أمريكا لن تظل مركز الاستقطاب الوحيد في العالم العرب يتعين عليهم الحوار مع القوى العالمية دون الخضوع لها جاء في المؤتمر الصحفي الذي عقده طارق عزيز نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية العراقي في جنيف في 9 يناير 1991 ما يلي: آسف فقد كنتم تتوقعونني قبل هذا الوقت ولكن مع الأسف فإن جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي قد تأخر ثم إني سمعت بأن الرئيس بوش سيعقد مؤتمراً صحفياً وقد فضلت الاستماع إليه وبعد ذلك قيل لي إن مؤتمر الرئيس بوش قد تأجل لفترة من الزمن لذلك وددت الحديث إليكم في هذا الوقت. عندما وصلت إلى جنيف قلت إني جئت بعقل مفتوح وجئت أيضاً بنية صادقة أود أن أجلب انتباهكم إلى أن أهم الحقائق حول هذه المحادثات أنها تأتي بعد خمسة أشهر من أحداث الخليج وقد جلبت انتباه بيكر إلى تلك الحقيقة وأيضاً بخصوص القرار الأخير الذي اتخـذ تحـت الضغـط الأمريكي من قبل مجلس الأمن الذي قيد الدبلوماسية. لو كانت لدينا فرصة سابقة قبل عدة أشهر, كما قلت لبيكر فإنه كان بالإمكان تجنب الكثير من سوء الفهم بيننا لأنه تحدث مطولاً عن فرضيات حكومته حول خطأ الحسابات من قبل العراق وعندما وصلت إلى تلك النقطة وضحت له بأننا لم نخطئ بحساباتنا لقد كنا نعي جيداً منذ البداية الوضع وأخبرته بأننا سمعنا الكثير من الحديث من قبله ومن قبل الرئيس بوش بأن العراقيين لم يتسلموا الرسالة ولا يعرفون ما يجري حولهم وأنتم تعلمون ماذا كانوا يقولون بهذا الخصوص فقلت له لو كنا قد اجتمعنا قبل بضعة أشهر لكنت قد أخبرته بأننا نعرف كل شيء ونعرف ماذا يعني نشر قواتكم في المنطقة ونعرف ماذا تعني القرارات التي فرضتموها على مجلس الأمن ونعرف كل الحقائق عن المواقف السياسية والعسكرية وغيرها, أن الحديث عن الخطأ في الحسابات هو غير صحيح. علينا أن نتبادل اراءنا حول الموقف الذي من شأنه إزالة أي سوء فهم من قبل أي جانب لقد سمعت بيكر يصف اجتماعنا شكلاً وإني أقول أيضاً من الناحية المهنية كان الاجتماع جاداً واستمعنا لبعضنا بدقة وأعطينا بعضنا الوقت الكافي لشرح الآراء التي أراد شرحها ولايصال المعلومات المراد ايصالها.. من هذه الناحية فأنا راض عن المباحثات. قلت له ولكن لدينا اختلاف كبير حول القضايا التي ناقشناها فبيكر كرر المواقف الأمريكية المعروفة فهو مهتم بقضية واحدة هي الموقف في الخليج وقرارات مجلس الأمن حول هذه القضية.. لقد أخبرته بشكل واضح وكررت عليه آرائي وشرحتها بالتفصيل بأن الأهم في منطقتنا هو السلام والأمن والاستقرار ومستقبل المنطقة ككل في الأمن والاستقرار تلك المنطقة التي عانت من الحروب وعدم الاستقرار والصعوبات لعدة عقود. إن كنتم مستعدين للتوصل إلى السلام الشامل والعادل والدائم للمنطقة ككل فنحن مستعدون. وقلت له إنه ليست لدي مشكلة مع الشرعية الدولية ومع مبادىء العدل بل على العكس فإن هذه المبادىء هي في صالح الشعب العراقي والأمة العربية. لقد كنا نسعى لعقود لاحترام وتنفيذ هذه المبادئ في منطقتنا إلا أنها لم تحترم ولم تنفذ من قبل (الاسرائيليين) وفي ذلك تلقوا من الولايات المتحدة الدعم القوي والمستمر ولو بدلت الإدارة الأمريكية موقفها وتعمل مع الأطراف ذات العلاقة في المنطقة للوصول إلى سلام شامل وعادل عندها سنكون مسرورين ومستعدين للمشاركة في ذلك الجهد. وفي ما يتعلق بالنظام العالمي الجديد قلت لا مشكلة لي مع ذلك النظام ونود أن نكون شركاء فيه إلا أن ذلك النظام يجب أن ينفذ بشكل عادل وعلى جميع الحالات وليس باستخدامه بشكل انتقائي بفرضه على حالة معينة بموجب وجهة النظر الأمريكية وتجاهل بقية القضايا وعدم ابداء الجدية والإخلاص في تنفيذه على القضايا الأخرى. قال بيكر إنه لا يصدق ما حدث في الثاني من أغسطس وما بعده كان من أجل القضية الفلسطينية أو لمساعدة الفلسطينيين لقد شرحت له تاريخ اهتمام العراق بهذه القضية الفلسطينية وإنها تتعلق بالأمن الوطني العراقي فإن لم تحل القضية الفلسطينية فلن نشعر بالأمن في بلدنا لأنه كانت هنالك في الماضي حروب وشارك فيها العراق و(اسرائيل) هاجمت العراق في ,1981 وكنا نتوقع هجوماً (اسرائيلياً) على العراق في مارس وأبريل من العام الماضي. وقد كان هذا الموضوع الرئيسي للقمة العربية التي عقدت في بغداد في مايو الماضي وعليه أن مسألة أمن عراقي وأمن عربي أن نعمل على حل القضية الفلسطينية بموجب الشرعية الدولية ومبادىء العدالة لقد قال إنه لا يصدق ذلك قلت له بامكانه امتحاننا ورؤية ما إذا كنا جادين في ذلك أم لا. وقد تحدثت حول الربط بين قضايا المنطقة وقلت له عندما نتحدث عن الربط نحن جادون ومخلصون لأن ما حدث قبل الثاني من أغسطس كانت له علاقة قوية بما حدث في ما بعد وقلت له إن الولايات المتحدة عملت فعلياً على فرض المقاطعة على العراق قبل الثاني من أغسطس. أما في ما يتعلق بالتهديد أو عدم التهديد الذي أشار إليه بيكر في بيانه, فإن لهجة بيانه كانت دبلوماسية ومؤدبة ولكن المضمون كان مليئاً بالتهديد, وقلت له أيضاً بالمضمون بأننا لن نخضع للتهديد. نحن نريد حواراً بناء وجوهرياً بيننا وبين شعبينا للوصول إلى السلام في المنطقة وبين شعبينا. أسلحة الدمار وعندما بحثنا موضوع أسلحة الدمار الشامل قلت له إننا في 1990 عندما أثير هذا الموضوع بشكل قوي من قبل الإدارة الأمريكية أكد الرئيس صدام حسين علناً وأخبر أيضاً عدداً من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي برئاسة السناتور بوب دول الذين قابلوا الرئيس صدام حسين في ابريل ,1990 لقد قال لهم وأعلن أيضاً أن العراق مستعد للمشاركة في اتفاق لإزالة جميع أسلحة الدمار الشامل في كل المنطقة بضمنها الأسلحة النووية والبيولوجية والكيماوية. وأخبرت الوزير أيضاً أنكم تركزون فقط على ما يمتلك العراق ولا تبدون اهتماماً عما تمتلكه (اسرائيل) , وإن (اسرائيل) تمتلك السلاح النووي ولا تستطيع اعطائي تأكيدات أن (اسرائيل) لن تستخدمه ضدنا أو ضد غيرنا من العرب, إن التأكيد الوحيد الذي له مصداقية هو التوصل إلى اتفاق حول إزالة جميع أسلحة الدمار الشامل وأخبرته بأنه يستطيع أن يأخذ وعداً مني حول ذلك ولكن حدسي أنك لن تستطيع الحصول على مثل هذا الوعد من وزير خارجية أو رئيس وزراء (اسرائيل) وبالرغم من ذلك فأنت لا تظهر أي اهتمام أن ذلك يثير وكذلك التساؤل حول ازدواجية المعايير المستعملة في مجلس الأمن عند مناقشة مشاكل المنطقة, فعندما يتعلق الأمر (باسرائيل) فانكم هادئون وغير قلقين وتستطيعون الانتظار لأشهر وتحاولون الإقناع إذا كانوا غير مقتنعين وإذا ما أصروا على موقفهم لا تفعلون شيئاً وتستمرون بدعمهم ولكن عندما يتعلق الأمر بالعرب فإنكم ترفعون العصا ونحن قد مللنا من سياسة ازدواجية المقاييس ولن نقبل أن نعامل كأمة مستضعفة فنحن أمة فخورة لها تاريخها واسهامها في الحضارة الانسانية ونريد أن نعامل بطريقة محترمة وعادلة. الرسالة سمعتم بأني امتنعت عن تسلم رسالة الرئيس بوش إلى رئيسي ففي بداية الاجتماع أخبرني الوزير بيكر بأنه يحمل رسالة من رئيسه إلى رئيسي وسلمني نسخة وقلت له أريد أن أقرأ الرسالة أولاً وقرأتها بشكل دقيق وبطيء وعرفت ماذا تعني قلت له بأني آسف لأني لا أستطيع تسلم هذه الرسالة والسبب أن لغتها لا تتوافق واللغة الواجب استخدامها في المراسلات بين رؤساء الدول لا اعتراض لدي أن يصرح بوش بموقفه بشكل واضح وأن التبادل الجدي للرسائل بين القادة والسياسيين يجب أن يتضمن كل طرف ولكن عندما يكتب رئيس دولة إلى رئيس دولة أخرى رسالة ويقصد فعلاً التوصل إلى سلام مع ذلك الرئيس والتوصل إلى فهم صميمي يجب أن يستخدم لغة مؤدبة والأدب لا يتعارض مع المضمون وعليه بسبب لغة تلك الرسالة التي تتنافى مع تقاليد المراسلات بين رؤساء الدول رفضت تسلمها. لقد قرأتها مرة واحدة. إن مضمونها شرح بطريقة أو أخرى من قبل الوزير بيكر خلال المباحثات. هذه هي المقدمة التي أردت أن أقدمها إليكم وأنا مستعد للإجابة عن أسئلتكم. ورداً على سؤال عما إذا كان العراق على استعداد لاستقبال الأمين العام للأمم المتحدة خافيير بيريز دي كويلار أجاب طارق عزيز قائلاً: قبل عدة أيام اجتمع ممثل العراق في نيويورك مع دي كويلار وأبلغه ترحيب العراق باستقباله إذا ما أراد ذلك وأن هذا الموقف مازال قائماً. وأضاف اليوم سمعت أنه على استعداد للمجيء إلى بغداد ولكني لم أتسلم شيئاً رسمياً بهذا الصدد. وحول رفضه تسلم الرسالة الموجهة إلى الرئيس صدام حسين قال ان السبب في ذلك هو اللغة التي استخدمت في الرسالة, والمسألة هي مسألة اللغة فهي لا تليق باللغة التي يستخدمها رؤساء الدول عادة. وحول مدى استعداد العراق للحرب, قال لقد هيأنا أنفسنا للحرب وإذا ما هوجمنا فلن نفاجأ ولدينا خبرتنا بالحرب, وقلت لوزير الخارجية الأمريكي إذا قررت أمريكا مهاجمة العراق فإن العراق سيدافع عن نفسه بقوة, نحن شعب شجاع والأمة العربية التي تشعر بأنها شجاعة, والشعب العراقي جزء من هذه الأمة ولن يخاف, والعراق على استعداد لأن يقاتل بشجاعة نادرة. ورداً على سؤال حول موضوع مناقشة مسألة انسحاب العراق من الكويت قال طارق عزيز: لقد تحدث بيكر عن الموقف في الخليج كثيراً ومن جانبي عرضت موقفنا بوضوح وقلت له اننا على استعداد للتعامل مع الوضع في الخليج على الأسس نفسها التي يتم التعامل فيها مع قضايا الشرق الأوسط. ورداً على سؤال عما إذا كان العراق سيهاجم (اسرائيل) إذا نشبت الحرب أجاب طارق عزيز قائلاً: نعم, نعم بالتأكيد, نعم. وعما إذا كان العراق على استعداد للانسحاب من الكويت قال طارق عزيز لا أجيب عن مسائل افتراضية, إذا تعامل العالم مع جميع مشكلات المنطقة بالمعايير والأسس نفسها فإن العراق سيسهم بايجابية. وجواباً على سؤال حول امكانية قيام طارق عزيز بالاجتماع مع المسئولين الأوروبيين قال طارق عزيز: كلا, ليست لدينا خطط للاجتماع مع الأوروبيين, اقترح الأوروبيون أن يستقبلوني في روما وقبلت ذلك فوراً ولكن عندما كانت هناك مشكلات مع الولايات المتحدة حول مواعيد الزيارات المتبادلة سحبوا دعوتهم, وعندما وافق الأمريكيون على الاجتماع معنا في جنيف عادوا وعرضوا دعوتهم للقاء معي فاعتذرنا عن الدعوة. ورداً على سؤال آخر: متى ستهاجمون (اسرائيل) , قال طارق عزيز إن العراق لن يهاجم أي طرف قبل أن يتعرض للهجوم وموقفنا هو الرد على الهجوم. وعن سبب عدم قيام اتصالات عراقية (اسرائيلية) لحل المشاكل بينهما قال طارق عزيز, ليست هناك مشاكل ثنائية خاصة بين العراق و(اسرائيل) , هناك المسألة الفلسطينية, (اسرائيل) تحتل الأراضي الفلسطينية, إذا كانوا هم على استعداد لأن يحلوا المشكلات فعليهم أن يذهبوا إلى الفلسطينيين. وعن مباحثاته مع وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر والموضوعات التي تناولتها قال طارق عزيز: طرحت أفكاراً عديدة مع بيكر, أبلغته لماذا لا نعمل معا من أجل الوصول إلى سلام شامل وكامل للمنطقة, بحثت معه مسألة الحل العربي, سألته لماذا أنت ضد الحل العربي قال, الغالبية من الدول العربية ضد الحل العربي, قلت له أستطيع أن أعدد معك دولة بعد الأخرى وعندما بدأت بتحديدها وجدنا أنها إحدى عشرة دولة تؤيد الحل العربي ولكنه رفض ذلك بشدة, وحتى أنه رفض وجود حل عربي, وقلت له إن هذه مشكلة عربية وبين العرب, لماذا لا يحل العرب المشكلة ثم يذهبون بها إلى المنظمة الدولية لتأكيد الحل وقلت له لدينا الموقف في لبنان وهو موقف خطير. مراكز الاستقطاب وجاء في رد طارق عزيز على التعقيبات على البحث الذي تقوم به في ندوة بغداد بعنوان (مراكز الاستقطاب في الوضع الدولي الراهن) قوله: شكراً جزيلاً لجميع من أبدوا ملاحظات وأسئلة على البحث الذي قدمته, وأشكرهم على العبارات الطيبة التي وصفوا بها محاضرتي . إنني كنت أتوقع أن يثير هذا البحث الكثير من الأسئلة والملاحظات والانتقادات أيضاً, فطبيعة الموضوع نفسه تثير الكثير مما أشرت إليه وقبل أن أدخل في إجابات محددة على الأسئلة والمحاور التي طرحت, أود أن أقدم إيضاحاً هو: إن الموضوع الذي اخترته هو (الوضع الدولي الراهن ـ الحقائق والاحتمالات) هذا هو العنوان الذي اخترته, وربما وزع عنوان آخر أثار شيئاً من اللبس كما أجد أمامي في هذه الورقة (مراكز الاستقطاب في الوضع الدولي الراهن) , أنا لم أقصد أن أقدم بحثاً بعنوان مراكز الاستقطاب وإنما أردت أن أقدم وصفاً وتحليلاً للوضع الراهن كما أراه, والحقائق فيه والاحتمالات, عندما بدأت باعداد هذا البحث وجدت نفسي أمام خيارات عملية من ناحية وخيارات سياسية من ناحية أخرى لمعالجة مسألة الوضع الراهن وتقديم وصف له, هذا الأمر يحتاج إلى جهد كبير ويتطلب الكثير من الأوراق لكي يدون, أما إذا أتينا إلى الحقائق وإلى الاحتمالات على الصعيد الدولي والاحتمالات على الصعيد القومي العربي فإن الأمر يتطلب جهداً أكثر. ولو تناولنا الجوانب الثلاثة هذه كلها فالذي كان سيقدم إما عمل مجتزأٌ قصير يلخص كل جانب, أو كتاب ضخم لا يتناسب مع طبيعة الندوة. نحن هنا في ندوة فيها محاور عديدة فيها ثماني أوراق وكل هذه الأوراق يجب أن تكون متوازنة من حيث الحجم لكي تتيح المجال للاستيعاب ولمناقشة هذا الجانب العملي, لذلك ركزنا في الجانب العملي على تقديم وصف مختصر جداً للوضع الدولي الذي سبق عام ,1990 ووصف مختصر جداً للوضع الدولي بصورته الشاملة للمدة اللاحقة, مع تركيز خاص على الولايات المتحدة ووصف عناصر القوة ووصف عناصر الضعف فيها, واختتمت البحث باحتمالات دولية وعربية محددة جداً, وقد استدركت وقلت إن هذا يتطلب مزيداً من البحث, هذا الخيار كان بالنسبة لي خياراً سياسياً فضلاً عن الجانب العلمي, ونحن الآن عندما نعقد ندوات فكرية أو سياسية لا نعقدها لغرض أكاديمي صرف, أنا لست أكاديمياً, وإنما نعقدها لهدف سياسي بالمعنى العلمي والموضوعي للسياسة وليس المعنى المادي لهذه الكلمة, نحن نريد فعلاً أن نعرف الحقائق عن أوضاعنا, ونريد أن نعرف هل بامكاننا كوطنيين وقوميين أن نبقى وأن نواصل مسيرتنا ونحقق الأهداف التي ناضلنا من أجلها عبر عقود طويلة وقدمنا في سبيلها الكثير من التضحيات, أم أننا ندور في حلقة مفرغة؟ أم أننا في وضع بائس لا أمل فيه؟ هذه هي المهمة الأولى في تقديري للندوات الاجتماعية والبحوث السياسية والفكرية التي تعقد في الوقت الحاضر, وخاصة بالنسبة لنا في مكتب الثقافة والإعلام. نحن لسنا كما قلت ولست أنا وحدي وإنما المكتب نفسه, ليس جهازاً أكاديمياً وإنما جزء من عملية ثورية وطنية وقومية تريد أن تثبت المبادىء, وتثبت القيم وترفع المعنويات وتوفر الإمكانات للصمود ولمواصلة المسيرة, ليس بأسلوب سطحي وديماغوجي وغير مقنـع ولكن بأسلـوب علمي وموضوعي. وفي تهيئتنا لهذه الندوة كما في الندوة السابقة كنت أقول لرفاقي ونحن متفقون على ذلك, علينا أن نعرض الحقائق كما هي لأن ليس لدينا مشكلة مع الحقيقة في حركة الثورة العربية لسنا ضد الحقيقة ولا نزوّر الحقائق أو نلوّنها كما يقال, نحن مع الحقيقة, والتطورات الدولية الراهنة تؤكد ذلك على الرغم من الجوانب السلبية الكثيرة والضاغطة فيها. أيها الاخوة, أنتم تعرفون الآن في الوطن العربي وفي العالم هناك موجة قوية جداً, قوية جداً بكل ما تعنيه هذه الكلمة, خلاصتها أو وصفها أن هنالك عصراً أمريكياً, وأن أمريكا قد أصبحت سيدة العالم عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وإعلامياً, وأن هذه الحقيقة قوية جداً, وهي تكاد تكون أبدية على الأقل بالمعنى السياسي, بمعنى أن هذا الجيل لن يشهد تغييراً جوهرياً في هذه الحقيقة, هذا الاتجاه موجود, في عقول وتحليلات بعض المناضلين الفلسطينيين, بعض المناضلين أو كثير من المناضلين الاشتراكيين, الكثير من المناضلين الوحدويين, الكثير من المناضلين الاسلاميين إلى آخره, أي الناس الذين ناضلوا وكانت لديهم ثقة قوية بمستقبل العملية الثورية العربية والتقدمية بكل أجنحتها وفصائلها وتياراتها الفكرية, عندهم مثل هذا الشعور, عندهم مثل هذا التقدير, بأن أمريكا سيطرت على العالم, وهذا التقدير يؤدي إلى الاستسلام. الذي لا يستسلم مثلنا ـ نحن صحيح ينظر إلينا باعجاب من قبل الكثيرين خاصة هنا في العراق, أقصد أنهم يأتون ويعجبون بالعراق وبالقائد صدام حسين والصمود والشجاعة والإنجاز ـ ولكن ينظرون إلينا على أساس أننا مخلوقات غريبة في هذا العالم, ويعبرون عن إعجابهم وتمنياتهم الطيبة ثم يعودون إلى ممارسة الواقعية المستسلمة في التحليل وفي الاستنتاج, وهذا موجود ـ وأنا ألمسه من ناس محبين, ناس مؤيدين كانوا وطنيين قوميين, مناضلين, لكن يقولون لنا أنتم ناضلتم وصمدتم, لكن دعونا نتصرف ضمن الواقع الراهن, لأن هذه هي الحقيقة أي أن أمريكا هي الحقيقة ولا يمكن العمل بأي شكل من الأشكال خارج ما تحدده من طرق ووسائل في منطقتنا وفي العالم وهؤلاء ليسوا خونة أنا لا أقصد الخونة الذين يروجون لهذا الشيء بدافع من أمريكا أو بإيمان وارتباط بها لا, أنا أقصد من هم في الصف الوطني والقومي العربي, إذن المهمة الأولى كما أراها أنا بشكل متواضع, هي هدم الصنم الأمريكي. كنت أتمنى إذا كان هناك أحد الاخوة لديه معلومات تدحض المعلومات الموجودة أو تصححها أن يقدمها فربما أكون قد بالغت في وصف القوة الأمريكية, وبالغت في وصف الضعف الأمريكي, ولكن من المفيد جداً أن نحدد معالم القوة والضعف على وجه دقيق, لكي لا نقع في الوهم, ولكني أعتقد ولدي اقتناع عميق, أن أمريكا بقدر ما هي قوية الآن هي ضعيفة أيضاً, وبالتالي إذا كانت ضعيفة بقدر ما هي قوية فهذا يعني أنها ليست حقيقة مطلقة نهائية, وإنما هي حقيقة راهنة قد تطول سنة أو سنتين, ولكن الحياة ومستقبل الشعوب وقضاياها لا يمكن أن تحصر في سنة أو سنتين أو حتى عشرٍ, ربما لا يستطيع جيلنا أن يحقق الكثير مما نطمح إليه, ولكني لا أعتقد أننا مكتفون بما نقوم به, هناك جيل آخر يمكن أن يواصل المسيرة, ممكن أم غير ممكن؟ أنا مقتنع موضوعياً ليس فقط بالإيمان والحماسة وهي موجودة وضرورية مقتنع موضوعياً أن ذلك ممكن لأن الذي حصل في العالم موضوعي وواقعي, ولكن هو مناقض للكثير من الحقائق في الحياة, حقائق الحياة بكل ما تعنيها كلمة الحياة, الحقائق المستخلصة من التاريخ. اللانظام الجانب الآخر الذي حرصت على شرحه هو هل هذا النظام المسمى بالنظام الدولي الجديد هو نظام أم لا؟ كيف يصفونه؟ جورج بوش يسمي الوضع الدولي الراهن (نيو ورلد اوردر ) كلمة (أوردر) باللغة الانجليزية تعني النظام بشقيه النظام الـ (سستم) وتعني الانضباط, نوع من الانضباط لا يمكن أن نقول أن هناك نظاماً دولياً جديداً وهو ليس منضبطاً, هذا ليس نظاماً هذا وضع, أنا أسميه وضعاً دولياً جديداً كما وضعت عنوان البحث, وضع دولي جديد, خليط من الحالات المتنافرة, ولكن هل هذا هو مشابه للوضع الذي كان قائماً في القرن التاسع عشر؟ لا.. في القرن التاسع عشر كان هناك نظام (كولونيالي) يسيطر على العالم, هذا النظام يختل سنة أو سنتين نتيجة الحروب التي تنشأ بين القوى الكولونيالية. لكن بعد أن تنتهي الحرب يرجع النظام ليستقر مدة عشر أو خمس عشرة سنة, يتعرض لأزمة كما حصل في الحرب العالمية الأولى, وبعد الحرب العالمية الأولى يبدأ ترتيب هذا النظام من جديد كما حصل في (فرساي) بعد الحرب العالمية الثانية, اختل النظام العالمي, دخل في أزمة حادة, لكن بعدها في طهران ويالطة وبوتسدام, جلسوا ورتبوا ظروف النظام الدولي الذي بقي بعوامله الأساسية بعد الحرب العالمية الثانية, الآن هذا الشيء غير موجود, هذه ظاهرة مهمة, هذا يعني أن النظام ليس موجوداً الآن هل يستطيع أن يجتمع بوش وجون ميجور وميتران ورئيس وزراء اليابان وكول ويضعوا أسس النظام العالمي الجديد, مثلما اجتمع تشرشل وروزفلت وستالين في طهران وفي يالطة, إنهم لا يستطيعون لأن حالة المفاجأة التي حصلت بسبب انهيار الاتحاد السوفييتي الذي لم يسقط لأنه خسر حرباً بل انهار, وقع بنفسه وهو خارج توقعات الدول الرأسمالية بأجمعها. هذا لا يمكنهم من انشاء ما يسمى بالنظام الدولي الجديد, لذلك أنا وصفت الحالة بأنها ليست نظاماً, سيطرة أمريكا على الأمم المتحدة ومجلس الأمن لم تأت مجانية بسهولة, الدول دائمة العضوية وخاصة أمريكا والاتحاد السوفييتي سيطرا على مجلس الأمن بعد الحرب العالمية الثانية, وظلا مسيطرين عليه حتى بصورة مشتركة حتى نهاية الثمانينيات. الآن سيطرة أمريكا على مجلس الأمن يجب أن ينفق عليها, في عام 1990م لو لم تنفق أمريكا أموالاً طائلة للاتحاد السوفييتي لما صوت على القرار 678 ليس لدي شك بقرار من مجلس الأمن أو بدون قرار, كانت أمريكا ستقوم بضرب العراق, لكنها اختارت أن تعطي لعدوانها مظلة ما يسمى بالشرعية الدولية, الآن دفعوا لروسيا, وفي الأيام المنصرمة اجتمعت الدول الصناعية السبع وقرروا منح روسيا حوالي عشرين مليار دولار مساعدات لعدة سنوات حتى يضمنوا أن روسيا والجمهوريات السوفييتية السابقة لا تنفجر بوجههم, لأن هذه جميعها قنابل موقوتة وخطرة حتى يهدئوا عملية الانفجار وحتى يضمنوا خضوع روسيا وممالاتها للسياسة الأمريكية والغربية على صعيد الكون, الصين تعلمون أنها إلى قبل سنتين أو ثلاث سنوات كانت محاصرة سياسياً وإعلامياً واقتصاديـاً من قبل الولايات المتحـدة والـدول الغربية ولكي لا تستخدم الفيتو.. وهو ليس بالضروري للسياسة الأمريكية, قرروا خفض الأذى عن الصين, وبالتالي تنازلوا عن برنامج كانوا هم قد صنعوه, برنامج محاصرة الصين, وهذا البرنامج أمريكي غربي وضعوه ثم تراجعوا عنه ليحققوا برنامجاً له أولوية أكثر بالنسبة لهم, وهو ضرب العراق. هذه بأجمعها معالم قوة, ومعالم ضعف تختلف عن معالم القوة والضعف التي شاهدناها في الدول العظمى السابقة, إذن هي جديرة بالدراسة وعندما نفهمها كما هي, نستطيع أن نتعامل معها, ليس بأسلوب المستسلم وإنما نتعامل معها من أجل تحقيق الأهداف, وأنا مقتنع بأن ما يسمى بالنظام الدولي الجديد هو ليس نظاماً ولسنا نحن الذين نقول به. ماذا يحدث؟ أحد الاخوة أشار إلى ما يوصف به, الكتاب يقولون (ذي نيو ورلد ذيس اوردر) هم الذين يقولونه, كثير من الكتاب والسياسيين على حق لأنه كيف يكون هناك (اوردر) وكل هذه الفوضى موجودة الآن في العالم؟ وهي مرشحة لأن تتسع. البعض, يقول نعم إن أمريكا ستكتفي بمصالحها في بقع معينة, وتترك العالم يحدث فيه ما يحدث هذا يدل على أنه لا يوجد نظام عالمي صحيح ولكن ماذا يعني هذا؟ هذا يعني تحديد القوة الأمريكية بدل أن تكون قوة كونية تتحول إلى قوة انتقائية تختار بقعاً معينة في العالم للسيطرة عليها وبقية أجزاء العالم تتركها لا تستطيع أن تتدخل فيها عسكرياً. لو افترضنا جدلاً أن أمريكا تخلت عن هيمنتها العسكرية السياسية المباشرة في آسيا ماذا يحدث؟ أنا أشرت إلى أن هناك دولاً تمتلك الآن قوة عسكرية ضخمة جداً, صحيح ليست ذات طابع كوني مثلما كانت عليه الحال بالنسبة للقوة العسكرية السوفييتية, ولكن هناك قوة الصين, والصين لديها (4) ملايين جندي, لديها أسلحة نووية, لديها صواريخ تستطيع أن تسيطر بواسطتها على أجزاء من آسيا. إذا وصلت القوة الأمريكية إلى حالة لا تستطيع أن تتدخل فيها في كل العالم, هذا يعني ظهور امبراطوريات كبيرة وصغيرة ومتوسطة وفي أكثر من بقعة في العالم, وتصبح أمريكا واحدة من هذه الامبراطوريات وليس الامبراطورية الوحيدة في هذا العالم. طبعاً, نحن عندما نتكلم عن مراكز القوى لم نكن في أي وقت من الأوقات منذ حديث الرئيس القائد في منتصف السبعينيات, نعد من مراكز القوى الجديدة, هناك مراكز للاشعاع الرسالي, أو مراكز صديقة ومعينة لنا, ولا يمكن أن تكون عدوانية كما هي حال الولايات المتحدة, اليابان, كانت من أكثر الدول عدوانية في العالم في الحرب العالمية الثانية. الذي يرى مسيرة اليابان في التعامل مع شعوب آسيا يجد فيها بربرية ووحشية في التعامل مع هذه الشعوب لا مثيل لها, ألمانيا الهتلرية, فرنسا وبريطانيا.. إلخ, ليس المهم أنها ستكون عدوانية, المهم أن تكون لدينا امكانية في التعامل معها, لو افترضنا أن العالم الآن فيه خمسة مراكز قوى فهذا أفضل لنا طبعاً نحن أمة لديها إرث حضاري, لديها امكانيات, لديها ثروة فإذا استطعنا أن نتعامل مع أكثر من مركز من دون أن نخضع لمركز واحد, ونستفيد من التناقضات ومن الفراغات التي يشكلها التنوع في موازين القوى في العالم, هذا جيد لذلك نقول - والقول هذا استنتاج صحيح - إنه عندما تنشأ مراكز قوى متعددة في المستقبل سوف نستفيد بالمعنى العلمي للاستفادة, وليس بمعنى أن هذه القوى ستكون صديقة لنا وتعاوننا.