أعترف أن الكتابة شئ صعب جدا.. ولكنها أحيانا تكون وسيلتي الأمينة في التعبير عما يجيش بداخلي.. وبالرغم من هذا فأنا لا أدري في هذه اللحظة بالذات إن كنت سأقدر على وصف مشاعري والإفصاح عن سعادتي بمسلسل (امرأة من زمن الحب) الذي قدمته منذ عامين وجسدت فيه شخصية سيدة جنوبية اسمها (وفية).. تلك السيدة النبيلة والعظيمة التي خرجت من رحم مصر والتي كان لها من معنى اسمها نصيب كبير ومن أخلاق الصعيد وقيمه تكونت شخصيتها الأخاذة. لعل التشابه والتقارب الشديدين بين شخصيتي الحقيقية وشخصية (وفية) من أهم الأسباب التي جعلتني أنجذب إليها بقوة.. لكن في حقيقة الأمر هناك سبب آخر أقوى دفعني بلا هوادة لاقتنص الدور الذي كتبه من أجلي المبدع الواعي أسامة أنور عكاشة.. وهو أن هذه السيدة تنتمي إلى زمن الحب.. زمن الأصالة والكرامة والكبرياء وثورة يوليو.. وأنا أ يضا انتمي إلى هذا الزمن حين كان كل شئ مختلفا.. المجتمع والناس والاهتمامات.. حتى في السينما كان المناخ مغايرا وكانت المنافسة شريفة في ظل مساندة الدولة.. ونجاح الآخرين كان يعني دافعا للتجويد لتحقيق نجاح مشابه أو أكبر. بدأت رحلتي الفنية وعشت هذا الزمن وأنا لدي طموحات لا حد لها.. طموحات في أن أكون ممثلة متميزة حتى استطعت أن أجد لي مكانا خاصا على خريطة السينما العربية. وطموحاتي لم تقف عند حدود التمثيل فقط ولكن عشقي للسينما جعلني اتجه أيضا للإنتاج.. وفعلا تحمست لانتاج بعض الأعمال حتى لو لم أشارك فيها بالتمثيل.. فكان الأهم بالنسبة لي هو تقديم العمل الذي افخر به كفنانة.. وهو ما سعيت إليه في أكثر من فيلم مثل (البرئ) مع المخرج الراحل عاطف الطيب.. وهو الفيلم الذي ناقش قضية سياسية خطيرة تتعلق بجنود الأمن المركزي.. وبقدر ما أثار جدلا اجتماعيا وسياسيا وفنيا كبيرا بقدر ما سعدت به وكنت سأندم إذا فاتتني فرصة إنتاجه.. وكذلك أنتجت فيلم (البحث عن سيد مرزوق) مع المخرج داود عبد السيد.. وكلها أعمال كما تعلمون لم أقم فيها بالتمثيل واكتفيت فقط بالإنتاج عن اقتناع تام وطيب خاطر.. وأظن أنها أيضا أعمال حفرت لها بصمة مميزة في تاريخ السينما المصرية. أعود إلى شخصية (وفية) في (امرأة من زمن الحب).. هذه السيدة الصعيدية التي كانت تعيش في محافظة المنيا بجنوب مصر.. وفوجئت ذات يوم بزيارة غير متوقعة من شقيقها الذي لا يعتاد زيارتها ويطلب منها أن تسافر إلى القاهرة لترعى أولاده الأربعة بعد أن توفيت زوجته وتركت ولداً وبنتين.. فقد تمت ترقيته إلى منصب كبير في إحدى المنظمات الدولية وهو مضطر للسفر مع زوجته الثانية.. وتوافق وفية على الانتقال لتعيش مع اولاد أخيها وتنتقل بكل ثقافتها وتراثها ومفاهيمها التي اكتسبتها من طبيعة الحياة الصعيدية.. إلى القاهرة بكل صخبها ومشاكلها واختلاف الحياة فيها.. وكان أول شيء تصطدم به يجعلها تسأل باستمرار هل هو زمن مختلف عن الواقع الذي تعيشه مع أولاد شقيقها حيث أن كل واحد منهم له حياته وأفكاره.. حيث نحج أسامة أنور عكاشة في أن يغوص في مشكلات التربية والأخلاق وصراع الأجيال.. وفي ظل كل ذلك تحاول (وفية) أن (تقوم) أولاد شقيقها وتنجح.. ولكنها تنشغل بمهمة أخرى عندما تعلم أن حفيدها اختطفه الإسرائيليون عندما قتلوا أمه الصحفية الفرنسية بدعوى أنها يهودية.. وتسافر وفية إلى بيروت للبحث عن حفيدها مع والده وهو ابنها الوحيد.. وعندما تفشل مساعيها تنقل صوتها إلى العالم تناشد مؤسسات حقوق الإنسان والعدل للسعي للإفراج عن حفيدها وتخليصه من براثن الصهاينة. والمثير فعلا أن 90% من شخصية (وفية) أجدها داخلي وحقيقة أنا مندهشة وحتى الآن مازلت أسأل نفسي.. كيف استطاع أسامة أنور عكاشة أن يكتب هذا الحوار البليغ وعندما كنت أقرأ السيناريو أقول لنفسي أنني مررت من قبل بكثير من هذه المواقف والمشاكل التي كتب عنها.. وأشعر أنني قلت هذا الكلام الذي يتضمنه الحوار قبل.. وشعرت أنني أتمتع بأخلاق (وفية).. لدرجة أنني قلت للمؤلف رغم أنها المرة الأولى التي أتعاون فيها فنيا معك.. لكنني أشعر كأنك تعرفني مسبقا وتعرف المواقف التي مررت بها. فـ »وفية« هي حكاية وطن بأكمله.. وطن يرفض الاستسلام للعدو أو لليأس من الخلاص منه.. والدليل على ذلك المقاومة اللبنانية في الجنوب.. والمقاومة الفلسطينية التي لن تهدأ أبدا .. والشارع المصري الذي لم يذعن أ بدا أو يخضع لمغريات التطبيع مع الصهاينة.. كل هذا وضعته (وفية) أمامها حين قررت ألا تستسلم لفكرة الخطف الإسرائيلي البشع لحفيدها الوحيد.. وأن تسعى بكل جهدها لاستعادته وكشف الأكاذيب والادعاءات الصهيونية.. ولم تصل (وفية) إلى هذا النضج في التفكير بين يوم وليلة وإنما كان هذا حصاد نشأتها الأصيلة على تراث هائل من القيم والمبادئ التي اكتسبتها في الجنوب المصري. وإذا كانت (وفية) أثبتت ذلك بشكل عملي في المسلسل فأنا أ يضا أثبته بمشاركتي في هذا المسلسل الذي أحيا عندي الحمية الوطنية.. فأنا مثل كل العرب والمصريين ارفض الاستعمار وأعرف وجهه الحقيقي المشوه والقبيح والذي يخفي وراءه العديد من الأقنعة المزيفة والملونة بدمائنا العربية وبشعارات وهمية لخداع الرأي العام العالمي.. كل هذا وضعته أمامي وأنا أصور المسلسل وخاصة ونحن نصور في الجنوب اللبناني تحت نيران المدافع والقصف الإسرائيلي المتوحش على أهالينا في الجنوب. لم نخش القصف أو دوي المدافع وانفجار القنابل بالعكس لقد منحنا ذلك قوة ودفعة أكبر للمقاومة ومواصلة التصوير.. ومنحني أنا شخصيا روحا أقوى ترفض الاستسلام مهما كانت المحاذير أو حتى حجم المغريات.