته قرارات مؤتمر اسمرة التاريخية في يونيو 1995. وكما تعلم فإنه نتيجة لدور حزب الامة في تنظيم مؤتمر نيروبي اعتقل الاخ نجيب الخير وأبعد من كينيا. وعندما اقتنع حزب الامة ان سياسات نظام الجبهة الاسلامية قد نفرت الرأي العام السياسي في الجنوب لدرجة لا يمكن معها ضمان استمرار علاقة الشمال والجنوب على اساس الوحدة بل ينبغي تأسيس الوحدة على اساس طوعي يجدد عهد التراضي الوطني والثقة فإن حزب الامة كان اول حزب سوداني قومي يبادر لاستيعاب الحقائق الجديدة. لقد اجريت مشاورات واسعة مع اجهزة حزب الامة بداخل البلاد ثم ارسلت لقيادة حزب الامة في الخارج مذكرة في 10 نوفمبر 1993 نصت على الاعتراف بحق تقرير المصير للجنوب وجاء فيها: * السلام هو خيارنا الوحيد, ان انهاء الحرب الاهلية واجب انساني, وديني, ووطني. * اننا نقبل ما يقرره مواطنونا في الجنوب لمستقبلهم عن طريق اجراء ديمقراطي حر نزيه. * الحدود المعلنة والتفاصيل الاخرى ينبغي الاتفاق بشأنها قبل اجراء الاستفتاء. * ان اجراء تقرير المصير في ظل الحكم غير الشرعي الحالي مستحيل. ينبغي ان يتم في ظل نظام شرعي. * ينبغي ان يسبق تقرير المصير فترة انتقالية يتم فيها توطين النازحين واللاجئين ويتم اثناءها عقد مؤتمر دستوري قومي يقرر تفاصيل وخيارات تقرير المصير. * وعلى المؤتمر الدستوري القومي ان يقرر درجات اللامركزية المختلفة, الحدود الفاصلة, النصوص الدستورية المطلوبة لحماية قراراته, وطبيعة الضمانات الاقليمية والدولية اللازمة. هذه المذكرة مهدت السبل للاتفاق بيننا في شقدوم في ديسمبر 1994 ومن ثم لمؤتمر اسمرة وقراراته المصيرية في يونيو 1995. وفي ابريل 1995 ارسلت لقيادة حزب الامة بالخارج رسالة سميناها (البيان الديمقراطي) . هذا البيان اقترح خطة للفترة الانتقالية, السياسات الجديدة, اعادة هيكلة الدولة وهلم جرا. للمتابع الموضوعي ان يقارن بين ما جاء في مذكرتي حزب الامة بتاريخ 10 نوفمبر 1993 و15 ابريل 1995 مع قرارات اسمرة في يونيو 1995. انه سوف يجد صعوبة شديدة في العثور على اختلافات بينها. لقد قام حزب الامة للتجمع الوطني الديمقراطي بالواجبات التحضيرية. ولكي اختم هذا الجزء ردا على تهوينك لدور حزب الامة, اقول بعبارة قاطعة: عندما تنشر وقائع اجتماعات هيئة قيادة التجمع الوطني الديمقراطي كما ينبغي يوما ما فإن الرأي العام سوف يعلم حجم مساهمات حزب الامة. انا لا انكر ما ساهم به الآخرون. فقد ساهموا, ولكن مع هذا فإن حزب الامة لم يتردد في دعم مبادرات الآخرين. ان نصوص الوقائع تثبت ايجابية موقف حزب الامة من مبادرات الفصائل الاخرى. لقد حصل مستشارك على تمويل ايطالي لتمويل دراسة اقتصادية واقتراح برنامج اقتصادي للفترة الانتقالية. لقد قدم لنا مسودة البرنامج في مايو 1997. كنا الحزب الوحيد الذي رد على المسودة كتابة. وبعد حين اصدر برنامجا ثانيا بعنوان (الاجندة الاقتصادية والاجتماعية للسودان) . ومع ان هذا البرنامج ما زال دون المستوى المطلوب فإن لتعليق حزب الامة دورا فيما طرأت عليه من تعديلات. وفي هذا الصدد فإن حزب الامة يعد برنامجا اقتصاديا سيطرحه لورشة عمل ستكون لدراستها وتوصياتها مساهمة ايجابية في البرنامج الاقتصادي للسودان. بعض النخب السياسية السودانية ساعية لاحتكار التحديث السياسي لنفسها لذلك كان حرصنا كبيرا على وصف الاحزاب ذات القواعد الجماهيرية العريضة بأنها تقليدية او ان الزمان قد تجاوزها. هذا التفكير الذي يحجب عنهم رؤية الحقيقة كما هي, أليس صحيحا ان ثلاثة نظم دكتاتورية اجهدت نفسها للغاية لتقويض الاحزاب ذات القواعد الجماهيرية؟ وفي النهاية فإن الجلادين انقرضوا وعاشت ضحاياهم. لقد وجدت الدكتاتوريات الثلاث حزب الامة عدوها الاول وبعد زوال الدكتاتوريتين الاوليين برز حزب الامة الرقم الانتخابي الاول في الانتخابات العامة الحرة التي اعقبتهما. والآن فإن حزب الامة هو الذي يعقد العدد الأكبر من المؤتمرات, وينظم العدد الأكبر من ورشات العمل والحلقات الدراسية. وهو الذي ينشر العدد الاكبر من الاصدارات, وهو الذي تجد وسائل الاعلام من آرائه ونشاطاته المادة الأوفر. نعم, ان دور كثير من الفصائل السياسية السودانية محصور في طلب السلطة السياسية بوسائل سياسية او عسكرية. ولكن حزب الامة مهتم بالانشطة الفكرية والثقافية والدراسية ومتصل بأنشطة منظمات المجتمع المدني مثل مركز الدراسات السودانية, ومركز الثقافات السودانية, ورابطة الاكاديميين السودانيين, ونقابة الصحافيين, والنقابات, ونقابة الفنانين والموسيقيين وهلم جرا. كان حزب الامة هو الوحيد الذي شارك برأي في الدراسة التي نظمها مركز الدراسات السودانية بشأن مستقبل القوات المسلحة. وكان الوحيد الذي قدم رأيا محددا لمؤتمر الثقافة والتنمية واقترح ميثاقا ثقافيا في محاولة لعلاج مسألة الهوية الثقافية في السودان. وحزب الامة اليوم هو الرقم الاول او الثاني في الاتحادات الطلابية في الجامعات والمعاهد العليا. بعض النخب السياسية يدفعها الرضا عن الذات ان تحجز لنفسها ما تشاء من الادوار ثم لا تسمع ولا ترى دورا للآخرين. هنيئا لهم الحلم السعيد.