من الملف السياسي : محطات التطبيع مع واشنطن محفوفة بالمخاطر والشد والجذب ، الادارة الامريكية وحدها القادرة على اختصار المسافات ، بقلم: محمد صادق الحسيني

يجمع المحللون السياسيون بأن الانتخابات التشريعية الاخيرة في ايران بلورت استفتاء شعبيا واضحا واكيدا على سياسة الانفتاح و»الليبرالية« للرئيس محمد خاتمي، وتعزيزاً للنهج الذي بدأه في التعامل مع مختلف الملفات منذ عودته إلى الساحة السياسية الايرانية في ربيع العام 1997 ولا يختلف اثنان على ان هذه الانتخابات ستشكل منعطفا هاما في مسار تعزيز النهج الديمقراطي وآليات العمل الحزبي والتعدديات السياسية والثقافية والفكرية وتاليا التأسيس لتقاليد جديدة في الحياة السياسية الايرانية بما سيؤدي إلى انفتاح افكار المجتمع المدني الاسلامي الذي يمكن اعتباره من الشعارات المركزية في العهد الخاتمي. وفيما يسجل المراقبون احتمال تبلور اقلية قوية معارضة للنهج الليبرالي المنفتح على الداخل والخارج رغم اكتساح الاصلاحيين مقاعد الاكثرية البرلمانية غير ان القدر المتيقن من النتائج حتى الان (حتى بعد اكمال الدورة الثانية وحسم المقاعد الخمسة والستين المتبقية) هو ان مجلس الشورى الاسلامي في دورته السادسة إلى البرلمان الجديد لن يكون بأي شكل من الاشكال على شاكلة البرلمانات السابقة، فدخول الوجوه الجديدة من مختلف التيارات وسقوط الوجوه التقليدية من رموز المحافظين والتحولات الكبيرة التي رافقت الانتخابات بمعاركها الاساسية والجانبية، و اندفاع اليسار الديني والراديكالي إلى داخل البرلمان بمثابة جناح قوي ومنسجم حتى وان كان يفتقر إلى الاغلبية المطلقة بمفرده، كل ذلك من شأنه ان يجعل البرلمان القادم برلمانا مؤيدا للرئيس وداعما لخططه الاصلاحية على مختلف الاصعدة والمستويات. ان ايران التي حققت المزيد من الحريات العامة في عهد الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي وبفضل تأييد الشباب والنساء الذين يشكلون معا الغالبية المطلقة للشعب الايراني لا يمكن ان تقبل بعد اليوم برلمانا نمطيا متجمدا كلاسيكيا غير متعاون مع الاصلاح أو معرقل له. ويجمع المطلعون على طبيعة المناقشات والسجالات التي جرت ولا تزال تجري على هامش الانتخابات البرلمانية بأن الذي سيجري من الآن فصاعدا يمكن اعتباره انطلاقة جديدة في العمل البرلماني تطمح لاعادة تشكيل المؤسسة التشريعية ربما يتناسب ومتطلبات المرحلة ومقتضيات التركيبة الاجتماعية السياسية في ايران والتي تغيرت كثيرا عن الأيام الاولى التي رافقت الاعلان عن تشكيل مجلس الشورى الاسلامي. من هنا يمكن القول بان طموح الايرانيين للتغيير وتشكيلهم لتلك الجبهة العريضة للاصلاح والتغيير من مختلف الاحزاب والمنظمات والتشكيلات السياسية وما رافق المسار الانتخابي من حضور فاعل للنخب الجامعية والمثقفة وتحقيقها لنجاحات محددة ورفعها لاول مرة لممثليها الى سدة البرلمان، كل ذلك من شأنه ادخال فئات جديدة الى دوائر صناعة القرار في البلاد وبالتالي اشراكها في توازنات اعلى الهرم السلطوي، الأمر الذي من شأنه انضاج الادارك العام لهذه الفئات الاجتماعية واشعارها بكبر المسئولية التي تقع على عاتقها وضرورة خلق التوازن المطلوب في التحرك السياسي العام للبلاد داخليا وخارجيا. ان النقطة الاكثر اهمية من غيرها فيما حصل من تحول في الانتخابات البرلمانية الاخيرة ربما كانت في دخول ممثلين لمختلف الفئات والطبقات الاجتماعية وكذلك نواب لمختلف المدارس الفكرية والتيارات السياسية سواء تلك الموالية للمنهج السياسي الحاكم والمعارضة له الامر الذي من شأنه ان يخفف حدة التوترات الاجتماعية بل السيطرة عليها وسوقها بصورة عقلانية باتجاه اقنية البرلمان والسلطة التشريعية. وهذا بدوره سيدفع الى تنمية النهج الديمقراطي في التحول الاجتماعي والسياسي الحاصل كما سيساعد على انجاز التحول الذي تطالب به الطبقات الاجتماعية المختلفة بطريقة سلمية بدلا من ترافق تلك التحولات بالانفجارات الاجتماعية الكبرى وهو ما يحصل في البلدان الشديدة المركزية او تلك التي يغلب عليها طابع دوائر الحكم المغلقة والمحدودة المشاركة. ان ايران البرلمان الجديد وبعد نجاح »سباق الضاحية« المضني منذ انتخابات الرئاسة الى الانتخابات التشريعية الاخيرة ستكون من الآن فصاعدا ايرانا جديدة نوعا ما، جديدة في نمط المناقشات وجديدة في آليات التحول وجديدة في اساليب التعامل مع الملفات الداخلية والخارجية عل حد سواء. وقبل ذلك كله جديدة في طريقة تناولها لمختلف المقولات التي قامت عليها الثورة اولا والتي يقوم عليها النظام السياسي الاسلامي ثانيا. وهنا لابد من التأكيد بأن ما بات يعرف من تقابل او سجال ساخن بين الاصلاحيين والمحافظين في البرلمان والذي هو امتداد لما يجري مثله في الساحة السياسية وبين الطبقات الشعبية المختلفة عموما ما هو سوى تعبير عن ذلك التباين الموجود في القراءة المتمايزة والمختلفة لكل من الاصلاحيين والمحافظين لمقولتي الدين والحريات واللتان تقوم عليهما اسس النظام الاسلامي طوال العقدين الماضيين. ان الاجنحة السياسية البرلمانية التي ينتظر لها ان تنشأ مع التشكيل النهائي للبرلمان الجديد في الاشهر الثلاثة القادمة يمكن التكيف بها على الشكل التالي: أولا: جناح اصلاحي متطرف في نظراته الى مختلف المقولات الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية و... لكنه سيركز على فتح الملفات السياسية الساخنة لاسيما تلك المتعلقة بالأمن والسياستين الداخلية والخارجية والذي سيقوده حزب جبهة المشاركة الاسلامية الذي يتدثر بعباءة الرئيس محمد خاتمي دون ان يعني بالضرورة انه متفاهم معه في كل شيء بل ويمكن ان يصطدم معه احيانا. ثانيا: جناح محافظ في نظرته إلى كافة الملفات آنفة الذكر لكنه سيركز اهتمامه على ناحيتين هما »الغزو الثقافي« الذي يعتبره العدو الرئيسي للبلاد، وملفات العيش والحياة الاقتصادية بوجوهها المختلفة والتي يعتقد بضرورة إعطائها الأهمية القصوى، وهو الجناح الذي سيتدثر بعباءة مرشد الثورة الإسلامية الايرانية أكثر فأكثر، وهذا الجناح سيقاد في الغالب من خارج البرلمان من جانب حزب جمعيات المؤتلفة الإسلامي اليميني المحافظ. ثالثا: جناح اصلاحي اعتدالي في نظرته لمختلف الملفات والموضوعات، لكنه سيكون براجماتيا إلى أقصى الحدود مركزا اهتمامه على ضرورة البحث عن حلول عملية للموضوع الاقتصادي والدعوة المستمرة إلى ضرورة البحث عن سبل للرفاه والتقدم الاجتماعي والثقافي وهو الجناح الذي تدثر حتى الآن بعباءة الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني، لكنه يملك الاستعداد للتدثر بعباءات جديدة بالتحالف مع الأجنحة الأخرى أو ان يخلع كل العباءات عند اللزوم. وهو الجناح الذي سيقاد بواسطة حزب كوادر البناء التكنوقراطي المعروف. في ظل هذه التقسيمات البرلمانية وفي ظل اجواء الانفتاح والتحولات الجارية على قدم وساق داخل المجتمع الايراني، وفي اطار عملية اعادة ترتيب البيت الايراني الشاملة التي تجري ايضا على قدم وساق في أروقة صناعة القرار، يعتقد المحللون السياسيون بأن الانفراج في علاقات ايران الخارجية بات السمة الرئيسية لايران المستقبل، وواشنطن لن تكون العاصمة المستثناة من عواصم العالم في هذا السباق. نعم قد تكون المحطات التي تسبق التطبيع بين طهران وواشنطن كثيرة ومتحولة ومحفوفة بالمخاطر والشد والجذب القويين والعميقين، إلا ان ماجرى من تحولات حتى الآن في الساحة الايرانية لا سيما في المحطة الأخيرة جعل من الصعب بمكان التراجع إلى الوراء، لا بل حتى المرواحة في المكان الواحد. وحدها الادارة الأمريكية قادرة على اختصار المسافات والانتقال السريع بالعلاقات إلى نوع من التحول النوعي من خلال مبادرات عملية محددة تشجع تطور السجال الايراني الداخلي في وقت تؤكد فيه كل التقديرات بأن طهران باتت أكثر اتفاقا وتوافقا بين تياراتها من أي وقت مضى على ضرورة تجاوز نقطة السكون في هذا المضمار. وأما فيما يخص دول الجوار العربي عموما والخليجي بشكل خاص فإن الوضع سيكون شديد الحساسية والدقة والحذر، فبقدر ما تجمع الأجنحة والتيارات الايرانية على ضرورة تعزيز التعاون وتدعيم التقارب مع دول الجوار واعادة تطبيع العلاقات مع جميع الدول العربية من دون استثناء بقدر ما يرجح بعض المراقبين احتمال بروز تصدعات في بعض الملفات نتيجة انتعاش التيار القومي الليبرالي (رغم محدوديته في عملية صناعة القرار) وهو ما من شأنه الضغط والالحاح باتجاه الانسحاب من عديد الملفات والهموم التي ظلت حتى الآن مشتركة بين ايران والعرب. صحيح ان ذلك سيساعد من جهته في التخفيف من حدة الخلافات القائمة بين ايران وعدد من الدول العربية التي تنتظر بفارغ الصبر قرارا ايرانياً بالانسحاب التدريجي من الموقف التصادمي مع عملية السلام الشرق أوسطية الجارية، لكن ذلك إذا ما حدث، خاصة إذا ما حصل في ظروف دراماتيكية (وان كان مثل ذلك غير منظور حتى الآن) فإنه سيكون بالتأكيد على حساب قوة الصداقة الايرانية العربية ولحساب العودة التدريجية لمذهب التغريب في صيرورة صناعة القرار الايراني. من هنا ثمة من يعتقد بأن مصلحة ايران والعرب ان تسير عملية الاصلاح والتغيير في ايران بشكل بطيء ومدروس وحذر، بل ان البعض يطالب بمشي السلحفاة حتى لا تنعكس سلبا على مستقبل العلاقات الايرانية العربية من جهة وعلى مستقبل الدور الايراني المطلوب في المنطقة، أي ايران الهوية والثقافة الإسلامية المعتدلة، لكنها الجسورة في قراءتها المتصالحة بين الدين والديمقراطية.

تعليقات

تعليقات