يبدو ما يجرى في اسلام اباد مألوفا الى حد لايتردد معه المراقبون في القول بأن ما يجرى يوشك ان يكون سمة من سمات الحياة السياسية الباكستانية, ذلك ان الباكستانيين الذين استبدبهم الاستياء مما حدث في مرحلة سابقة قد بادروا الى استقبال الحكومة الجديدة في بلادهم بالتصفيق والهتاف, ولكن السؤال الكبير هو: ماذا بعد . القادة الجدد يواجهون اليوم مشكلات البلاد عميقة الجذور, ومنها تراخي معدلات النمو والافتقار الى تماسك الداخلي وضعف المؤسسات. وعلى الرغم من مرور اربعة اشهر على تولي جنرال برويز مشرف مقاليد السلطة في اسلام اباد في تحرك سلمي من جانب المؤسسة العسكرية الا انه لايزال يتوجب عليه ان يظن انه قادر على الخروج من هذه الحلقة الجهنمية وفيما ينقضي الوقت مسرعا فان الآمال تظل معلقة على قدرته على اعادة الامور الى مجاريها في حياة امة يعد استقرارها حاسما بالنسبة للسلام الاقليمي والعالمي. ولاشك في ان جنرال مشرف قد بدأ بالسير في طريق مألوف, وفي الوقت الذي اتخذت العديد من الحكومات الاجنبية موقفا متشائما بدت باكستان سعيدة برؤية سلفه نواز شريف وهو يغادر الساحة السياسية اما الآن فقد تراجعت مخاوف المجتمع الدولي في الوقت الذي يستعد جنرال مشرف لحركة الانتقال بعيدة المدى. وفي الوقت الذي يبحث العالم الخارجي عن اسلوب للتعامل معه, فان تلك تبدو مسألة صعبة لان مستقبل باكستان يكتنفه الغموض. والامل معلق على ان جنرال مشرف سيبدأ بالتدريج في اعادة بناء صرح البلاد اقتصاديا وسياسيا, بحيث تعود مرة اخرى الى عهد الديمقراطية التعددية والسيناريو الكابوسى يمر بتصور تراجع باكستان وصولا الى الفوضى, فيما تستسلم المؤسسة العسكرية للفساد وتتمزق البلاد وسط احتدام الصراع بين الاحزاب الدينية والاقليمية. والمخاطر كبيرة لا لان باكستان التي لتسلحت حديثا بالاسلحة النووية تواجه الهند التي لاتفتقر الى الاسلحة ذاتها ولكن لان الكثيرين يعتقدون ان باكستان قد قدمت المساعدة لحركات متطرفة يمكن لمبادئها القائمة على العنف ان تغمر منطقة تمتد من الشرق الاوسط الى وسط اسيا وشبه القارة الهندية. ولايغيب عن احد القلق الذي يساور واشنطن, حيث يحرص المسئولون على تأكيد ضرورة محاربة باكستان للارهاب وارساء قواعد الديمقراطية والتعهد بالالتزام باتفاقية حظر انتشار الاسلحة. ويشعر بعض المحللين الامريكيين بالقلق من احتمال ان يسمح جنرال لبلاده بالوقوع في العزلة ويعلق باتريك كرونين من معهد ابحاث السلام الامريكي على هذا بقوله: (يخشى الهنود من ان جنرال مشرف قد يكون مشدود الى سياسة تقوم على نشر العنف. غير ان مثل هذا الحكم يبدو غير محتمل الانطباق على نجل الدبلوماسي المنتمي للكوادر الوسيطة, المعجب بمؤسسي تركيا الحديثة الليبرالية كمال اتاتورك وعلى الرغم ان صورة رب العائلة المعتدل, الذي ينتمي الى الطبقة المتوسطة, والذي يجب ان تلتقط له الصور وهو يحتضن كلابه الصغيرة لاتعتبر الا جزءا واحدا من القصة فان الجنرال مشرف رجل عسكري صعب المراس, وقائد سابق يتخذ دائما مواقف حاسمة فيما يتعلق بالعلاقة مع الهند, ومع انه غير متشدد الا ان المسئولين الهنود يعتقدون انه كان وراء الاحداث التي وقعت في كشمير والتي أفضت الى مواجهات كارجيل في العام الماضي. وبالنسبة لمنتقديه في باكستان نفسها فان جنرال مشرف لايزال يتعين علىه ان يبذل جهدا كبيرا في التحرك نحو الاصلاح, ويقول (عارف نظامي, رئيس تحرير صحيفة (الامة) , ان المطلوب هو ظهور رؤية متوسطة المدى وبعيدة المدى لباكستان وهذه هي المشكلة, واذا فشلت الحكومة في اصلاح الاقتصاد وفي ارساء قواعد حكومة جيدة وفي تحسين سياستنا الخارجية فان مواجهة باكستان لمزيد من المتاعب سيكون أمرا محتملا. اما غازي صلاح الدين, وهو احد كتاب الاعمدة المتميزين فيقول ان هذه المهمة ثقيلة, لان من الصعب حكم دولة مثل باكستان, وهناك تحلل كبير في المؤسسات, فيما تعلق تيريستا شافير, وهي سفيرة امريكية سابقة لدى باكستان تعمل حاليا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن. (لقد تراجع انتهاك القوانين الذي كان سائدا قبل مجيء جنرال مشرف الى السلطة. وقد عين جنرال مشرف في حكومته وزراء من ذوي الكفاءة العالية, ومنهم على سبيل المثال (شوكت عزيز, المدير التنفيذي في سيتي بنك, الذي يشغل الآن, منصب وزير المالية, وتسعى الحكومة الى توسيع وعاء تحصيل الضرائب والتعجيل بالخصخصة, وحل المشكلات العالقة مع منتجي القطاع الخاص, وهي المشكلات التي اثقلت كاهل حكومة شريف وضرب مشرف كذلك بيد من حديد على الفساد المستشري في قطاع البنوك وقام بتتبع المتورطين في قضايا القروض, ولكنه استثنى القوات المسلحة من القابلية للمحاسبة في الوقت الذي لم يتحرك بسرعة على صعيد الاصلاحات المالية. وهناك الكثير من الكلام الذي يفوق العمل في مجالات اخرى, فمع ان جنرال مشرف قد اثار ضجة حول محاربة الارهاب الا انه لم يقم بوضع حد لتصرفات المجموعات المسلحة, اضافة الى انه لم يطرأ اي تطور واضح على صعيد حظر انتشار الاسلحة النووية. وبدلا من ذلك اجرت الحكومة الجديدة اختبار لصاروخها قصير المدى من طراز (حتف 1) الذي تؤكد قدرته على حمل رؤوس نووية. ويقول ريتشارد هاس (من معهد بروكنجز) في واشنطن (لا توجد سلطة اكيدة في باكستان حتى بعد الانقلاب, وعلى جنرال مشرف ان ينحي جانبا بعضا من كبار ضباط الجيش مثل الجنرال (محمد عزيز) رئيس الاركان في المقر العسكري في راولبندي وجنرال محمد احمد رئيس وحدة المخابرات ذات النفوذ الواسع, كما يجب عليه ان يفرض على الجماعات المتشددة ضغوطا دستورية اكبر. وبفضل موسم الحصاد الجيد والزيادة في حجم صادرات المنسوجات فان هناك مؤشرات لحدوث انتعاش طفيف, الا الان صندوق النقد الدولي لم يعقد الى ان اي صفقة مع باكستان, اما المؤشرات الصادرة عن ادارة الرئيس الامريكي بل كلينتون فتدل على انها لن تعارض مثل هذه المساعدة بسبب الانقلاب ولكن يبدو ان اي برنامج سيكون عسيرا كما سيكون تطبيقه صعبا على الصعيد السياسي. وبالنسبة للسياسة فان ما ترغب الولايات المتحدة في رؤية جنرال مشرف يقوم به ليس بالضرورة جدولا صارما بل خارطة تدل على الطريقة التي سيعود من خلالها بالبلاد الى الديمقراطية, وقد وعد جنرال مشرف باجراء انتخابات محلية هذا العام وهو ما قد يكون بداية السعي نحو اعادة بناء النظام السياسي في باكستان. ومع ذلك فان الكثيرين يخشون من استخدامه لديمقراطية ذات اساس ضعيف لاخفاء القبضة القوية للمؤسسة العسكرية, وكان الاسلوب السابق للحكومات العسكرية هو التشبث بالسلطة منذ لحظة الوصول الى السلطة ثم التحول التدريجي نحو سياسة القمع المتزايدة. واذا ما نجح جنرال مشرف في الحفاظ على النظام واعادة تقديم مجتمع مدني وارساء قواعد ديمقراطية جديدة فانه سيكون قد عمل على ادخال تغيير غير عادي على هذا الاسلوب. وتعلق شافير على ذلك بالقول (ان العسكريين غير مريحين في التعامل معهم, ومشكلة الانتخابات هي انه لا يمكن الوثوق بها) . عن (فايننشيال تايمز) ترجمة: مريم جمعة فرج