جاءت نتائج الانتخابات التشريعية الايرانية التي جرت مؤخرا لتؤكد انه لاعودة عن البرنامج الاصلاحي الذي بدأه الرئيس محمد خاتمي منذ توليه السلطة عام 1997، فقد حصل الاصلاحيون الذين يؤيدون »النهج الخاتمي« على اغلبية المقاعد في الجولة الاولى من الانتخابات التي جرت في جو من النزاهة والديمقراطية بشهادة كل المراقبين الذين تابعوا هذه الانتخابات حصل الاصلاحيون على 141 مقعدا مقابل 44 للمحافظين و10 للمستقلين، على ان تتم الاعادة على الـ 65 مقعدا الباقية، والملاحظ انه ومنذ ظهور نتيجة الانتخابات وهناك حديث لا ينقطع حول هذه الانتخابات ومدى التأثير الذي يمكن ان تحدثه في الفترة المقبلة سواء على المستوى الايراني الداخلي او الخارجي.. »الملف« التقى الخبير الاستراتيجي اللواء صلاح الديم سليم والدكتور محمد السعيد ادريس الخبير الاستراتيجي بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ونائب رئيس تحرير مجلة الاهرام العربي القاهرية لالقاء الضوء والحديث عن امكانية ان تفضي الانتخابات الى انفراج دبلوماسي بين طهران وواشنطن وبعض العواصم الغربية الاخرى، وحول طموح الايرانيين للتغيير، وهل تعد الانتخابات التشريعية استفتاء على السياسة الليبرالية للرئيس خاتمي؟ والعلاقة مع دول الجوار اين موقعها في الاستراتيجية الايرانية في المرحلة المقبلة؟ وحول الانتخابات الايرانية وهل تعد محطة لتحديد التوجهات العامة للسياسة الداخلية والخارجية مستقبلا؟ تجربة فريدة ورائدة في البداية يرى الخبير الاستراتيجي اللواء صلاح الدين سليم ان نتائج الانتخابات التشريعية الايرانية جاءت لتؤكد تفوق وانتصار الاصلاحيين حيث حصلوا على غالبية مقاعد مجلس الشورى الايراني، من خلال انتخابات نزيهة تعد افضل الانتخابات التي جرت في تاريخ ايران، كما تعد تجربة فريدة ورائدة وغير مسبوقة على مستوى دول الشرق الاوسط، لقد استطاعت جبهة المشاركة الاسلامية برئاسة محمد رضا خاتمي شقيق رئيس الجمهورية الايراني محمد خاتمي ان تحظى بهذا النجاح لانها اجادت اختيار مرشيحها وركزت على النخبة المثقفة ورجال الدين المعتدلين والمهنيين ورجال الحرس الثوري وبعض مجاهدي الثورة، كما لوحظ ان قائمة الناجحين قد شملت ايضا بعض المستقلين وعناصر حزب اليسار وهو حزب العمل الاسلامي، كما حصلت المرأة على عدد من المقاعد يقل قليلا عن الانتخابات السابقة. ويعتقد اللواء صلاح الدين سليم ان هذا النجاح الذي حققه الاصلاحيون في الانتخابات الايرانية الاخيرة يعود الى مجموعة من العوامل اولها: رغبة غالبية الشعب الايراني في حل مشكلة ازدواجية القيادة الفقهية والسياسية وهو الامرالذي وجدناه في صورة اقل وضوحا في القرارات الاخيرة في دولة السودان الشقيق في ديسمبر الماضي، ايران لديها مشكلة تتمثل في وجود هذه الازدواجية ولذلك هناك رغبة مستمرة من جانب الشعب الايراني للتغيير والاصلاح وحل هذه الازدواجية، ثانيها: لم يستطع المحافظون ان يحققوا للشعب الايراني وخلال ثمانية عشر عاما فترة توليهم السلطة ما كانوا يعدون به من اصلاحات ومازالت المشكلة الاقتصادية حادة والشعب الايراني يميل بطبعه الى ان يشعر بتحسن ورفاهية في مستوى معيشته وهو مالم يتحقق على يد الاصلاحيين، وثالثها: ان موقع ايران وتراثها في مجال التجارة ووجودها كمعبر للتبادل التجاري يجعل غالبية الشعب الايراني ميالا الى دمج السوق الايراني في السوق العالمية والانفتاح الاقتصادي على الغرب وحتى مع الولايات المتحدة فان ايران تميل حاليا الى تحسين العلاقات الاقتصادية مع واشنطن بغض النظر عن الخلافات السياسية والامنية بينهما ورابع هذه العوامل هو رغبة المثقفين في ايران وقطاعات كبيرة من الصفوة الدينية والسياسية في القضاء على حالة العزلة السياسية التي تعاني منها ايران والانفتاح السياسي والاقتصادي على اوروبا والشرق الاقصى وجنوب شرق اسيا، اما العامل الاخير فهو الدور الرئيسي الذي قام به الرئيس خاتمي في الاتجاه بالعلاقات العربية الايرانية نحو التحسن وبخاصة في خفض درجة التوتر مع دول الخليج العربية وتنشيط العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية عموما والتوجه الايراني الحالي لتوثيق علاقات طهران بكل من السعودية وسوريا ومصر ومحاولة ابداء قدر نسبي من المرونة في مسألة جزر الامارات العربية المحتلة في الخليج العربي. تحول متدرج وحول تأثير حصول الاصلاحيين على الاغلبية في الانتخابات الايرانية التشريعية على التوجهات العامة للسياسة الداخلية والخارجية في المرحلة المقبلة يقول اللواء صلاح الدين سليم: من المتوقع الا يحدث انقلاب في التوجهات الايرانية خلال المرحلة المقبلة ولكن الذي سيحدث هو تحول متدرج بدأ على يد الرئيس خاتمي منذ بداية الجمهورية الثانية عام 1997، ولكن معدله سيكون اسرع في مجال الاصلاح الاقتصادي واولويات اقتصاد السوق وتنشيط العلاقات الاقتصادية بدول الشرق الاوسط ودول منطقة بحر قزوين واسيا الوسطى الاسلامية بالدرجة الاولى، وبالنسبة لمشكلة السلام في الشرق الاوسط فان ايران لن تعارض التوجهات العربية على المسارات الثنائية ولكن خاتمي واضح في اعلانه استعداد ايران لدعم المقاومة في جنوب لبنان او فلسطين المحتلة اذا سمحت السلطة الفلسطينية لحماس او الجهاد بأن تمارسا دورهما في مقاومة المحتل، وتصر ايران على ان القدس مسألة تهم العالمين العربي والاسلامي ولذلك فهي ترفض تدويلها او تقسيمها وتصر على الطابع القومي لها و على الطابع الاسلامي لمقدساتها وهو موقف ينبغي ان يحسن العرب استثماره، وبالنسبة للجانب الامني فانه من المتوقع خلال الفترة المقبلة ان تستمر ايران في استكمال محطات القوى النووية بالتعاون مع روسيا والصين وذلك بهدف اكتساب خبرات التكنولوجيا النووية وتطوير انتاج الكهرباء وتحلية المياه في ايران، كما ان برنامج الصواريخ الايرانية وتطوير الانتاج الحربي للدبابات وعربات القتال المدرعة ستكون ضمن اسس السياسة العسكرية لايران على الاقل حتى انتخابات الرئاسة المقبلة 2001 والتي من المرجح ان يفوز بها الرئيس خاتمي مرة اخرى. وفيما يتعلق بالانتخابات التشريعية وهل تعد استفتاء على السياسة الليبرالية للرئيس خاتمي يوضح اللواء صلاح الدين سليم انه بلا شك تمثل هذه الانتخابات قبولا شعبيا ايرانيا لمسار السياسة المعتدلة الاصلاحية للرئيس خاتمي ولا شك انه اصبح الان رجل ايران القوي فقد استطاع ان يستقطب بعض الشخصيات الايرانية الرئيسية كأخيه ومحسن رضائي القائد السابق للحرس الثوري، ومهدي كروبي الرئيس السابق لمجلس الشورى، وبهذار بنوي رئيس حزب مجاهدي الثورة، الى جانب تنامي شعبيته بين قطاعات العمال وهي ظاهرة ملحوظة في العاملين الاخيرين، ومما يعزز نجاح السياسة الليبرالية للرئيس خاتمي ايضا قيام علي خامنئي مرشد الثورة بابداء مرونة اكبر ازاء خطوات خاتمي في المجالين الداخلي والخارجي. ظاهرة ملموسة ويرجح اللواء صلاح الدين سليم ان يكون التقارب بين طهران وعواصم غربية عديدة ظاهرة ملموسة خلال العام الحالي يدعم ذلك نتائج الانتخابات الاخيرة واستمرار رضا الشعب عن النهج الذي يتبعه الرئيس خاتمي، اما بالنسبة لواشنطن فالمتوقع خلال الفترة المقبلة ان يحدث التحسن في العلاقات الاقتصادية بين البلدين واستئناف الاستثمارات الامريكية في ايران وتخفيف القيود على الارصدة المجمدة منذ اكثر من 20 عاما في الولايات المتحدة، ولكن فيما يختص بالعلاقات السياسية والدبلوماسية والامنية فلن تشهد تحسنا في القريب العاجل ذلك ان الولايات المتحدة تربط بين ايران والعراق واستراتيجية الاحتواء المزدوج لهما وللوجود العسكري الامريكي في المنطقة ومشكلة السلام في الشرق الاوسط وضعف فاعلية الجامعة العربية وتطور العلاقات العربية الايرانية في »حزمة« واحدة ولن تحسم الولايات المتحدة توجهها السياسي نحو ايران قبل ان تنتهي الانتخابات الامريكية،وتتضح نتائج المفاوضات العربية الاسرائيلية وتتم اعادة تقييم للوضع في العراق والمراقبة على اسلحته ووزن المعارضة العراقية.. المسألة مبكرة تماما في المجال السياسي والامني ولن يحدث أي تحسن في العلاقات الايرانية الامريكية فيها في القريب العاجل، ان خاتمي ذكي بطبعه وسوف يمضي بغير معارضة لها وزن في المجال الاقتصادي وكذا الاجتماعي، اما في المجال السياسي فانه سوف يحترم وجهات نظر المحافظين تجنبا مع مرشد الثورة او القيادات الدينية وبما يخدم سياسته امام الرأي العام ولن يعطي خاتمي للولايات المتحدة اية تنازلات في قضية امن الخليج او بالنسبة للقدس او بالنسبة للموقف من الولايات المتحدة على الاقل خلال العامين المقبلين، حتى يستطيع ان يحكم سيطرته على الداخل ويجتاز انتخابات الرئاسة الايرانية في مايو 2001 بالنجاح الذي ينشده. مزيد من الثقة من جانبه يشير الدكتور محمد السعيد ادريس الخبير الاستراتيجي بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ونائب رئيس تحرير مجلة الاهرام العربي القاهرية الى ان نتائج الانتخابات الايرانية تعد استفتاء على السياسة الليبرالية للرئيس خاتمي بمعنى انها جاءت لتؤكد مزيداً من الثقة في برنامجه ومزيداً من المطالبة والتشجيع له بأن يعمل على تحقيق خطوات اكثر جرأة، وفي نفس الوقت رسالة للتيار المحافظ لكي يحافظ على الجمهورية الاسلامية ينبغي عليه ان يدرك ان نجاح تجربة الجمهورية الاسلامية او بقائها يتوقف على امرين الاول مدى قدرة رموز وأركان هذه الجمهورية من مؤسسات وافراد على الدفاع عن الاسس التي قامت عليها هذه الجمهورية، والثاني: مدى قدرة المؤسسات والافراد على التكيف مع مطالب التغيير وادراك ان الجمود يهدد الجمهورية الاسلامية كما يهددها الانفتاح غير المحسوب.. وفي نفس الوقت جاءت نتائج الانتخابات لتشير الى ان الشارع الايراني يسبق خطوات الرئيس خاتمي ويريد مزيدا من التحول وجذرية التغيير في النهج السياسي والايراني، لقد كانت الانتخابات الرئاسية الايرانية عام 97 مفاجأة بكل المقاييس عكست توجهات الشارع الايراني الذي صوت اكثر من 75% منه لصالح خاتمي كرئيس امام منافس قوي تدعمه الدول بكل مؤسساتها، هذه النسبة الكبيرة التي اختارت خاتمي كانت من قطاع الشباب والمرأة والمثقفين، وهؤلاء هم الاغلبية الان بحكم عامل السن، هذه الاغلبية كانت تريد تغييرا جذريا ولكن خاتمي كان يدرك اهمية اتخاذ خطوات تغيير ملموسة وبحيث لا تصل الى حد الانقلاب لأنه يعرف جيدا خطورة ذلك، وخاصة في ظل وجود مؤسسات الدولة في ايدي المحافظين، خاتمي كان يدرك ان دعوة »الخاتمية« كدعوة اصلاحية ينبغي ان تكون ذات طابع ديني وتأتي من خلال المدرسة الخومينية الاسلامية، مع العمل في نفس الوقت على تطوير نهج هذه المدرسة وبما يجعلها اكثر تكيفا مع مطالب القوى الشعبية وذلك يعكس ما تريده القوى المعادية جذريا للجمهورية الاسلامية والخارجة عن الشرعية مثل بقايا الليبراليين غير المعترفين بتجربة الثورة الاسلامية فهؤلاء يهمهم ان يكون التغيير من خارج النظام الاسلامي. أسس وقيم جديدة وعن امكانية ان تحدث نتائج الانتخابات تحسن وانفراجة في العلاقات الدبلوماسية بين طهران والغرب عموما، وطهران وواشنطن بصفة خاصة يقول الدكتور محمد السعيد ادريس: لابد ان ننظر الى العلاقات بين الغرب وايران من منظومة القواعد التي تحكم العلاقات الدولية، فالولايات المتحدة على سبيل المثال لا تبني علاقاتها مع الدول من ناحية توجهها السياسي بدليل انها وقفت في الماضي وحاليا ضد نظم تمارس اعتى انواع الارهاب مثل النظم الفاشية في أمريكا اللاتينية واسيا وافريقيا، وفي الوقت نفسه تقف مع اسرائيل التي لا تمارس فقط التسلط والارهاب ولكنها تقوم بخلع شعب كامل من أرضه ووطنه ولا تعترف له بحق العودة، الولايات المتحدة تقف متفرجة على الجرائم التي ترتكبها روسيا ضد الشيشان، ان ما يحكم علاقات الولايات المتحدة هو مصالحها والثوابت التي تخدم هذه المصالح وتدعمها، وعموما فان عداء الولايات المتحدة لايران يرجع لعدة عوامل منها ان الثورة اسقطت اهم عملاء المنطقة في اعقاب الانسحاب البريطاني من الخليج العربي فقد اعتمدت الولايات المتحدة وقتها على ركيزتين عسكرية وسياسية، لقد ارادت الولايات المتحدة ان يقوم الشاه بدور الشرطي الامريكي في الخليج للحفاظ على مصالحها ولكن بعد سقوطه لم تخسر الولايات المتحدة رجلها الاول فقط في المنطقة، بل جاء نظام مناوئ لها وللدول الصديقة في المنطقة ويدعو لاقامة نظام على اسس وقيم جديدة غير تلك التي تدعو اليها امريكا، وبالتالي تم اجهاض مطامح الولايات المتحدة في الخليج وخسرت قوى داعمة للنظم في المنطقة وبدأت تناصبها العداء ولاسرائيل في نفس الوقت لدرجة انها حولت السفارة الاسرائيلية في طهران الى سفارة لدولة فلسطين، هذا النظام الجديد الذي جاء في ايران انتهج سياسة عدم الانحياز ورفض ان يكون تابعا للولايات المتحدة وراحت تدعم القوى المستضعفة، هذا الدور الذي قامت به ايران وضعها في موقف عدائي كامل امام الولايات المتحدة. مناهضة المصالح الامريكية ومن هنا يضيف الدكتور محمد السعيد ادريس، فان حدوث اي تقارب او انفراج دبلوماسي بين طهران وواشنطن يتطلب اولا ان تعترف بخصوصيته في الوجود العسكري الامريكي بالمنطقة وان تتوقف ايران عن مناهضة المصالح الامريكية في المنطقة، وعن سعيها لأن تكون قوة عسكرية اقليمية بل وان تكون قوة داعمة للمصالح والنفوذ الامريكي بالمنطقة والشرق الاوسط، وبدون ذلك ستظل امريكا تناصب ايران العداء طالما لا تعترف بعلاقات مميزة مع اسرائيل، وطالما ترفض التسوية السلمية الحالية وترفع شعار الجهاد لتحرير القدس.. ولكن النهج غير العدائي الذي يلتزم به الرئيس الايراني محمد خاتمي يضع الولايات المتحدة في مأزق لأن هناك قوى ضاغطة تتمثل في مصالح الشركات العملاقة التي تريد ان يكون لها تواجد داخل ايران، هناك ضغوط ترى ان التطورات الحالية يجب ان تدفع الولايات المتحدة الى بعض التقارب مع ايران لأنها قوة كبيرة في المنطقة ولها مكانتها، وفي النهاية يرى الدكتور ادريس ان ايران توقفت منذ فترة عن سياسة تصدير الثورة التي كانت تحرص عليها في بداية الفترة الخومينية، وان الرئيس خاتمي يعمل حاليا على تحسين علاقات ايران ببعض الدول في المنطقة مثل مصر والدول الخليجية، وانه سيزيد من ذلك خلال الفترة المقبلة استجابة للضغوط الداخلية التي ترى بضرورة وجود مزيد من التقارب مع الدول العربية وخصوصا الدول الخليجية.