كوسوفو.. أين تقف اليوم؟ بقلم: مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية تريد الولايات المتحدة أوروبا قوية, وموحدة, ذات ممارسات ديمقراطية قوية الجذور, لا تعرف الحروب الطريق اليها, الآن, وأكثر من أي وقت مضى, يمكن القول ان أوروبا هذه موجودة فعلا. لكن لاتزال هناك فجوات, وفي الزاوية الجنوبية الشرقية من القارة الاوروبية تحديدا, هناك, وفي كوسوفو خلال العام الماضي, كانت لنا وقفة حاسمة. ويتعين من وضعوا موضع التساؤل ما اذا كان ما قمنا به في كوسوفو أمرا صحيحاً من عدمه ان يفكروا ماذا كان يمكن ان يحدث لو تنحينا جانبا وتسامحنا مع ما بدا خطأ واضحا. كان مئات الآلاف من اللاجئين سيظلون قابعين في معسكراتهم في جنوب شرق أوروبا, وفي كوسوفو ذاتها, كان الالوف من البشر سيظلون يعيشون في رعب, عراة من دون مأوى يقيهم برد الشتاء. كما كان يمكن لفكرة ان التطهير العرقي امر له جدواه ان تتفشى كجرثومة مستفحلة في المنطقة بأسرها. وعلى العكس من ذلك, فان ما حصل بتحرك من الناتو هو ان ذلك العنف الواسع قد توقف, وعادت الغالبية العظمى من النازحين الى ديارهم, وبدأت عمليات اعادة الاعمار, كما أوصلنا رسالة قوية, مفادها ان التطهير العرقي ليس خطأ فحسب, بل ومدمرا لمرتكبيه, لأن من يقترفه ستتم مقاومته وضرب نطاق من العزلة والحصار حوله. لقد قمنا بما هو ضروري لتحقيق النصر في ذلك الصراع, والآن نحن مطالبون بالقيام بما يلزم لننتصر في السلام, ونحن نعي ان هذا لن يتم دفعه واحدة بين عشية وضحاها, بل خطوة اثر الاخرى. انني ادرك ان البعض يشير الى ما يحدث حاليا من عنف في مدينة ميتروفيتشا في شمال كوسوفو, ويقول ان الحرب قد عادت, والسلام ليس امرا محتملا في المنطقة. وردي على هذه الاشارات يتضمن ثلاث نقاط: اولا, يجب الا نسمح للمصاعب التي نواجهها في بؤرة واحدة بأن تفقدنا البصر على مستوى العملية الاشمل, والحقيقة هي ان قوة (كفور) قد حققت تراجع العنف والجريمة في كوسوفو, وتم انشاء مجلس اداري مشترك, ووفى جيش تحرير كوسوفو بالتزامه بنزع سلاح رجاله, ويتم التخطيط حاليا لاجراء انتخابات بلدية, ومعنويات الناس مرتفعة في معظم ارجاء كوسوفو. ثانيا: يتعين علينا ان نتذكر ان هذه المنطقة هي بمثابة مغناطيس يجتذب المتشائمين والقائلين بالثبور وعظائم الامور, وقد قيل لنا منذ سنوات قلائل ان التوترات في مدنية بريتشكو المقسمة في البوسنة ستعرقل تنفيذ اتفاقات دايتون, غير ان هذه التنبؤات كانت بعيدة عن الصواب. ثالثا: يتعين علينا ان نكون واضحين فيما يتعلق بتوقعاتنا واهدافنا, فبعد كل ما وقع لا نتوقع ان الجماعات المتصارعة في كوسوفو سوف تتلاقى أيديها على الفور وتشرع في انشاد الاغاني الشعبية, ونحن لا نصر على ان تتوقف عن الاقتتال, فروح التسامح والتعاون بين الاعراق سوف تستغرق وقتا اطول قبل ان تتحقق, ولكن هذه الروح شرعت في التطور في البوسنة, ولسوف تتطور ايضا في كوسوفو. وعلى الرغم من الخلافات الجلية, فان الاستراتيجية التي تطبقها الامم المتحدة وقوة (كفور) تحمل بعض اوجه الشبه بالاستراتيجية التي تم تطبيقها في وقت سابق في البوسنة, ونحن نعطي الاولوية القصوى لأكثر المشكلات صعوبة. وفي البوسنة تمثلت اكثر المشكلات صعوبة في مدينة بريتشكو, اما في كوسوفو فانها تتمثل في مدينة ميتروفيتشيا. وفي تلك المدينة يركز المجتمع الدولي الموارد ويدعم الامن ويكافح لضرب نطاق من العزلة على المتطرفين على الجانبين كليهما, ويحاول ان يقدم الدعم الذي يحتاجه المعتدلون لكي تكون لهم اليد العليا. والطريقة الوحيدة العملية التي يمكن للصرب والمسلمين على السواء ان يحققوا من خلالها اهدافهم المشروعة هي العمل مع المجتمع الدولي ومن خلاله والمشاركة في الاطر المشتركة التي يجري انشاؤها, وهذه هي الطريقة التي يمكن من خلالها اقرار سيطرة على المجتمع من خلال الممثلين المختارين ديمقراطيا وجعل حياة المدنيين من كل الاطراف آمنة وتمكين المشردين من العودة الى دورهم. غير انني لا اقلل من أهمية الطبيعة المتقلقلة وغير المستقرة للموقف في مدينة (ميتروفيتشا) , ومن المؤكد ان هناك خطرا يتمثل في امكانية اندلاع المزيد من الضعف. هناك متطرفون في الجانبين, وهناك في الطائفة ذات الاصول الالبانية من يرتكبون الجرائم ضد الصرب وغيرهم من الاقليات, وهي جرائم جديرة بادانة قوية, وهم يسيئون اشد الاساءة الى تطلعات شعبهم وطموحاته. وتدعو الحكومة في بلجراد الى المواجهة وتحاول ادانة احتمالات التعايش العرقي المشترك. وقد أدت سياسات تلك الحكومة في العقد المنصرم من الزمان الى اشعال شرارة انطلاق التطرف على كل جوانب الانقسام العرقي, ولاتزال سياساتها تضرم النار في الجمر لتزيده اشتعالا وتوهجا. لقد اطفأت الجهود الدولية في البوسنة وكوسوفو نيران الحقد العرقي, ولكن هذه النيران لن تخمد بصفة نهائية الا بعد ان تحل حكومة ديمقراطية محل النظام الراهن في بلجراد, وسلوفينيا اليوم حرة, وقد شهدت مقدونيا مؤخرا نقلا ديمقراطيا للسلطة, وأجرت البوسنة انتخابات نزيهة وتنافسية على كل الاصعدة, والجبل الاسود له قيادة ديمقراطية, وشكلت انتخابات كرواتيا في الشهر الماضي ابتعادا تاما على الصعيد القومي عن التطرف باتجاه التسامح العرقي والاندماج في الغرب. ولسوف يقوم ابناء صربيا بخيار مماثل اذا اتيحت لهم فرصة القيام بذلك, واليوم يسعى الكثير من الصرب بنشاط الى تلك الفرصة, وهم جديرون بتأييدنا الكامل وينبغي ان يحظوا بهذا التأييد. ففي نهاية المطاف, وعلى امتداد التاريخ, استفاد من يتأصلون من أجل اقرار الديمقراطية في بلادهم من تضامن الآخرين معهم.