عكس فوز جبهة الاصلاح في الانتخابات الايرانية رغبة حقيقية للشعب في دعم مرحلة التحول السياسي التي بدأت منذ تولى خاتمي السلطة عام 97 والانتقال من وصاية الثورة وحكم المتشددين، والتي اصبح الشعب الايراني يرى انها احد اسباب تفاقم المشاكل سواء الداخلية او الخلافات مع دول الجوار او الدول الغربية وعلى الرغم من أن الشعب الايراني وكذلك المجتمع الدولي يعلق على نجاح جبهة الاصلاح آمالا كبيرة، إلا ان ازدواجية النظام السياسي والقوة التي لا يزال يتمتع بها الروحانيون تقف عائقا بين انطلاق الاصلاحيين وطموحات الشباب، فإلى اي مدى يمكن ان يحقق الاصلاحيون نجاحات في ايران؟ وما هو مستقبل علاقة ايران في ضوء هذه التحولات السياسية مع العالم الخارجي. لإلقاء الضوء على مستقبل ايران في ظل نتائج الانتخابات وافرازاتها السياسية في المرحلة المقبلة وتأثير ذلك على دول الجوار والعلاقات الخارجية حاور »الملف السياسي« في هولندا بيرنارد هاي بور سكرتير منظمة حوار الثقافات الشرقية ــ الاوروبية. تاليا نص الحوار: * بماذا تميزت الانتخابات الايرانية الاخيرة والى اي مدى يمكن اعتبارها معيارا للتوجهات السياسية الجديدة في ايران؟ ــ لقد افرز اتفاق علي خامنئي مرشد الجمهورية الاسلامية والرئيس محمد خاتمي دفع الايرانيين نحو صناديق الاقتراع الى كثافة الاقبال بشكل غير معهود، نحن كاوروبيين نعتبر الانتخابات الايرانية الاخيرة اول محك ديمقراطي يحظى بالثقة منذ عام 79، وذلك لعدة اسباب: ــ اضفاء خاتمي مناخا يبشر بتحول فعلي نحو الديمقراطية. ــ حدوث نوع من التحول والانفتاح في الفكر وحرية التعبير عن الرأي بما في ذلك داخل الاعلام الايراني رغم المشكلات التي وقعت مؤخرا واغلاق المتشددين لبعض الصحف. ــ المناخ السياسي الايراني يشهد ظواهر صحية ادت الى مشاركة مرشحين من مختلف التوجهات السياسية. ــ جرت الانتخابات في جو من الحرية وخلت من التزييف. وليست هذه وجهة نظرنا وحدنا كمراقبين للتطورات السياسية في منطقة الشرق الاوسط، بل تتفق معنا ايضا الادارات السياسية لحكومات اوروبا وامريكا، وقد انتظر الغرب هذه التحولات الصحية منذ 20 عاما اي منذ ان وضع آية الله الخميني نهاية لحكومة شاه ايران، الذي وضع بلاده في تجربة فريدة من نوعها في تلك المنطقة من العالم الاسلامي. * هل تعكس التقسيمات الحالية من اصلاحيين ومحافظين ومستقلين طبيعة الخريطة السياسية في ايران؟ ــ يجب عدم اغفال ان النظام السياسي في ايران ليس سهلا فهو زواج صعب بين الثيوقراطية والديمقراطية، حيث يتم انتخاب البرلمان مباشرة وحكومة لها رئيس يتم انتخابه ايضا. وهذا المزج يعتبر حتى هذه اللحظة محلا للاختبار، وقد يتحول بنسبة 180 درجة للوجهة الاخرى، فقط الضمان الوحيد للوسطية والاستقرار المستقبلي هو تلبية مطالب الشباب والاقلاع عن عمليات القهر، ايضا تعرف ايران مجالس متعددة تتحكم فيها المؤسسات الروحية صاحبة النفوذ التي لها قدرة على تحريك قرارات البرلمان او تجميدها، ويقبع على رأس هذه المجالس الزعيم الروحي علي خامنئي الذي يتبوأ هذا المنصب منذ وفاة آية الله الخميني منذ عام ،89 وفي ايران الحديثة المنافسة السياسية تضرب بجذورها في اعماق المشتغلين بالسياسة. * اذن ما هو مصير الادارة الروحانية في الفترة المقبلة وفي ظل نتائج الانتخابات الأخيرة؟ ــ اولا وكنوع من الانصاف يجب ان نذكر وجود متناقضات في عهد الثورة وفي الفترة التي سبقتها من حكم الشاه فإبان حكم الشاه كان محظورا ارتداء الحجاب، إلا ان الاسر الملتزمة كانت تعارض خروج الفتيات سافرات واندماجهن في المجتمع المدني. وبالتالي كانت نسبة تعليم الفتيات قليلة جدا، اما الادارة الروحانية قد حققت في عهدها نجاحات لا يمكن انكارها. ففي نهاية السبعينيات كان 50% من الشباب يعرفون القراءة والكتابة، اما الآن فنسبة المتعلمين 93% وتزايد عدد من انهوا دراسات عليا في قفزة نوعية من 430 الفا الى 4 ملايين، واكثر من 50% منهم من الفتيات، وقد افرز هذا التحول جيلا من المتعلمين المثقفين والمتفتحين على المجتمع الخارجي حتى ان فرض الحجاب على الفتيات اجبرهن على الانكباب على التعليم ولكن كل هذه النتائج الآن انقلبت في وجه الروحانيين فلم تعد لديهم القدرة على كبت تطلعات المتعلمين لا من الشباب او الفتيات والضغط يولد انفجارا، ايضا تم سن قوانين ضد التمييز العنصري، وهو الامر الذي افرز وجود مهن ومناصب يحتلها الجنس الآخر من مهندسات وطبيبات وفي السلك القضائي والقانوني والسياسي وايضا منهن الروحانيات، هذه المعادلة الجديدة في المجتمع الايراني ستكون لها بالتأكيد افرازات ارجح انها ستكون في صالح الاصلاحيين اكثر من الروحانيين. * اشرت ان الغرب احاط الانتخابات الاخيرة بثقته ورحب بنتائجها، فما انعكاسات ذلك على علاقة ايران بأمريكا والدول الاوروبية؟ ــ التجربة الايرانية في الديمقراطية نرى انها اصبحت اكثر نضوجا بعد مرور 21 عاما على الثورة الاسلامية فالآن اقبل الروحانيون على مرحلة جديدة، واصبح لديهم حسن استماع وتقبل للتوجه نحو الليبرالية، فتطالب الاجيال الحديثة بالحرية الشخصية وتنشيط الحوار الثقافي مع الغرب وهي كلها اسباب ستؤدي لتقارب ايران مع امريكا وأوروبا، ولكني اتصور ان هذا التقارب سيتم ببطء، ووفقا للثمار الحقيقية لما يحدث من تحولات وتقدم نحو الديمقراطية، ولقد اوضح الرئيس محمد خاتمي منذ قدومه للسلطة في ايران ان سياسته ترتكز على ثلاثة محاور اساسية هي: ــ الحوار الثقافي مع الغرب ــ تحسين العلاقات الايرانية ــ الغربية ــ تحسين العلاقات مع دول الجوار وكانت هذه المؤشرات بداية لخط جديد جعل الولايات المتحدة الامريكية والدول الاوروبية تعيد النظر في طبيعة العلاقات مع ايران وقد اصبح لهذه المؤشرات بفضل نتائج الانتخابات الاخيرة بوادر معتدلة بعثت على طمأنة الغرب، وعلى الجانب الآخر من المتوقع ان يشهد العقد المقبل علاقات جيدة، لكن هناك اسباب يمكن ان تعكر صفوها في مقدمتها: ــ لجوء ايران الى تطوير ترسانة اسلحتها النووية، وهو الامر الذي تحذر منه امريكا بشدة وتمارس ضغوطها على روسيا للحد من تعاونها مع ايران في هذا المجال. كل هذه العناصر سواء المشجعة لتحسين علاقات ايران بالغرب، او التي تعطلها تندرج تحت الواجهة السياسية الخارجية المعلنة ولغة التعاملات الظاهرية الدبلوماسية. اما استراتيجية امريكا التي لا تعلنها صراحة والموجودة داخل كواليس صناعة القرارات وحماية مصالحها فهي: ــ امريكا بشكل خاص ــ لا تقبل بأي حال من الاحوال رجوح ميزان القوى في منطقة الشرق الاوسط لدولة اخرى غير اسرائيل، ومعنى ذلك ان تحسن علاقات ايران بالدول المجاورة لها خاصة »مصر ــ ودول الخليج العربية« التي توجد معها خلافات مثل دولة الامارات المتحدة في النزاع حول الجزر الثلاثة لو تم بخطى محسوبة ولم يثر المخاوف الامريكية من قلب موازين القوى، سيكتب لتجربة الخاتمي النجاح، ايضا قدرة الاصلاحيين على نهاية الصراعات الخفية »العراقية ــ الايرانية« ستلعب دورا فعالا، وهذا لن يحدث إلا في حالة مجيء حكومة عراقية جديدة تقلع عن مساندتها لجماعات مجاهدي خلق التي تعمل من داخل الاراضي العراقية. اجرى الحوار: سعيد السبكي