في حوار كنت قد اجريته في نوفمبر 1999 مع زبيغينو بريجنسكي مستشار الامن القومي في عهد الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر قال بريجنسكي »أنه يصعب التنبؤ بمستقبل ايران بسبب طبيعة التقييم غير الواضح للنظام السياسي الحاكم في طهران وعدم القدرة على التنبؤ بنوايا الايرانيين او فهمها.. بريجنسكي يعتبر ان كل ما يجري في ايران حاليا من متغيرات دراماتيكية ترجح كفة الاصلاحيين في ادارة شئون الحكم في ايران، لا يكفي للقول بان ايران تودع مرحلة الثورة لكي تدخل الى مرحلة الدولة عبر صناديق الانتخابات، وبريجنسكي واحد من اهم العقول التي حكمت امريكا ولا تزال تلعب دورا خلف الستار حتى الآن في التخطيط للسياسة الخارجية الامريكية وبذل جهدا ووقتا استثنائيين في محاولة فهم طبيعة الثورة الايرانية والتحولات التي طرأت عليها والمراحل التي مرت بها، لذلك لابد من وقفة متأنية في قراءة نتائج الانتخابات التشريعية الايرانية التي جرت مؤخرا واسفرت عن فوز ساحق للتيار الاصلاحي الذي يقوده جيل الشباب بزعامة الرئيس الايراني محمد خاتمي وشقيقه الاصغر محمد رضا خاتمي الفائز الاكبر في الانتخابات التشريعية، هذا الفوز الكاسح الذي حققه الاصلاحيون في ايران بات يستوقف العديد من دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي وموسكو وبكين وطوكيو وغيرها من العواصم المهتمة بالشأن الايراني في محاولة لمعرفة ما اذا كانت ايران قد ودعت بهذه النتائج الانتخابية المفاجئة مرحلة الثورة شعبيا وربما رسميا في مرحلة لاحقة، ام ان ايران ستظل محافظة ومتمسكة بتراث الثورة الاسلامية التي قادها الامام الراحل اية الله الخميني من منفاه الباريسي عام 1977 ليسقط نظام الحكم الامبراطوري الشاهنشاهي الذي حكم ايران لاكثر من 25 عاما متتالية؟ التساؤلات مشروعة ومشرعة نحو الافق الايراني الواسع في آن واحد على اعتبار ان زعماء التيار الاصلاحي الذين سيطروا على البرلمان والحكومة سيواصلون مسعاهم الخطر نحو استعادة زمام صناعة القرار. ولكننا نرى ان بريجنسكي يقول عبر مكالمة هاتفية من واشنطن »يجب ان نتريث قليلا قبل الحكم على النتائج، لانني كما سبق وان قلت لكم إنه من الصعب التنبؤ بنوايا الايرانيين حتى لو كانوا جميعهم من الاصلاحيين«. ويقصد بريجنسكي بهذه الكلمات ان المؤسسة الدينية التي يقودها الامام اية الله علي خامنئي لا تزال تمثل السلطة العليا في ايران ومرجعيتها الاولى هي مؤسسة حماية الدستور واداتها الجيش والمجلس الاعلى للامن القومي وهذه المؤسسات التي تحكم ايران تتبع للامام خامنئي مباشرة وهو في الوقت نفسه يجسد القوة الروحية التي خلفها الامام الراحل الخميني. ولذلك فان هناك مخاوف من احتمال صوت تصادم او اشتباك سياسي بين مطامح ومصالح الاصلاحيين وبين تشبث المحافظين بمواقفهم القديمة بحجة حفاظهم على مبادىء الثورة. فالاصلاحيون الذين اكتسحوا البرلمان الايراني عبر الانتخابات الشعبية المباشرة ما كانوا يصلون الى هذه المرحلة لولا مساندة الاغلبية في الشارع الايراني لشعاراتهم السياسية وهذا دليل واضح على رغبة الشعب الايراني عموما في الولوج في مجتمع الدولة، المجتمع المدني الذي يكفل لهم الحريات العامة والحقوق في موجب قوانين وتشريعات ومؤسسات دستورية بعيدة عن هيمنة الافراد. ان مرور اكثر من عقدين على انتصار الثورة الايرانية كاف للتحول نحو المجتمع المدني والتمتع بمزاياه في ظل دولة ديمقراطية تحترم حقوق الانسان وتقدس الحريات الفردية، ولذلك يجمع الخبراء على ان الشعب الايراني الذي بدا طيلة فترة حكم الثورة ذا نزعة راديكالية محافظة انما هو في الاصل شعب يميل الى الحرية الفردية في اطار الدولة الاسلامية، ويقولون انه من غير الممكن ان تظل الثورة الايرانية تمارس لعبة الحكم والدين والسياسة الى مالا نهاية فالنظام الشاهنشاهي انتهى الى الابد والشعب بحاجة الى الحرية، لان الاسلام لم يحظر حقوق الانسان بل دعا وامر بتوقيرها واحترامها باعتبار ان الله سبحانه وتعالى كرم الانسان وجعله في المرتبة الاولى بين سائر المخلوقات. مطالب وطموحات ان نجاح الاصلاحيين في الانتخابات التشريعية الايرانية سوف يقود الى اضفاء تغييرات جذرية في السياسة الخارجية والداخلية في ايران فعلى الصعيد الخارجي سيبدأون بما يلي: 1) تمهيد الطريق لفتح حوار مباشر مع الولايات المتحدة الامريكية لان الاصلاحيين يعتبرون ان القطيعة مع واشنطن لا تخدم مستقبل ايران السياسي والاقتصادي والاجتماعي لان قادة الطلبة الايرانيين ومنهم وزير الداخلية الايراني السابق عبدالله نوري الذين احتلوا السفارة الامريكية في طهران قبل 20 عاما هم الذين يقودون الآن خط الانفتاح على واشنطن ويعتبرون ان السنوات الماضية اثرت سلبا على ايران وليس على الولايات المتحدة. 2) تعديل مسار العلاقات الايرانية العربية ومد يد المصالحة للدول العربية الجارة لايران بهدف التطبيع وصياغة جديدة لعلاقات حسن الجوار وانهاء مرحلة التوتر التي سادت خلال المرحلة الماضية. 3) كسب ود الغرب عموما في محاولة لاجتذاب الاستثمارات الغربية وانهاء حالة العداء التي حكمت العلاقات بين ايران والغرب طيلة السنوات العشرين الماضية. أما على الصعيد الداخلي فان الاصلاحيين سيلجأون لتطبيق العديد من الوعود الانتخابية ومنها: 1) اطلاق الحريات العامة في حدود الدستور شريطة ألا تتجاوز هذه الحريات الحدود الاسلامية والدينية التي رسختها الثورة مثل الحجاب ومحاربة الفساد الاخلاقي بكافة درجاته. 2) اطلاق حرية الاعلام والنقد لبناء مجتمع مدني ديمقراطي بعيد عن الشمولية الدينية والنزعة الفردية. 3) توفير الامن الاقتصادي للجميع بهدف التغلب على مشكلات الفقر والبطالة وتراجع الاداء الاقتصادي وتوفير مظلة قانونية للاستثمارات الخاصة المحلية والاجنبية وتشجيع الانفتاح الاقتصادي على العالم الخارجي. كل هذه المتغيرات ينظر اليها المراقبون بشغف وترقب وتفاؤل مشوب بالحذر، لان الاصلاحيين لن يتوقفوا عند حدود معينة وسيواصلون تحقيق طموحاتهم وتنفيذ وعودهم الانتخابية بغض النظر عما سيفعله او يقوله قادة الجناح الراديكالي، ولكن ماذا سيكون موقف اية الله علي خامنئي الزعيم الروحي الاعلى في ايران والذي له الكلمة النهائية في كل الامور الداخلية والخارجية بدءا من الامن والسياسة والاقتصاد والاعلام وانتهاء بلون الحجاب والشادورالذي ترتديه نساء ايران.