من المؤكد ان نتائج الانتخابات البرلمانية الايرانية في 18 فبراير 2000 تمثل علامة بارزة على طريق تطور النظام السياسي الايراني، حيث يمكن القول ان هذه الانتخابات الأخيرة مع انتخابات الرئاسة التي حملت محمد خاتمي إلى موقع الرئيس عام 1997 مرورا بانتخابات المحليات 1999 تؤكد معا عملية انتقال النظام السياسي الايراني من حالة الشرعية الثورية إلى الدستورية، ودون ان تعني الانتخابات الأخيرة الاستقرار النهائي لحالة الدولة ومقومات نظامها السياسي أو الاستقرار النهائي للخريطة السياسية والثقافية للنخبة الايرانية، فمن المؤكد انها خطوة حاسمة على طريق الانتقال نحو وضع النظام السياسي للدولة في المقدمة. شعارات جديدة فقد كانت مواقف المتنافسين من شتى القوى السياسية الايرانية في انتخابات 2000 تعبيرا عن تطور نوعي جديد في الشارع الايراني، وحرص المرشحين على خطاب سياسي جديد يرونه أكثر اقترابا من المزاج النفسي الجديد للجماهير الإيرانية، فارتفعت أعلام ايران وخرائطها، وتصدرت شعارات الأمن والرخاء والحرية مقدمة المسرح الانتخابي، وبعد ان كانت صيحات المعركة والثورة الاسلامية تملأ الفضاء السياسي لايران طوال أكثر من 20 سنة منذ ثورة الخميني الشعبية في 1979، كان جديدا وجادا ان يلجأ أكثر رجال الدين تشددا إلى نقل التركيز من الشعارات الدينية إلى الشعارات الوطنية والسياسية والاجتماعية، فنجد الدعاية الانتخابية لرابطة من النواب السابقين المعروفين باتجاههم المحافظ عبارة عن خريطة لإيران خطوطها ملونة بالأبيض والأحمر والأخضر، وهي عبارة عن ألوان علم ايران، أما الشعار المكتوب تحت هذه الخريطة فقد كان أكثر دلالة حيث يقول الشعار ان »المجلس القوي هو الذي يستجيب لرغبات الشعب«. وبعد ان كانت صيحة المعركة والثورة لرجال الدين وآيات الله ترتبط بالشريعة في الانتخابات والمناسبات السابقة، جاء شعار تحالف خط الامام الخميني والقائد المرشد آية الله علي خامئني »تفهم مشاكل الشعب وحلها«، كذلك جاءت جمعية رجال الدين المحافظين، التي تمثل أشد الجماعات الايرانية دعوة وتمسكا بالشريعة، بشعار »فهم مشاكل الشعب وحلها في المجلس السادس« ورفع حزب كوادر البناء شعار »الأمن والرخاء والحرية« ويرى المهتمون بالشأن الايراني ان حزب الكوادر اضاف كلمة »الحرية« لشعاره استشعارا للمزاج النفسي الجديد بعد مظاهرات الطلاب وثورة الصحف الجديدة والنساء في ايران، ومحاولة للالتحاق بركب الليبرالية الذي حمل الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي إلى السلطة في انتخابات 1997. ورفع حزب جبهة المشاركة القريب من خاتمي شعارا جديدا ذا دلالة في اطارات التطورات الايرانية الداخلية، فقد رفع شعار »ايران لجميع الايرانيين .. روحانية، عدالة، وحرية«. وهو شعار فضلا عن طابعه الوطني الديمقراطي يتضمن نقدا للمنظرين المحافظين الذين يقسمون الايرانيين إلى »أهل الداخل« المؤيد للنظام الإسلامي و »أهل الخارج« المتهمين بمعارضته، لكن حزب التحديث والتطوير كان شعاره بسيطا للغاية إلى درجة تلخيص الوضع الايراني الجديد، فقد كان الأبسط والأجرأ في مواجهة نظام أراد ان يقنن عادات الايرانيين ومظاهر عيشهم، فواجه ذلك بشعار »أريد ان أعيش«. واقع جديد وتعبر تلك الشعارات ذات السمات الوطنية والشعبية عن بروز واقع اقتصادي واجتماعي جديد في ايران يبدأ في التبلور في خريطة سياسية جديدة لم تكتمل ملامحها بعد. وتؤكد انتخابات 2000 بشعاراتها الجديدة والمشاركة الشعبية فيها على مستوى الاقتراع او على مستوى الترشيح، استمرار قوة الدفع التي ظهرت في ايران مع انتخابات الرئاسة في عام 1997. فقد تقدم ما يزيد على 32 مليون ناخب للادلاء باصواتهم في انتخابات 2000، وهي نسبة مشاركة كبيرة، كما تقدم للترشيح في هذه الانتخابات 6083 مرشحا للفوز بـ 290 مقعدا، وكان من بين هؤلاء المرشحين ولاول مرة 550 سيدة وهو رقم يمثل نقلة كيفية في طموح النساء للمشاركة النيابية في ايران منذ اندلاع الثورة الاسلامية عام 1979. وعلى قاعدة من واقع الازمة الاقتصادية وأزمة الانتقال السياسي من التشدد الديني الى الاصلاح السياسي يمكن تفهم فوز التيارات الاصلاحية في انتخابات 2000. وعلى هذه القاعدة المرتبطة بواقع الازمة الاقتصادية يمكن فهم الشعارات التي ربطت نفسها اكثر برغبات الشعب واحتياجاته المعيشية ويمكن فهم التحولات نحو تيارات الاصلاح في الريف الذي كان يقف عادة مع القوى المحافظة، وفي البازار حيث التجار وعائلاتهم كانوا يقفون تقليديا مع المتشددين وصاروا يبحثون عن انفراج للازمة الاقتصادية ويبحثون مع الطلاب والشباب والنساء عن جو من الحريات السياسية والحريات العامة. نوري نموذجا ويعطي الطبيب الجراح علي رضا نوري نموذجا لواقع الازمة السياسية والفكرية في النخبة السياسية ورغبة فئات عديدة في المجتمع والسلطة للخروج منها بخطوات اصلاحية فالطبيب الجراح الذي لم يسبق له خوض أية تجربة سياسية في ظل عمره الذي لايزيد على 36 عاما قرر مع اخيه حجة الاسلام عبدالله نوري وزير الداخلية السابق واحد رموز التيار الاصلاحي في ايران، خوض المعركة الانتخابية. وكان نوري الوزير قد اعلن عن برنامجه الانتخابي خلال محاكمته امام محكمة رجال الدين في نوفمبر 1999 بتهمة نشر آراء معادية للاسلام، وحكمت عليه المحكمة الدينية التي يحكم بها المحافظون المتشددون ضد الخصوم بالسجن 5 سنوات. واذا كانت المحكمة هي احدى وجوه الواقع السياسي الايراني فإن وجهة الاخر تمثل في تلقف الايرانيين لكتاب عبدالله نوري الذي ضمنه دفاعه ومرافعاته امام المحكمة، فوصلت مبيعات ذلك الكتاب الذي سماه »شوكران اصلاح« اي السم الناجع اكثر من 300 الف نسخة، وهو رقم ذو دلالة. كما رغبت اغلب قوائم الاتجاهات السياسية في ضم علي رضا نوري لقوائمها تعبيرا عن سريان جوانب من فكر اخيه في الشارع السياسي الايراني، وسعياً لتدعيم قوائمها به وبما يمثله من توجهات اصلاحية. ويلخص برنامج عبدالله نوري الذي حمل لواءه اخوه علي رضا المحاور الرئيسية الفكرية والسياسية لجدل التشدد والاصلاح في معركة انتخابات 2000 التي فاز الاصلاحيون بالنسبة الاكبر من حصتها، حيث يمثل المحور الاول عدم جواز تكفير المخالفة في الرأي، استنادا إلى الفقه الجعفري الشيعي الذي يحرم التكفير، وهو محور يسحب أشد الأسلحة فتكا من أيدي المحافظين المتشددين الذين يبرعون في استخدامه للحيلولة دون اي اصلاح أو انفتاح لا يرغبون فيه. ودعا نوري إلى التعامل نفسه مع خليفة الإمام ومع مسألة ولاية الفقيه واحترام وجهة نظر من يعارضها. أما المحور الثاني فكان ردا على الاتهام بالدعوة إلى الاعتراف باسرائيل والانفتاح والحوار مع أمريكا، مؤكدا ان احترام موقف أصحاب الشأن ممن اختاروا التسوية لا يعني الاعتراف باسرائيل، فإن الحوار مع أمريكا ليس بالضرورة تبعية لها، ويجب ان يطرح الكل رأيه ووجهة نظره في اطار احترام القوانين، لكن المحور الثالث في برنامج نوري الذي يعكس انتشار هذه الأفكار في الساحة الايرانية الجديدة، فهو الحريات العامة في ايران ، وحرية المعارضة، واعادة الاعتبار لشخصيات لعبت دورا مهما في تاريخ ايران، مثل محمد مصدق بطل تأميم النفط الايراني عام 1951 ومهدي بازرجان أول رئيس حكومة بعد الثورة الاسلامية عام 1979. وأشار علي رضا نوري الذي فاز فوزا ساحقا ان المواقف التي عبر عنها شقيقه في محاكمته أثارت قضايا شديدة الحساسية في ايران، وان تجاهلها لا يعني انها انتهت، ورأى ان المعركة الانتخابية 2000 دارت أساسا حول تلك القضايا، وان الشعب الذي قال نعم للرئيس خاتمي 1997 يقول نعم للاصلاحيين لتطبيق تلك السياسات. الخريطة السياسية لكن يظل الواقع السياسي الجديد لايران اكثر سيولة وأكثر تعقيدا من تعبيرات اليسار واليمين، والاصلاحيين والمحافظين وغيرها من التعبيرات التي تعكس وجود قوى سياسية محددة المعالم. فالقوى السياسية الراهنة في ايران تعيش واقع الانتقال من حالة الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية من حالة الشعارات والمثاليات إلى حالة الاقتراب من الواقع المحلي ومشاكله، والواقع الدولي وتعقيدات علاقاته. وفي ظل هذا الوضع تتداخل القوى، وتنتقل شرائحها من التشدد إلى المرونة، ومن المحافظة إلى الاصلاح. وتشترك القوائم بعناصر ممن يطلق عليهم المحافظين وعناصر أخرى معروفة باتجاهاتها الاصلاحية. وفي الانتخابات الأخيرة ظهرت قائمة موحدة تمثل المحافظين باسم ائتلاف »أتباع الإمام الخميني والقائد آية الله علي خامئني« ودعم هذه القائمة مجمع العلماء المجاهدين وجمعية المؤتلفة الاسلامية، أما التيار الاصلاحي فكان له أربع قوائم هي كوادر البناء وأحزاب العمل الاسلامي وجمعية نساء الجمهورية وجمعية المحققين الاسلاميين كما شارك محمد رضا خاتمي شقيق الرئيس في الانتخابات بترأسه لقائمة باسم »جبهة المشاركة«. وتعبر هذه الخريطة عن حركة داخل النخبة السياسية الايرانية باتجاه الاعتدال والمعارضة من داخل النظام الاسلامي، ولذلك لا يعني نجاح الاصلاحيين الحالي رغم أهميته تغييرا جذريا أو انقلابا في ايران، بل يعني وهذا مهم ان مؤسسة الرئاسة يتولاها الاصلاحيون وقد أضيف إليها البرلمان وهذا هو الجديد، لكن لابد ان نعرف ان هناك الجيش وقوات الأمن والقضاء، والثلاثة يتبعون سلطة مرشد الثورة. لذلك يمكن النظر إلى ان الانتخابات الجديدة قد أحدثت تحولا نسبيا في موازين القوى داخل المجتمع الايراني. فهل يدفع هذا التحول النسبي باتجاه دعم الاتجاهات الاصلاحية للرئيس خاتمي فتشهد ايران مرحلة جديدة من الحريات العامة في الداخل، وتحسن في العلاقات الاقليمية والدولية في الخارج؟ هذه التساؤلات ستجيب عليها الأيام المقبلة.