يعتبر بسام ابو شريف منظر بواكير الاتصال الفلسطيني الاسرائيلي منذ بداية الثمانينيات .. وبعد بروز نجمه في ذلك الوقت, انكفأ واكتفى بصفة مستشار الرئيس عرفات .. لكنه بعد عقدين من الخيبات, ومن تعثر السلام لا يبدو ابو شريف نادما على ما قام به كمهندس للتطبيع, وفي هذا الحوار .. يلقي الضوء على طبيعة مأزق السلام الحالي .. ويحلل شخصية (ايهود باراك) ليستنتج انه ضابط خارق للعادة يحتاج الى مخ سياسي ويلقي بالمسئولية على الادارة الامريكية متفائلا بالوضع الاستثنائي الذي يعنيه الرئيس كلينتون ليخرج من البيت الابيض بطلا للسلام ولا ينسى ابو شريف ان يحمل بشدة على (انتفاضة اسواق الخضار) في اشارة الى (حماس) مهددا باندلاع الانتفاضة الثانية التي لن تدع المستوطنين يهنئون بالنوم ليلة واحدة. وفي ما يلي تفاصيل الحوار: * بداية لماذا فشلت جهود المبعوث الامريكي (دينس روس) في حلحلة المأزق الجديد الذي تردت فيه عملية السلام على المسار الفلسطيني؟ ـ شخصيا لم اكن اتوقع اي نجاح لاي مبعوث امريكي, سواء كان اسمه (روس) او سواه, لان المشكلة الحقيقية قائمة في العقلية التي تتعامل بها واشنطن مع اسرائيل, فهي تتعامل معها على طريقة طفلها المدلل وليس كحكومة رافضة للشرعية الدولية .. ولذلك فانني ارى انه ليس هناك اي فائدة من الرجوع الى طاولة المفاوضات مع الاسرائيليين ما لم يحصل تغيير في الاسلوب الذي تتعامل به الولايات المتحدة الامريكية مع اسرائىل, وبالتالي العودة على اساس واضح, يغلق جميع ابواب التنصل الاسرائيلي من مسئولية السلام العادل والشامل. * لكأنك تطلق دعوة لقطع المفاوضات مع اسرائيل .. فهل هذا تعبير عن قناعة جزء من السلطة الوطنية الفلسطينية على الاقل؟ ـ نحن لا ندعو لمقاطعة المفاوضات في المطلق .. بل نحن من دعاة التفاوض الجدي, وليس التفاوض كهدف في حد ذاته مثلما تريد اسرائىل, هي توهم العالم انه ليس هناك مشكلة .. ففي المأزق الاخير مثلا لا يمكن قبول ان تقرر اسرائيل وحدها خرائط الانسحاب من 6.1% من الاراضي المتفق عليها .. فالاتفاق الذي بينهما ينص على ان تتقرر خرائط الانسحاب من الطرفين .. وهو امر واضح لا لبس فيه. فنحن لا يمكن ان نقبل اي تلكؤ بشأن تطبيق الاتفاق الثالث .. اي عودة كل الاراضي المتفق عليها باستثناء القدس التي تم ترك ملفها لمفاوضات الوضع النهائي .. وباختصار فقد آن الاوان للرئيس الامريكي (بيل كلينتون) ان يتخذ موقفا حازما تجاه اسرائيل على كل المسارات بما في ذلك المسار السوري وضرورة عودة اسرائيل الى حدود الرابع من يونيو. * حسنا لقد درج العرب عند كل مأزق مع اسرائيل على الاستنجاد بالولايات المتحدة الامريكية .. في الوقت الذي يعلمون فيه جيدا, ان واشنطن تحابي اسرائيل .. اليس في الامر جري وراء السراب؟ ـ قد يبدو هذا صحيحا لكنني استطيع التأكيد لك بأن الولايات المتحدة الامريكية منزعجة جدا من المواقف الاسرائيلية الاخيرة وهناك كلام امريكي موجه الى اسرائيل لايتم الافصاح عنه. * وما هو محور هذا الكلام الامريكي الخفي؟ ـ ضرورة التزام اسرائيل جديا بمختلف اتفاقات السلام, فالولايات المتحدة الامريكية, وهي الحليفة لاسرائيل بدون شك لها مصالح وصداقات في منطقة الشرق الاوسط وهي تريد من اسرائيل الا تعرض هذه المصالح للخطر. * هل انت من الذين يعتقدون ان كلينتون وهو على باب الخروج من البيت الابيض .. قد يفعل شيئا دراماتيكيا في سلام الشرق الاوسط ؟ ـ لا ادري ان كان ما يجب على الرئيس كلينتون فعله هو شيء دراماتيكي لكنني ارى الامر كالتالي: الرئيس الامريكي يمر الآن بفترة نادرة في تاريخ السياسة الامريكية فهو متحرر من اي ضغط الآن لانه سوف لن يعيد ترشيح نفسه, وبالتالي فان ضغوط اليهود الامريكيين الانتخابية لا تهمه كثيرا .. الذي يهمه في تصوري هو ان يسجل له التاريخ نجاحه في اقامة السلام في الشرق الاوسط .. خصوصا على ضوء ما تخللت فترات ولايته الاخيرة من هزات. * وما هو الدور العربي في هذه المرحلة؟ ـ الدور العربي اراه مرتبطا بما اسلفت قوله .. اذ يجب على العرب استغلال هذا الظرف السياسي الاستثنائي في الولايات المتحدة الامريكية ومساعدة الرئيس كلينتون بكلمة عربية قوية وموحدة, تعطيه سلاحا فعالا يستخدمه في تحقيق طموحه, بأن يصبح (بطل السلام) .. والكلمة العربية الموحدة التي اقصدها هي التأكيد بأعلى صوت عربي على شعار (الارض مقابل السلام) . * لنتحدث قليلا عن رئيس الوزراء الاسرائيلي (ايهود باراك) فقد هلل له العرب عند مقدمه .. لكنهم الآن مصابون بالاحباط .. الا ترى في الامر سوء تقدير مزمن؟ ـ ربما كانت سيئات (بنيامين نتانياهو) الكثيرة وراء أمل كثير من العرب في (ايهود باراك) خصوصا وهو يأتي من حزب العمل نقيض (الليكود) التقليدي .. لكن دعنا من ذلك الآن .. ولنحاول تحليل شخصية (باراك) على ضوء ما اعلمه. فرئيس الوزراء الاسرائيلي عسكري يحمل اكبر عدد من الاوسمة في تاريخ الجيش الاسرائيلي, هو اسطورة بالنسبة لكثيرين .. اسطورة الضابط المثالي الذي نجح في كل العمليات الخاصة التي انيطت بعهدته لكن لماذا كان (باراك) ينجح في تلك العمليات؟ الجواب ببساطة انه كان يتمتع بكل الامكانيات التي توفر له النجاح . الجيش والاستخبارات والسياسة, كلها كانت تحت تصرف ذلك الضابط الناجح في مهماته الخاصة. الآن .. الوضع يختلف كثيرا . فباراك يخوض لاول مرة معركة دفاع, لا يجد نفسه فيها صاحب القرار الوحيد كما انه ليس الوحيد الذي يختار الزمان والمكان مثل ايام زمان في المهمات الخاصة .. ولذلك فهو يمشي على طريق جديد عليه, وتراه يخطىء في المسير كل يوم اكثر لانه لم يتعود على اسلوب العمل المطلوب في السياسة, والمختلف عن العمل العسكري. لكن اخطر ما في الامر, ان ايهود باراك بعقليته العسكرية لا يستشير حكومته ولا يعتمد عليها فأنا كمطلع عن كثب على سير السياسة الاسرائيلية استطيع القول بدون خشية الوقوع في الخطأ انه لا يعتمد الا على مجموعة من العسكريين (رفاق السلاح) وجميعهم يصح عليهم وصف (الصقور) وبالتالي فهم يأتون له بنصائح وباستشارات تضر بعملية السلام .. وبموقعه كرئيس للوزراء. * هل (باراك) اسوأ من (نتانياهو) ؟ ـ لا اعتقد ان هذا الكلام دقيق فنتانياهو معبء ضد السلام ايديولوجيا وهو يقف بوضوح مع مقولة اسرائيل الكبرى لكن باراك رجل يملك رأسا عسكريا يحتاج الى مخ سياسي وهنا يكمن دور الولايات المتحدة الامريكية. * اخيرا نطق (ديفيد ليفي) بتهديدات عنيفة ضد لبنان اين تضع هذه التهديدات في اطار ما يجري؟ ـ ينطبق على (ديفيد ليفي) المثل القائل (رايح على الحج, والناس راجعة!) فهذه الآراء ذات المضمون الفاشي والعنصري التي عبر عنها, تعكس عقلية متخلفة تنتمي الى (العالم الرابع) . وكما نعلم جميعا انه ظل (ليكودي) النزعة والاهواء. وانا انصح (باراك) ان يبادر بالتخلص منه في اسرع وقت ممكن خصوصا وهو لا ينتمي الى المجموعة التي يعتمد عليها رئيس الوزراء في حكمه .. بل انه بعد المقترحات الاخيرة, اصبح (ليفي) عبئا ثقيلا على السلام بمجمله واظهر انه ليس بقادر على شيء سوى اطلاق الصيحات التي توتر اجواء المنطقة. * تبدو على طريق (باراك) بعض الصعاب الاخرى خصوصا مواقف (الكنيست) ضد ارادته في بعض الاحيان هل هي لعبة تقسيم الادوار؟ ـ انا لا يهمني ما يجري في (الكنيست) فهو عديم القيمة بالنسبة لي كل الامر في تقديري مرتبط بالولايات المتحدة الامريكية التي يجب عليها ان تحشو رأس (باراك) بمخ سياسي. فقد اثبت الرجل انه يستحق وساما جديدا فوق كل اوسمته السابقة, وسام اسرع رجل في تكسير الزجاج .. فخلال سبعة اشهر فقط نجح (باراك) في كسر كل شيء حوله نتيجة لغياب المخ السياسي! * يعلم الجميع انك احد طلائع مهندسي الاتصال الفلسطيني الاسرائيلي .. الآن وبعد كل هذا الوقت, وكل هذه الخيبات هل انت نادم على ما فعلت في الثمانينيات عندما كنت تعقد اللقاءات بين الفلسطينيين والاسرائيليين سرا؟ ـ ابدا .. انا لست متشائما .. انا متفائل ومؤمن بمقولة (اشتدي ازمة تنفرجي) فلم تكن لدي اوهام منذ البداية حول صعوبة ما كنا مقدمين عليه .. فالهدف كان ولا يزال قيام دولتين متجاورتين ومتكافئتين في السيادة وفي الاستقلال .. وهي قناعة سوف تتحقق على الارض ذات يوم عندما يفعل الزمن فعله .. فالزمن كفيل بأن يخلص الاسرائيليين من اكوام العقد التاريخية التي تثقل ظهورهم وخطاهم نحو السلام, ثم اولا وآخرا .. ليس هناك خيار آخر سوى السلام في المنطقة . * عفوا هناك خيار آخر هو المقاومة المسلحة مثل تلك التي ستجبر اسرائيل قريبا جدا على الهرب بجلدها من جنوب لبنان؟ ـ حتى المقاومة المسلحة يظل هدفها السلام .. وانا معك في ان اسرائيل عودتنا على الا تقبل بالسلام الا عندما تشتد الضربات على رأسها. * لكن السلطة الفلسطينية قلمت اظافرها بنفسها وضربت فصائل المقاومة مثل (حماس) مثلا؟ ـ (حماس) لم تكن في اي من الاوقات مقاومة لاسرائيل .. ترى اين كانوا عندما كنا نحن نخوض الكفاح المسلح وندفع عشرات الآلاف من الشهداء؟ عندما قررنا نحن ان طبيعة المرحلة اصبحت تقتضي الصراع السياسي برزت (حماس) بعمليات تستهدف اسواق الخضار .. وحافلات المدنيين!. * حسنا .. هل تعتقد ان هناك انتفاضة جديدة على الابواب؟ ـ نعم انا مع عودة الانتفاضة اذا كانت الطريقة الوحيدة لوضع مخ سياسي في رأس اسرائيل .. بل سوف لن يكون امام الشارع الفلسطيني سوى العودة الى الانتفاضة اذا استمرت اسرائيل في وضع العقبات امام السلام .. وعندها تأكد ان مستوطنا واحدا لن يستطيع النوم ليلة بهدوء .. انا مع انتفاضة دفاع مدني مشروع, ومقاومة لجنود الاحتلال .. وليس انتفاضات اسواق الخضار, و (الباصات) المدنية! * وهل تملك السلطة الزر الذي تضغط عليه لاشعال انتفاضة اخرى؟ ـ نستطيع ان نفعلها على طريقتنا. الدوحة ـ فيصل البعطوط