من الاشياء التي تدعو الى التوقف واعادة النظر في العملية التعليمية بالسودان ارتفاع معدل البطالة الواضح منها والمستتر وسط المتعلمين وذلك بالنظر الى ان بالبلاد اكثر من عشرين جامعة ويثير ازدياد نسبة الايدي العاملة الاجنبية في السودان اكثر من علامة استفهام حول ماهيتها ويعيد للاذهان ما سبق ان قيل في وصفها بان حكومة ا لانقاذ باقدامها على ايجاد هذا الكم الهائل من الجامعات هي اشبه بمن يحاول (تحلية برميل من الماء بملعقة سكر). ذلك لان التوسع في التعليم تزامن مع تدني مستوياته بدءا من مرحلة الاساس التي وضعت اسس البلاء في العملية كلها حينما حرقت مرحلة بكاملها مازال الحديث عن ضرورتها ماثلا رغم مرور عقد من الزمان ومرورا بالثانوي الذي عكس الخلل في مرحلة الاساس عليه بروز ظواهر النموذجية والخاصة التي بدأت تسحب البساط من المدارس الحكومية التي يعزف عن الانتساب اليها الآن على حد سواء الطلاب والمعلمون وبالنتيجة كل هذه المثالب والخروقات والعلل ستصب في القنوات الجامعية التي تشكو هي الاخرى لطوب الارض من هجر الاساتذة لها حينما ضاقت بهم سبل العيش الكريم. والحال هكذا, فان مواكبة متطلبات النهضة والتحديات المفروضة تتطلب مراجعة كفاءة النظام التعليمي. وبالنظر الى تقارير وزارة القوى للخريجين الذين تقدموا للعمل في العام الماضي مقارنة بعدد الجامعات والمعاهد العليا نقف على حقيقة مرة وهي ان التعليم الحالي يهدد الطاقات الشبابية لفشله في توظيفها وذلك لان التقارير اوضحت ان الذين سجلوا بغرض العمل لدى لجنة الاختيار المركزية في الفترة من يناير حتى يونيو عام 99 بلغ عددهم 1649 خريجا معظمهم من الاناث بنسبة 68.5%. وتفضح التقارير حجم الكارثة التي لحقت وستلحق بالاجيال المقبلة في هذا السلم التعليمي حينما تبين ان الذين تم استيعابهم حوالي 294 من مجموع اولئك الخريجين الذين كانت نسبة خريجي الكليات النظرية منهم 54% والتطبيقية 37% فيما بلغت نسبة خريجي المعاهد منهم 9% واوضحت التقارير ان اكبر نسبة للاستيعاب كانت وسط خريجي الكليات التطبيقية اذ بلغت 28% وكانت اقل نسبة من الاستيعاب لخريجي الكليات النظرية وبلغت 11% وكان معدل التعيين حسب النوع اكبر لدى الذكور بنسبة 31% مقابل 11% من الاناث. ويستدعي ازدياد اعداد الاجانب العاملين بالسودان ضرورة التعجيل باستجلاء العملية التعليمية وتوجيهها بما يستوعب طاقات بنيها وشبابها بدلا من تركهم نهبا للبطالة فقد بينت تقارير وزارة القوى العاملة ان عدد الاجانب الذين دخلوا البلاد بغرض العمل بلغ عام 97 1432 وارتفع الى 6283 عام 98 واصبح عدد المسجلين من الاجانب خلال منتصف العام الماضي 2247 بلغت نسبة الاسيويين منهم 70% مقارنة بـ 80% نسبتهم في العام 98 كما ارتفعت نسبة الاوروبيين الى 12% مقارنة بـ 4% للعام الماضي. وكشفت التقارير عن عدد كبير من ذوي المستوى المهاري بالسودان من خلال تناقص المهن العليا للاجانب حيث اوضحت ان نسبتهم انخفضت من 22% الى 5.8% . واضافت التقارير انه الى جانب البطالة الواضحة هناك البطالة المستترة والاستخدام القاصر وهو الذي يقوم على عدم توافق المهارات مع المؤهلات اي عمل الفرد في مهنة اقل من المؤهل العلمي الذي حصل عليه. واوردت مثالا لذلك بان جملة المؤهلات العليا في سوق العمل تقدر بحوالي 341 الفا منها 5% يعملون كاداريين ومديرين ومهنيين وفنيين والنسبة الباقية يعملون في مهارات ادنى كمهنة الكتبة وعمال البيع والخدمات. ويفضح ذلك بصورة اكبر باشارة التقارير الى تدهور العملية التعليمية في مرحلة الاساس اذ قدرت بعض المصادر ان المعلمين غير المدربين في مرحلة الاساس تصل نسبتهم الى 44% الامر الذي ينذر بعواقب وخيمة حال استمرار الوضع على ماهو عليه .. وهو ما عكسه كبر وضع البطالة الصريحة وسط مخرجات التعليم مقارنة بوضعها وسط الاميين. تجدر الاشارة الى ان العزوف عن العمل ليس مقتصرا على ضيق فرص العمل فحسب بل ولضعف العائد منه كذلك وفي هذا الصدد حذرت وزارة الصحة مؤخرا من خطورة هجرة الاطباء لحاجة الحقل الصحي لطاقاتهم وذلك عندما تسلمت مذكرة رفعها اكثر من 900 طبيب وطبيبة يطالبون فيها بتحسين اوضاعهم التي تتقازم رواتبهم عن الايفاء بالضروري منها الامر الذي دفع بالآلاف منهم الى مغادرة البلاد الى دول البترودولار و العمل في مهن هامشية لا علاقة لها بتخصصاتهم وان كانت لابد من صيحة فانها يجب ان تنطلق باصلاح النظام التعليمي حتى لا يضيع ابناء البلد بين ايديها لسوء التوظيف الغفلة في عالم تنطلق خطاه بسرعة جنونية.