دم تحت الطلب مسلسل يومي داخل وخارج المستشفيات

الدم .. الى جانب كونه (اكسيد) الحياة, غدا في السنوات الاخيرة سلعة تباع وتشترى لها سوقها وسماسرتها وايضا زبائنها من المرضى واقاربهم .. وكذلك للبضاعة اسعارها تختلف باختلاف النوعية النادرة منها والرائجة .. وبورصة الدم تتأثر بالدولار صعودا وهبوطا, وباسعار الذهب والسلع والبضائع والمواد الغذائية الآخذة بالارتفاع, بعبارة اخرى فان اسعار الدم تتأثر باوضاع الحياة المعيشية للافراد واوضاع البلاد الاقتصادية. السمسار ثالثهم! (دم تحت الطلب) . عنوان لمسلسل يومي تدور وقائعه خارج وداخل اروقة المستشفيات والمستوصفات العامة والخاصة وله ابطال رئيسيون وثانويون, وبما ان للمسلسل بداية فان نهايته تبدو في عالم الغيب, المشوار اليه قد يطول وقد يقصر .. فالبداية تطابقت مع العبارة الشائعة (الحاجة ام الاختراع) فحاجة البعض للمال دفعهم الى بيع دمائهم وحاجة المرضى واقاربهم للدم دفعهم مجبرين الى شرائه .. ورويدا رويدا ظهر على السطح خلف الكواليس وفي العلن تجار الدم ومحترفو التبرع من بين اوساط الشباب والاطفال, هذا ما تؤكده المصادر الاعلامية شبه الرسمية من خلال استعراضها المقتضب لظاهرة بيع الدم, فقد اوضحت ان السماسرة داخل المستشفيات يستغلون اشخاصا معينين يتم اللجوء اليهم والتعامل معهم في عملية بيع الدم ومن بين هؤلاء الاشخاص هناك عدد كبير من الاطفال او الشباب معظمهم لم يصلوا سن الخامسة عشرة اي انهم لم يتجاوزوا السن القانونية للتبرع. وكانت وزارة الصحة العامة قد حددت عددا من الشروط والقواعد منها ما يتعلق بعمر المتبرع للدم وهو سن البلوغ 17 عاما حسب القوانين اليمنية السائدة وكذلك حالة المتبرع الصحية والفترة الزمنية بين التبرع الاول والثاني وما الى ذلك . الا ان ما يحدث احيانا هو تجاهل البعض ـ متبرعين وسماسرة وصحيين ـ لتلك الشروط وعدم التقيد بها. وتوصلت المصادر ذاتها الى جملة من الشواهد الحية التي تعزز استفحال سوق الدم السوداء بين اوساط الشباب والاطفال وتتلخص في الآتي: * وجود سماسرة في السوق تربطهم علاقات ومصالح مع بعض المسئولين داخل المستشفيات يتاجرون بدماء المتبرعين متجاوزين القواعد والشروط الصحية. * قيام بعض الشباب بعملية البيع مقابل مبلغ مالي يتفق بشأنه بين البائع والمشتري ويكون السمسار ثالثهم. * تصرف المبالغ المحصلة من بيع الدم على شراء (القات) والسجائر وغير ذلك من المواد المكيفة. * عدم علم بعض اسر البائعين المتبرعين بتصرفات ابناءها تلك. * هناك اطفال يقفون على بوابات بعض المستشفيات بغرض بيع الدم والحصول على المال. * علم السماسرة بفصائل المتبرعين الدائمين مما ساعدهم على تلبية متطلبات اقارب المرضى المحتاجين للدم بحكم الضرورة. * تتراوح سعر قربة الدم الواحدة بين 3000 ـ 1000 ريال, ويحدد السمسار القيمة حسب فصيلة الدم, فالفصيلة النادرة مثل B+ . A هي الاغلى. * يوجد في سوق الدم السوداء من يطلق عليهم (مدمنو التبرع بالدم) . القوانين أولا هذه المشاهد الاجتماعية والصحية الضارة يقابلها العديد من الظواهر الاجتماعية والاقتصادية السلبية على رأسها الفقر والبطالة والتسرب التعليمي وعمالة الاطفال واطفال الشوارع, كما يقابلها اتساع رقعة المستشفيات والمستوصفات العامة والخاصة دون ان تستكمل وزارة الصحة كافة ـ ان لم نقل ـ معظم القواعد والاسس القانونية المنظمة لعمل هذه المستشفيات والمستوصفات, الامر الذي اوجد العديد من الظواهر المضادة للسلامة العامة منها سوق الدم السوداء ومدمنو التبرع بالدم. ويؤكد الدكتور عبدالرحمن محمد هائل اخصائي مسالك بولية ان مدمني التبرع بالدم او من تسميهم المصطلحات العلمية الطبية بـ (Gronic blood doner) فانهم غير صالحين للتبرع, حيث لا تتمتع اجسامهم باي شروط التبرع, فهي تخلو من النسبة المطلوبة للهيموجلوبين في الدم التي من الضروري الا تقل عن 13 جراما, فالمتبرع الواحد منهم يكون قد تبرع ثلاث مرات او اكثر في الشهر الواحد مما يؤدي الى تناقص نسبة الهيموجلوبين لديه ومن ثم اصابته بعوارض خطيرة ربما تؤدي الى الموت. وعندما سألناه ما الحل المناسب لكبح جماح سوق الدم السوداء وتحجيم مساحة مدمني التبرع اجاب الدكتور هائل قائلا: المكافحة اولا يجب ان يكون لها قوانين ملائمة قانونية منظمة وارادة صادقة وراسخة, حيث لا يوجد في البلد ـ اليمن ـ قانون لتنظيم عملية التبرع بالدم, في نفس الوقت لا يوجد ما يعرف بـ (بنك الدم) الذي يمكن ان يوفر نوعا من الخدمة الممركزة اي المركزية ويكون فيه طاقم كبير ومتكامل ولديه ورشة وآلية متكاملة في الاجهزة والآلات والسيارات المزودة بالمعدات المطلوبة للحفاظ على الدم المعقم في (القرب) المخصصة للدم وغير ذلك فالوجود حاليا في المستشفيات الحكومية الرئيسية كـ (الثورة) و (الجمهوري) و (السبعين) بصنعاء و (العلفي) الحديدة و (الجمهورية) بعدن وغيرها من المستشفيات بالاضافة الى بعض المستشفيات الخاصة الكبيرة كـ (آزال) و (العربي ) فيها اقسام لنقل الدم كما يوجد بالعاصمة صنعاء ما يسمى (المركز الوطني للدم) تابع لمستشفى (السبعين) لا علاقة له ببنك الدم, فالمطلوب اولا سن القوانين المنظمة للتربع وثانيا ايجاد البدائل والامكانيات الحديثة والمناسبة القادرة على تلبية احتياجات المرضى من الدم دون اللجوء الى السوق السوداء. التبرع عملة صعبة ان اقسام الدم بالمستشفيات الرئيسية المرتبطة عمليا بالمتبرعين والمرضى ذوي الحاجة للدم ملتزمة بقائمة محددة من الضوابط والشروط سبق وان انزلتها وزارة الصحة الى جميع المستشفيات الحكومية والخاصة .. وفي احدى هذه المستشفيات الحكومية سألنا احد الفنيين بقسم الدم رفض ذكر اسمه عن تلك الضوابط اجاب بالقول ان اولى تلك الضوابط عمر المتبرع فان كان سنه اقل من 17 عاما نرفض اخذ جرعة الدم منه وثانيا التأكد عبر الفحص الاولى من نقاوة دمه اي خلوه من بعض الفيروسات المعدية والخطيرة كالكبد والايدز وايضا التأكد ان كان قد تبرع سابقا ومتى وغير ذلك . * كيف ولا يوجد في البلد نظام الملف او البطاقة الصحية للافراد؟ ـ نتأكد من خلال شكل جسمه الخارجي, فالمدمن على التبرع يلاحظ على جسمه بعض العلامات المبينة كالاصفرار مثلا .. وايضا من الفحص الاولي للمتبرع. * ماذا عن سوق الدم السوداء؟ ـ نسمع عن هذه السوق لكن لا نتعامل معها, فعملنا ينصب في اننا نقوم باشعار اقارب المريض المرافقين بان قريبهم بحاجة ـ حسب روشتة الطبيب ـ الى قربة او قربتين او اكثر, ويعطي المريض الجرعة المطلوبة على ان يدفع الاقارب 500 ريال على كل قربة دم مقابل رسوم خدمات, كما عليهم ـ الاقارب ـ ان يوضعوا في قسم الامانات اي وديعة ثمينة مثل مسدس (جنبية) (خنجر) ساعة يد غالية . الخ الى حين احضار المتبرعين واخذ نفس الكمية المعطاة لقريبهم المريض قبل العملية الجراحية واثناءها. * هل يأتي اشخاص الى القسم للتبرع من تلقاء انفسهم؟ ـ لا .. فالتبرع عملة صعبة هذه الايام بالكاد يجد المريض من يتبرع له. * اين تقبض الفلوس في عملية التبرع؟ ـ موضوع بيع الدم ان وجد فلا يتم داخل المستشفى بالتأكيد خارجه . * هل من الضروري ان تكون فصيلة المتبرع نفس فصيلة المريض. ـ ليس بالضروري المهم دم. دم الحكومة ويروي لنا احد العاملين في قسم الدم بحذر شديد كيف استطاع احد زملائه بيع قربة دم خاصة بالقسم لاحد المتضررين مقابل مبلغ 20.000 ريال لحسابه الخاص, دون علم زملائه وقيادة القسم وبصورة مخالفة للانظمة الى ان كشف امره مؤخرا عندما تم جرد مخزون (القرب) بالقسم من قبل ادارة المستشفى بشكل مفاجىء , ويخضع حاليا للتحقيق من النيابة العامعة بعد ان استكملت الادارة اجراءاتها الاولية المتبعة حتى لا يقال بان سوق الدم السوداء امتدت الى عمق المستشفيات الحكومية دون رادع . وستظل تصرفات (المختلس) عبرة لمن تسول له نفسه المساس بدم الحكومة!. صنعاء محمد الطويل

تعليقات

تعليقات