لو عدنا بالتاريخ الى طريق الحرير, وايام الهيمنة العربية المطلقة على طرق التجارة البرية والبحرية الواصلة بين شمال العالم وجنوبه, فماذا يمكن ان نسمي ذلك النظام؟ وماذا كان موقف الاوروبيين منه, وهم يرون مدخراتهم من المعادن الثمينة (الذهب والفضة) تذهب للتجار العرب في سواحل اليمن وعمان ومضيق هرمز ودمشق ؟ وهل انتشرت في تلك الفترة ادبيات مناهضة للعرب ومعادية للاسلام! وفي دراسة قيمة جدا اجراها الدكتور عيد الدحيات, عن مصادر النصوص المعادية للاسلام في ملحمة الشاعر الانجليزي (جون ملتون) بعنوان (الفردوس المفقود) , يذكرنا الكاتب باسباب الحروب الصليبية, وكيف ان الدوافع الاقتصادية لتلك الحروب تم تغليفها بورق (السلوفان) الديني, ومع ان الحروب الصليبية ابتدأت في القرن العاشر, اي قبل نشر قصيدة ملتون بحوالي ستة قرون, الا ان الموقف من الاسلام في اوروبا حافظ على ذلك الاثر. وتقول لنا موسوعة تاريخ العالم الاقتصادي التي تنشرها جامعة اكسفورد البريطانية, ان فوائض القمح في سهول الجزائر والسودان كانت تغطي عجزه في اوروبا, خاصة عندما كان الجفاف يضرب المحاصيل في سهول (ايبيريا) وصقلية, ولكن القمح ما كان ليباع الا بموافقة السلطان العثماني. تجار حضرموت واليمن نشروا الاسلام في جنوب شرق آسيا عبر التجارة, وبوسائل الاقناع وحسن المعاملة, وصناعة دمشق راجت حتى صارت اسماء سلع كالحرير المخملي والسيوف البتارة تسمى باسم المدينة التي اشتهرت بصناعتهما, وهي مدينة دمشق. فهل يعقل بعد هذا التاريخ العريق في التجارة والصناعة ان تتحول حضرموت ودمشق الى النظام الاشتراكي, حيث يقول موظف محدود المهارة لتاجر او صانع عريق كيف يدير اعماله, ويسعر بضائعه؟ وفي كل من السودان والجزائر حيث الفوائض الزراعية الضخمة, والموارد الطبيعية الماثلة في الارض الخصبة ووفرة المياه ومصادر الطاقة, نرى ان التدخل المباشر في عمليات الانتاج, قد ادى بالاضافة الى القلاقل, الى جعل هذين الاقتصادين مستوردين للمواد التي يجب ان يتخصص كل منهما في انتاجها, وتصديرها بكميات وفيرة واسعار منافسة. فنحن اذن كنا كعرب يوما ما لنا الصدارة في تجارة العالم. وقد اثار هذا علينا حفيظة اوروبا, ودفعها الى الوقوف موقفا معاديا من حضارتنا, وانتاجنا وطرق تجارتنا, ولم نكن نهتم ان كان نظام التجارة الدولي السائد آنذاك يسمى (عولمة) او (تجارة) او حتى (قرصنة) لقد كنا الاسياد الغالبين, ولم تكن لتضيرنا منها طائشة, او مسبات ولعنات. ولكن الدنيا تسر زمنا, وتسيء ازمانا دالت دولتها الى اوروبا, وصاروا هم القادة ونحن التابعون. اذا كنا نريد ان ننصف من تقلبات الزمان فعلينا ان نباشر الحياة بايجابية, وعمل منتج وجهد متكامل مضاعف, اما ان نلعن العولمة دفاعا عن نظم اقتصادية اشتراكية فاشلة, فهذا خيارنا, ونحن الذين سندفع الثمن والثمن في هذه الحياة هو استمرار حالات التردي الاقتصادي, والتراجع الانتاجي الذي سيبقينا معتمدين على من نريد انصاف انفسنا حيالهم. ان من المؤسف حقا ان متطلبات اعادة الهيكلة في الاقتصاد العربي تأتي بعدما تراجع المركز النسبي للنفط, وبعد حروب عربية داخلية واقليمية دامية وبعد انفاق كبير على السلام, وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة, وبعد حرب الخليج الثانية والتي كان من نتائجها العملية السلمية, وقد جاء ظهور صندوق النقد الدولي وسط هذه الظروف, وفي ظل عالم متنام, غارق حتى اذنيه في الديون. ولكننا في الحقيقة بحاجة الى مراجعة انفسنا مراجعة حقيقية, والى الاجابة عن اسئلة كثيرة اهمها هل تبنينا النظام الاشتراكي عن قناعة ام بدوافع لترسيب النظم السياسية القائمة؟ هل رفضنا او قبولنا للتعاون مع العرب الآخرين محكوم بشك الانظمة في نوايا بعضها البعض ام بالمصالح العليا للاقطار؟ اذا كان في العولمة تحفيز للابداع, والمنافسة, والتكامل الاقليمي, والديمقراطية, والدفاع عن حقوق الانسان, والتحرير الاقتصادي والتجاري, فهذا معناه ان فيها خيرا كثيرا. وما هو البديل الذي سنقدمه للعالم اذا بقينا على ما نحن عليه غير قادرين حتى على عقد مؤتمر قمة؟