الحديث عن كردفان لا تفارق فقراته معضلة المياه التي ظلت جاثمة على صدر حاضرتها الابيض ناهيك عن ريفها الذي تعرف حيواناته وطيوره الاليفة في بعض المناطق صوت السيارة التي تحمل براميل المياه ليشكل انسانها وحيوانها موكب استقبال تشريفي لقدوم عصب الحياة بين المرة والاخرى .. هذه هي ولاية شمال كردفان بصمغها العربي اذ انها اكبر منتج له في ربوع الدنيا كلها وبضأنها (الحمري) الذي طبقت شهرته آفاق الخليج والسعودية وبخيراتها التي لا تعد ولا تحصى وبانسانها البسيط الذي فرجت دموعه لحظات غبنه وجعلته محروما اكثر مما يستحق وكل طموحه في (شربة ماء قراح) تطفىء عطش سنينه رغم عطائه الذي اخترق الحدود. لتوفير المياه تعددت المحاولات وتنوعت المشاريع وبايراد بعض النماذج يظل الجهد المبذول اقل من حجم المشكلة من ذلك ان الوالي الجديد والذين سبقوه على ادارة الولاية لم يكن لهم شغل غير الماء داخل الارض او خارجها .. فها هو الوالي عثمان عبدالهادي جاب الالاف بحثا عن المخرج ولم يكن امامه غير تطمين المواطنين بان حل مشكلة المياه بصورة جذرية تعد اولوية لحكومته موضحا في هذا الخصوص ان العمل بمشروع مياه الابيض بحوض بارا الذي شرع في تنفيذه قبل سنوات يسير بصورة طيبة وان افتتاحه سيتم في احتفالات البلاد, بذكرى استيلاء النظام الحالي على السلطة المقبلة في يونيو المقبل. ومع دخول فصل الصيف ابان الوالي ان الالتزامات الخاصة بوزارة المالية الاتحادية قد تم تسديدها كما ان انابيب نقل المياه قد تم شحنها من الصين وان الطلمبات التي وصلت الى ميناء بورتسودان سيتم وصولها للابيض قائلا ان الحكومة تؤكد عزمها على معالجة مشكلة المياه خلال فترة الصيف وتلافي اي اختناقات يمكن حدوثها في كافة احياء المدينة, مؤمنا في الوقت نفسه على الخطة التي قدمها مديري المياه بالولاية التي تستهدف تغطية جميع احياء المدينة بخدمات المياه. وقبل ان تنعم الابيض بالمياه لم يكن امام مدير عام ا لمياه بالولاية المهندس محمد عبدالله من التذكير بان تكلفة تأهيل وصيانة محطات المياه بالريف وبمدن الولاية المختلفة تبلغ 4 مليار و 900 مليون دينار. لكنه اتكىء على اتفاق وقع مؤخرا بين الولاية والوكالة الاسلامية الافريقية للاغاثة لتنفيذ هذه المشاريع خلال اربع سنوات, موضحا في ذلك ان التمويل سيتم من خلال ايرادات حكومة الولاية اضافة الى صندوق دعم الولايات علاوة على التزام الوكالة الاسلامية للاغاثة باستقطاب الدعم من المنظمات الخيرية والطوعية وقال المهندس عبدالله ان محطات المياه بالابيض, ام روابه, باراو, الرهد سيتم امدادها بطلمبات ضغط عال وان الاتفاقية مع الوكالة الاسلامية نصت على تأهيل عشرة (دوانكي) بالريف وتشييد سدين بسعة (600) الف متر مكعب من المياه وعشرة حفائر بسعة 20 الف متر مكعب. وبالغوص في اعماق كردفان بحثا عن الماء تقف الدراسات والمسوحات شاهدة على ان محافظة غبيش بغرب كردفان بها مخزون ضخم من المياه الجوفية يتمدد على مساحة واسعة ومعروفة هذه المنطقة بانتاجها من الفول السوداني وبثروتها الحيوانية التي يأتي على رأسها الضأن الحمري الذي ذاع صيته وعمت شهرته الآفاق. لكن رغم الامكانات الكامنة في المنطقة الا ان انسانها يقطع يوميا مسافة 36 كيلومترا لجلب الماء لاسرته ويزداد الامر فداحة حينما نقف على ان كل 522 نسمة يشتركون في بئر واحدة لشربهم وسقي حيواناتهم. يرتفع هذا العدد ليصل الى 10 آلاف في مدينة غبيش هؤلاء المواطنون وماشيتهم تزداد معاناتهم كلما تأخر موسم الامطار وتوغل الصيف الذي اخذت حرارته تلهب المكان الآن. ما اعد من دراسات لازمة لبرنامج اسعافي لمعالجة مشكلة المياه بالمنطقة عجزت قدرات المحافظة في مواجهتها لوحدها فكانت بتدخل الحكومة الاتحادية وابناء المحافظة والخيريين من ابناء المنطقة والسودانيين عامة داخل وخارج البلاد, وللتدليل على حجم المشكلة نشير الى ان البئر يشترك فيها عدد 5225 تبلغ تكلفتها 59 مليون جنيه بالتقريب .. رواسب الغبن التي فاحت في ربوع المنطقة جعلتهم مندهشين يملؤهم عند سماعهم ان مسئولا صرفت مئات الملايين في حفل وداعه كانت المنطقة احوج ما تكون لها ولكن هيهات لهم ذلك واليوم تشرئب اعناقهم الى خارج الحدود يحدوهم اليقين في ان كنزهم المدخر هم ابناؤهم المغتربون جاء يومهم ودورهم لانتشال المنطقة من وهدة العطش اقتناعا منهم ان ابناءهم بديار المهجر لم يغيبوا عند الملمات والمصائب ولا مصيبة اكبر من العطش وبالكاد فان من قدم دعمه او من جاءهم مستثمرا في هذا المجال هو سندهم ونصيرهم الاول. الخرطوم البيان