قرأت مقالة الصديق طلال سلمان رئيس تحرير السفير اللبنانية الرائعة على اثر زيارة الرئيس المصري لبيروت, والزيارة لا شك تاريخية لانها, وان استمرت ساعات معدودة, اول زيارة لرئيس مصري للبنان عمليا. هذا اذا استثنينا زيارة عبدالناصر وتفقده للحدود اللبنانية السورية . لم تتناول مقالة الصديق العزيز الجياشة الزيارة فعلا بل تحدث عن حالة حنين بما في الحنين من انتظار متناقض مع ذاته لانه انتظار الماضي, لقد حاول هذا الصوت القومي الخبير بطبائع الدول والسياسات الرسمية في منطقتنا ان يحرك شيئا ما بواسطة مخاطبة الوجدان ومناداة الواجب القومي. وهو عندما ينادي مصر, ينادي عبدالناصر في مصر, ويحاول اقناع مصر ان تقتنع هي بماضيها. تماما كما حاول كل العرب الذين احيا فيهم مسلسل تلفزيوني عن ام كلثوم وفيلم عن عبدالناصر حنينا, وأيقظ فيهم مشاعر كانت قد توارت تحت الف طبقة من الاحباط المختلط بالواقعية اليومية, فعادوا للحب القديم في محاولة لاقناع الحبيب ان يعود للعب الدور الذي يحبون ـ فمنذ بدء الخليقة يبحث الانسان عن حب الآخرين واعترافهم به, فلماذا لا تغير الدولة ادوارها ومواقفها رغبة منها في وصالنا؟ يحول الحنين الماضي الى امثولة او حتى اسطورة ولا بأس بذلك على المستوى التعبيري, ولكن التعبئة بحكم تعريفها تكون لمشروع وبرنامج وما ينقص التيار القومي في الوطن العربي هو المشروع والبرنامج السياسي والاجتماعي, وهذا الاخير يأخذ بعين الاعتبار ادوار الدول ومواقفها من خلال تحليل مصالحها الوطنية والاقليمية وليس ما نحبها ان تكون. وكما يبدو انقضت مرحلة المشروع القومي الشامل الذي يوزع, بعد اكتماله في الاذهان, ادوارا محلية, ولم يعد بالامكان تصور المشروع القومي العربي الا كلقاء على المستوى القومي لمشاريع محلية تسعى لاصلاح الحالة الاجتماعية والسياسية ودمقرطة السياسات وعقلنتها وترشيد عملية المعرفة وارساء اسس اولية للعدالة الاجتماعية وتثبيت الموقف القومي العربي عبر هذه جميعا ـ والا بقي الموقف القومي مجرد حالة من الوعظ والدعوة تنافس مواعظ ودعوات اخرى. لقد تحولت المقاومة اللبنانية الى حالة من التضامن القومي لانها عبرت عن ممارسة وطنية صائبة ومدروسة على جبهة مقاومة الاحتلال, ولكن هنالك جبهات اخرى اجتماعية واقتصادية وسياسية في كل قطر عربي, ولا يمكن اختزال هذه الجبهات لا بالتضامن العربي الفوقي ولا بمخاطبة وجدان الدولة. وفرضت المقاومة اللبنانية التضامن العربي معها ليس فقط لانها ضحية عدوان, وانما ايضا لانها تملك الادوات لصد هذا العدوان واحراج السياسات الامريكية ـ العربية بهذه الادوات . لا يجلب العجز تضامنا فاعلا بل شفقة واحباطا يفتقران لآفاق العمل السياسي. والحقيقة ان المقاومة اللبنانية والحوار السياسي الذي تثيره في لبنان بما في ذلك في الصحافة اللبنانية, ارقى بكثير من حالة التضامن العربي معها والذي يشبه حالة الاحتقان اكثر مما يشبه حالة التضامن الفاعل, وقد فرض الشعب اللبناني تحسنا في الاداء الرسمي العربي تجاه قضية باتت قومية, ولكن ليس باستطاعة الشعب اللبناني ولا المقاومة فرض تحسن في الخطاب السياسي العربي ولا هذا دورهما. والمراقب للخطاب السياسي التضامني في الدول العربية يصاب بالاحباط الفوري, فحرب الكاريكاتيرات والادانات والشعارات الجوفاء ابقت اقبح مافي الخمسينيات والستينيات يضاف اليه تنافس مع تيار الاسلام السياسي في نشر الاساطير عن اليهود وقوة اليهود وشيطنة اليهود. لقد كان اسوأ ما في الخطاب القومي العربي في حينه ميله الشديد للتعبئة عبر الاثارة والتسطيح وتعبيره عن جهل مطبق باسرائيل. ولكن خلف الخطاب كان هنالك مشروع على الاقل وقوى سياسية جماهيرية وبعض المحاولات العقلانية الفذة لتطوير الخطاب القومي. ولكن ما نشهده اليوم هو خطاب محتقن وعصبي دون مشروع. واسوأ ما في المشهد مثقفون عرب لا يجرؤون على مواجهة اي مظهر من مظاهر انعدام العدالة الاجتماعية والديمقراطية القائمة في هذا البلد او ذاك يكثفون طاقاتهم كلها في بؤرة واحدة ويجدون لها متنفسا واحدا هو الصراع مع اسرائيل, هكذا تتحول اسرائيل من كيان صهيوني ودولة محتلة ومغتصبة تتطلب مواجهتها استراتيجية سياسية الى اسطورة من الشر. بل الى الشر وقد تجسد, فكل المعارك الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المفوتة باتت تتجسد فيها. ولا بأس لو تآلفت هذه الطاقات في هذه المعركة. ولكن المصيبة انه لا معركة ولا يحزنون بل عملية مستمرة بدوافع مختلفة. وعملية التنفيس عبر الصراخ في محطات الاقمار الصناعية (التي باتت تبيح الصراخ على الاقل) وتسمح المزاودة على الانظمة في قضية واحدة هي قضية الصراع لا تحتاج لا الى معرفة ولا دراية باسرائيل واقتصادها وسياساتها, كل المطلوب هو اقتباس تصريح هنا وتصريح هناك, وواقعة من هذه الفترة التاريخية او تلك. لقد تركت ديكتاتورية شاه ايران متنفسا واحدا للعمل السياسي في حينه هو المساجد, فتحول هذا الميدان الى ميدان السياسة الوحيد الممكن للمعارضة, ولكنه كان ميدانا حقيقيا على الاقل انجب معارضة حقيقية ضمن الخطاب الديني, ولكن الديمقراطية العربية حتى في الدول التي تحتفظ بعلاقات سلام مع اسرائيل حصرت المعارضة في مكان اضيق هو المزاودة الصوتية عليها في موضوع الصراع. ولكنه موضوع فقط وليس ميدانا للعمل السياسي الحقيقي والفاعل. ولا غرو ان يتطور الخطاب السياسي الارقى في لبنان حيث الصراع ميدان وليس موضوعا وحيث لا تقتصر متنفسات الحوار والنقاش عليه بل تمتد الى مجالات اخرى, والمصيبة ان هذا الحوار وهذا النقاش لا ينجم عن قوة الدولة الديمقراطية بل عن ضعف الدولة, وبالتالي لا يطور الجدلية اللازمة التي انجبت الديمقراطية الحديثة وحافظت على استمرار تطورها. ولكن مع ذلك قد تنجب حالة الاحتقان العربي القائمة نقدا لذاتها وقد يتحول نقد تعاملنا مع الصراع الى مقدمة ضرورية لنقد المجتمع والدولة.