بعد ثلاثة قرون من الهجرة اليمنية بالاخص الحضارية نسبة الى حضرموت الى دول شرق آسيا تباينت واختلفت مواقف وتصنيفات عديدة البعض ما زال يضع المهاجرين هناك في خانة المغتربين اليمنيين الاوائل الذين لايزال ابناؤهم واحفادهم على صلة تواصل وترابط بوطن الاجداد اليمن .. والبعض الآخر لم يعد يصفهم بالمغتربين بل بالمهاجرين من اصل يمني ويضعهم في خانة (يمنيون مع وقف التنفيذ) يعيشون في دول المهجر دون روابط وصلات بالوطن الام .. في هذه السطور نترك ابرز المختصين بشئون الاغتراب وهم يسطرون في دراستهم بحرية حول اوضاع قرابة 5 ملايين مغترب مهاجر يعيشون حاليا في اندونيسيا والهند وسنغافورة وبروناي وماليزيا حسب احصائيات وزارة شئون المغتربين 99م وعلاقتهم بالوطن اليمني. حضرموت كانت البدء في الوقت الذي اختلف فيه الباحثون حول بداية تاريخ هجرة العرب الى الشرق الاقصى وشرق آسيا . الا انهم اتفقوا على ان هجرة الحضارم في التاريخ الحديث الى جاوة الاندونيسية وماجاورها من الجزر كسومطرة والملايوسليب بدأت في القرن الثامن عشر الميلادي ... ويقول الكاتب البريطاني (سارجينت) ان اهم وأول المهاجرين الى تلك الجزر في التاريخ الحديث هم السادة العلويون وقد وصل هؤلاء قبل وصول الهولنديين ونظرا لهجرة عدد كبير منهم الى جاوه والجزر المجاورة لها فقد نشروا في هذه الجزر المذهب الشافعي وحاربوا الاعراف المحلية وقواعدها كما نشروا بعض عاداتهم ... ويضيف (سارجينت) في كتابه حول (مصادر التاريخ الحضرمي) ان هجرة الحضارم تواصلت الى جاوه والجزر المجاورة لها حتى منتصف القرن العشرين, وفي عام 1860م صدر اول احصاء رسمي لجاوه وقدر عدد الحضارم فيها بـ 9000 نسمة ووصل العدد العام 1885م الى حوالي 10888 نسمة في جاوه وحدها وارتفع العدد الى 9.500 نسمة في عام 1905م ثم الى 44.921 نسمة في عام 1920م ثم الى 71.335 نسمة عام 1930م وتم تقدير عدد المهاجرين الحضارمة منتصف القرن العشرين بحوالي نصف مليون نسمة. ويضيف الى ذلك ان المهاجرين الحضارم اسسوا اول جمعية خيرية لهم عام 1903م في مدينة جاكرتا (العاصمة الاندونيسية) واسموها (جمعية خير) ويعود الفضل في تأسيسها الى جمعية من العلويين نسبة الى الـ (باعلوي) وفي عام 1905م انشأت هذه الجمعية مدرسة هي الاولى من نوعها في اندونيسيا وشرق آسيا. تفاعل مع الوطن ان هذه الوقائع والاحصائيات تأتي في باب الدلالة على تاريخ الهجرة الحضرمية الى شرق آسيا وزيادة تناسل المهاجرين مع مرور السنين وايضا وهو الاهم للدلالة على ترابط اواصر القربى والتراحم بين المهاجرين الذين ظلوا في تواصل وصلات مباشرة مع اخوانهم واسرهم وعشائرهم في داخل الوطن كما ظلوا يتفاعلون مع الاحداث والتطورات الحادثة باليمن .. ويؤكد الدكتور صالح علي باصرة رئيس جامعة عدن في دراسته (الهجرة الحضرية الى جنوب شرق آسيا) قائلا (وبتأثير الماضي والدم العربي اتجه البعض من المهاجرين اليمنيين في دول شرق آسيا الى دراسة تاريخ هجرة الآباء والاجداد وتاريخ الوطن الذي جاء منه هؤلاء الآباء والاجداد كما تفاعل البعض مع التطورات التي شهدها الوطن كثورة سبتمبر واكتوبر والوحدة اليمنية ومن ابرز ملامح هذا التفاعل مايلي: * تأسيس جمعيات واتحادات ثقافية لجمع شتاتهم وادارة مدارس خاصة لتعليم ابنائهم الدين الاسلامي واللغة العربية وكذلك لممارسة بعض انشطتهم الثقافية مع وطنهم الاصلي اليمني. * لقد تأسست في اندونيسيا اكثر من مؤسسة خيرية وثقافية ومنها الجمعية العربية وجمعية استقلال الجنوب (جنوب اليمن) ومكتب دعم تحرير الجنوب الذي كان مستعمرا من قبل بريطانيا. * تنظيم رحلات للجيل الجديد من ابناء المهاجرين للتعرف على الوطن وكذلك رحلات للباحثين عن الاستثمار في الوطن الاصلي. * ويلعب بعض كبار من قدامى المهاجرين دورا في التواصل بين المهاجرين مع الوطن الاصلي, لقد قام ويقوم البعض من هؤلاء بتقديم الدروس الدينية او القاء المحاضرات عن الوطن في المناسبات المختلفة. * تساهم السفارات اليمنية في تعزيز التواصل مع المهاجرين من رعاية الجمعيات وانشطتها ومدارسها, وتسهيل زيارة المغتربين لوطنهم وايصال الصحف والمجلات الى المؤسسات الثقافية للجالية اليمنية. * وساهمت زيارة رئيس الجمهورية علي عبدالله صالح الى اندونيسيا وسنغافورة عامي 98 ـ 99م في تعزيز صلة الاجيال الجديدة من ابناء المهاجرين بوطنهم الاصلي وذلك من خلال اللقاءات التي عقدها مع ممثلي ابناء المهاجرين ودعوتهم لزيارة وطنهم الاصلي للسياحة او الاستثمار وكذلك من خلال تعزيز علاقة اليمن بحكومتي اندونيسيا وسنغافورة. ومن الملامح الاخرى كما يؤكدها الدكتور علي هود باعباد رئيس جامعة حضرموت والدكتور عبدالله الاستاذ المساعد بالجامعة في دراستهما (حضرموت علاقة وطن وهموم اغتراب) ان كثيرا من المغتربين يحرصون على ارسال اولادهم الى حضرموت ليتعلموا العربية ويتطبعوا بطباع اهل بلدهم, وذلك عندما تكون المهاجر غير عربية, وعندما يبقى ابناء المغتربين عند آبائهم في المهاجر غير العربية نجدهم يحرصون على تعليمهم اللغة العربية وتعاليم الدين الاسلامي كما يحرصون في حياتهم الخاصة على التقاليد الخاصة لوطنهم حتى يظل ابناؤهم مرتبطين بالوطن سلوكا واخلاقا ودينا ولغة وتفكيرا ونمط حياة ونحو ذلك. وفي الاتجاه المعاكس تشير بعض الدراسات الى ان لهجرة وعودة الكثير من الابناء الشباب الذين ولدوا وتربوا في المهجر, ادخلت بعض العادات السيئة الى الموطن, وانتشرت بعض الجرائم التي لم يكن المجتمع في حضرموت يألف حدوثها, كما ان انتشار البطالة وعدم تكيف بعض الشباب العائد مع الحياة الجديدة في وطنه الاصلي اسهمت ايضا بقسط في انتشار الجريمة, لقد عانت حضرموت فترة غير قصيرة من الامراض الاجتماعية والاقتصادية التي سببتها مشاكل العودة وتوقف الحوالات ولم يستطع المجتمع معالجة الكثير الا بعد وقت طويل, اي بعد اندماج العائدين في المجتمع وتكيفهم مع عاداته وتقاليده وتمكنهم من معالجة مشاكلهم الاقتصادية. قول الرشيد وقبل الانتقال الى الضفة الاخرى في اطار قضية الهجرة اليمنية الى دول شرق وجنوب شرق آسيا وصلة المهاجرين المغتربين هناك بالوطن اليمني لقد عرف المسح الاولي للمغتربين اليمنيين في الخارج المعد من قبل وزارة شئون المغتربين (المغتربين اليمنيين) هم مجموع اليمنيين المقيمين في ذلك البلد كبارا وصغارا ذكورا واناثا ممن لا يزالون مرتبطين بالوطن وبالثقافة الوطنية فيما عرف (من اصل يمني) انه تعريف يطلق على من هاجروا من اليمن منذ زمن طويل وانقطعت من جراء ذلك علاقتهم وروابطهم بالوطن. اما في مضمون القضية ذاتها لقد شجع هذا التعريف وكيل وزارة شئون المغتربين ابراهيم الرشيد في دراسته (من صور الهجرة اليمنية وحقائق الاغتراب) الى التأكيد بان قرابة 5 ملايين مهاجر يمني يعيشون في شرق وجنوب شرقي آسيا 4.5 ملايين في اندونيسيا , 100 الف في الهند و 100.0000 في ماليزيا و 10 آلاف بسنغافورة, و 10.000 ببروناي يضيف الى ذلك 10 الاف في جزر القمر ينطبق عليهم عبارة (المهاجرون من اصل يمني) ولا تنطبق عليهم كلمة (المغتربين) لانقطاع صلتهم بالوطن الاصلي. ويدلل ذلك بقوله (بالنسبة للمهاجرين اليمنيين المقيمين في الهند واندونيسيا وسنغافورة في بلدانهم الجديدة وانقطعت بالمقابل اكثر صلاتهم وروابطهم بـ (الوطن اليمن) لكن هذا الامر لا يخلو من احتمالات المشاكل والاخطار والتحديات العاجلة ام الآجلة. ومن باب اغناء الموضوع فان الوكيل الرشيد يقصد بالمشاكل والاخطار والتحديات تلك التي يعاينها المغتربون في الخارج وان اسبابها الى جانب ضعف الوعي لديهم وضعف مستويات الرعاية واشكال التواصل معهم تعود الى علاقات غير ايجابية وحساسيات وخلافات ربطتهم في مناطقهم قبل وخلال غربتهم افرادا واسرا وقرى ومناطق, وذلك بالنظر الى ان الطابع البارز لهم في غربتهم وتجمعاتهم في الخارج يأخذ شكلا يجمع بين الاسرى والقرابى القروي الامر الذي لا يمكنهم في معظم الاحوال من التخلص من نمط علاقاتهم والتزاماتهم الاجتماعية السابقة. صنعاء محمد الطويل