إضاءة خليجية، طرائف من مشهد.. خليجي، بقلم عبدالله بشارة - البيان

إضاءة خليجية، طرائف من مشهد.. خليجي، بقلم عبدالله بشارة

أحداث الكويت شيقة, فيها الكثير من الحيوية والديناميكية, وفيها الكثير من المشاهد الطريفة التي ليس لها تفسير سوى أن التراب الكويتي يملك النبات الخصب لكل ما هو مثير للجدل, ولكل ما هو خارج عن المألوف في طيبته احياناً, وفي انفلاته معظم الاحيان, وفي سخريته بعض الاحيان . ومع الأزمة السياسية التي تمر بها الكويت وهي أزمة سهلة في ظاهرها, وعويصة في جوهرها, تكثر النوادر الصادرة من زوايا الدواوين, بحيث تعوم الكويت في بحر من الحكايات الشهية, نهارها في قصص تتناول الحياة السياسية والاقتصادية, ويسري ليلها في اضافات على تلك القصص فيها الكثير من خصوبة الخيال. وليس موضوعنا اليوم أزمة الكويت, فقد تناولت هذا الموضوع في الاسبوع الماضي ونسبته الى عيوب دستورية جوهرية ادت الى تجزئة الحكومة عن البرلمان مما ولد الشلل المستمر في تعاطي الحكومة مع المجلس. نشرت جريدة (الحياة) يوم الخميس الموافق 24 فبراير ,2000 تقريراً من مراسلها في الكويت يتحدث فيه عن تشكيل لجنة كويتية خليجية لمقاومة التطبيع مع اسرائيل, تجتمع في الكويت خلال الفترة المقبلة ومن خلال تنظيم مؤتمر اقليمي تحضره شخصيات من مصر وسوريا ولبنان وفلسطين ودول عربية وخليجية لوضع ضوابط المقاطعة بمشاركة شعبية واسعة, ويضيف التقرير بأن اللجنة التحضيرية تتكون من النائب المخضرم عبدالله النيباري, احد نجوم المنبر الديمقراطي, والدكتور عبدالله النفيسي, الكاتب الاسلامي المثير للجدل, والدكتور عبدالرزاق الشايجي الناطق الرسمي لتجمع السلف وأحد الممارسين المثابرين للرد على التوجه الليبرالي وخصم عنيد للعلمانية. ومن خلال تشكيلة هذه الكوكبة المتنافرة التي تضم اليسار المتطرف الى اليمين الحاد, يدرك القارئ حجم الصعوبة التي ستواجه المنظمين والمؤيدين. ولا اعترض على حق كل مواطن في الكويت أو غيرها في التعبير عن مواقفه بالطرق الدستورية والمسموح بها, ونشرها علنا بدلا من كبتها واحكام القبضة عليها او لجوئها الى اساليب غير مشروعة للتعبير عن هذه المواقف. ومن المؤكد ان المنظمين المبادرين سيلجأون الى اقتباس الدروس لا سيما من تجارب الآخرين في المقاطعة, خاصة في مصر, حيث يتواجد رأي عام قوي يرعاه تنظيم صغير لكنه مؤثر في بلورة فلسفات واتجاهات سلبية تجاه التعاطي مع اسرائيل, وعلى الاخص في الجوانب الثقافية والاعلامية والاتصالات الانسانية. ونجحت هذه الفئة التي خاصمت اسرائيل في الحد من حجم التطبيع الشعبي بين الطرفين, وهو انجاز نعتبره دليلاً على النجاح, لكن الحكومة المصرية, الواعية للمسئوليات السياسية والمدركة للسلوك الاستراتيجي, نجحت في التعامل مع هذه الظاهرة, وجيرتها, وباسلوب فعال ومؤثر, لصالح مسيرة السلام, واستعملت تلك الفئة كورقة اضافية ضاغطة لدفع مسيرة السلام, وحددت وبشكل ذكي شروط التصالح الشعبي باتمام عملية السلام وفق القواعد التي حددها مؤتمر مدريد. ويمكن القول ايضا بان الحكومة الاردنية استفادت ايضا من التجرية المصرية, وتساهلت مع مقاومي التطبيع من اجل الاستفادة الدعائية والسياسية لضخ زخم اكبر نحو مسيرة السلام. نحن في الخليج, ننتقل الى سيناريو آخر مختلف عن الاستراتيجيات المصرية والاردنية فليس فينا طرف اساسي في مسيرة السلام التي تشارك فيها دول الطوق بالاطراف العربية الخمس (مصر وسوريا ولبنان والاردن, وفلسطين) على اساس من القواعد التي تستمد شرعيتها من قرارات مجلس الامن, الارض مقابل السلام. وليس فينا من هو مؤهل اكثر من اطراف الطوق لحمل مسئولية التفاوض ومعرفة تفاصيلها والالمام بقواعدها, فقد اكتفت دول مجلس التعاون بالمشاركة السياسية السلبية في المفاوضات المتعددة الاطراف, بتمثيل رسمي لا يتعدى الحضور والاستماع, وذلك من اجل الدفع لتحقيق اجواء ارحب لمفاوضات السلام. ورغم حصول اسرائيل على حق فتح مكاتب تجارية في كل من قطر وسلطنة عمان, واستضافة هذين البلدين لقاءات خرجت من رحم مسيرة السلام, الا ان واقع الامر لم يتعد تواجد مكتبي مقيد موضوع تحت المراقبة يتحرك نشاطه او يتجمد, وفق معادلة دقيقة لقناعات الدول المضيفة لانجازات المسيرة. ولم يخرج صوت احتجاج من دول المجلس على ما يمكن ان نسميه الانضمام الى نادي التطبيع, لان هذه الدول اعلنت وبشكل ملتزم بانها لن تنخرط في مسارات التطبيع الا بعد التعرف على استحقاقات السلام التي حصلت عليها اطراف الطوق العربي. واذا كان هذا الالتزام هو المعيار الحقيقي لسياسة دول المجلس, ولا شك عندي بانه التزام صلب, فانني اجد الدعوة الصارخة التي تخرج من الكويت الآن لقتل مبادرات التطبيع في مهدها, أمراً سابقاً لاوانه, وجزءاً من حقائق المبتكرات الكويتية التي تطفو على سطح تربة الكويت المعروفة بملاءمتها للاختراع. ومع أنني من الذين يجدون في الابتكار دلالة على الصحة والحيوية, غير انني آخذ على المناخ الكويتي كثرة البدع التي عايشناها, فرغم ان حكومة الكويت اكدت مرارا وفي كثير من التكرار بأن الكويت آخر من ينضم الى موكب المسيرة, استمرت الاتصالات للخروج بالفكرة إلى عالم الوجود بالدعوة الى المؤتمر العام للمقاطعة الذي تسعى اليه اللجنة التنظيمية. ولا يفوت عن بالنا أن الصراع المستمر بين التجمعات السياسية وبين المسلك الحكومي هو احد الدوافع الرئيسية لمشهد الاجتماع الذي تنظمه اللجنة المكونة من الاعضاء الاضداد. هناك شك وارتياب شبه دائم بين هذه التجمعات وبين سياسة الحكومة في الداخل والخارج, وهناك سباق بين هذه التجمعات لنيل الاسبقية في وضع القيود على مسيرة الحكومة وعلى خطتها في تنفيذ برامجها, وهو جزء كما اشرت لا ينفصل عن المأزق الذي يتسيد الحياة الديمقراطية في الكويت. وفي تصور هذه التجمعات أنها قادرة على تفتيت التوجه الحكومي نحو التطبيع وفرض الشلل على خطتها في تلبية النداءات والتوقعات العالمية لا سيما من اصدقاء الكويت, واستباق الاحداث بالحصول على تعهد رسمي حكومي ينال رضا القوى المحركة للمقاطعة. ومن معرفتي بالتوجهات الكويتية يمكن القول, بشيء من التأكيد, بأنه لا يوجد اتجاه يدفع نحو التعامل مع اسرائيل, ولا يتوفر حتى التفكير بشيء من هذا القبيل, ولم يصل التخطيط السياسي الى مرحلة الاعداد او التأهيل البيئي والنفسي, ولذلك فإن الجو العام في الكويت يرى مساعي المنظمين بأنها جهود تبذل لمقاومة اشباح سياسية لا وجود لها على جدول أعمال الحكومة, وانما هي جزء من حزمة الأشباح الدائمة في الاجواء الكويتية. وفي تصوري تغيب عن بال المنظمين حقائق لا بد من اخذها في الحساب عندما نتعامل مع أمور تمس الأمن القومي لدولة الكويت, ومن هذه الحقائق السياج الامني الذي تعيش الكويت في داخله وينعم شعب الكويت بالطمأنينة بسبب وجوده, ويمارس أهل الكويت الحرية ويشربون من حليب الديمقراطية بتجمعاتهم وصراخهم ونحيبهم, بفضائل ذلك السياج الذي لولاه لما بقي احد في الكويت بما فيهم اعضاء اللجنة المنظمة. ولا يجب ان نتجاهل, وسط حرارة الصراع الدائم مع الحكومة, حقوق المجتمع الدولي في دولة الكويت, وتوقعاته منها, وهي حقوق الدائن على المدين الذي ليس بمقدوره التنكر لمستلزمات الوفاء للأسرة الدولية التي تسعى لوضع نهاية للنزاع القائم في منطقة الشرق الأوسط بين الاطراف المعنية مباشرة. ومن الأمور التي لا تقبل الشك, ان الاستراتيجية العالمية تتوجه الآن نحو المنطقة لايجاد مخارج للصعوبات التي اعترضت مسيرة السلام, وصارت هذه المسيرة رغم الاشكاليات القائمة, هدفاً ملحاً للنظام العالمي الذي يدرك حساسية الوضع الراهن بين الاطراف المعنية. وليس من المعقول ان تتطوع الكويت بمشاركة في ادوار سلبية تجاه المسيرة, فمثل هذا التصرف سيجر الكويت الى متاهات وتعقيدات هي غير قادرة على التصدي لها. سياسة دولة الكويت في الفصل الحاضر, هي تقوية الروابط مع أعضاء الأسرة الدولية, والتصرف وفق قواعد السلوك التي تريدها هذه الأسرة, لكي تتمتع الكويت بمقعد مريح ومطمئن في نادي المجتمع الدولي المتحضر. وسر قوتها الحالية نابعة من ارتياح المجتمع الدولي, وخاصة وخاصة من اولئك الذين يرسمون القرار العالمي, ويملكون القدرة على تنفيذه, اصحاب المواقف, الذين لا يترددون عن الوفاء بالتزاماتهم تجاه الكويت, بصرف النظر عن العوائد او التكاليف المادية والسياسية. واذا كان الارتباط العضوي بين الكويت والأسرة الدولية هو السر الذي يحافظ على سلامة الكويت وسيادتها وحرية شعبها, فإن لذلك الارتباط ثمناً وتكاليف لا يمكن التردد في قبولها, ولا يمكن شطبها من حقائق الكويت الحياتية. لقد نالت الكويت رضا العالم لأنها دولة تعاملت مع قيم ومفاهيم النظام العالمي الجديد, الذي تديره الولايات المتحدة, بايجابية وبشيء من النضج, سواء مع تلك القيم المتعلقة في الانفتاح والشفافية وحقوق الانسان او مع تلك التي تؤسس عليها الأسرة الدولية استراتيجيتها. ولا أظن بأن احداً في الكويت يستطيع ان يجادل في حجم الفوائد التي تتمتع فيها الكويت كحصيلة ثمن ذلك الارتباط العضوي. وطالما ان موضوع التطبيع لا يشكل هماً كويتياً وغير مطروح لدى الاتجاهات الرسمية او الشعبية, ولا يوجد مكان له على جدول أعمال الاولويات, فمن المناسب ان نتركه جانباً ونجمده على الرف بدلاً من جعله شأناً كويتياً داخلياً في هذه المرحلة التي لا تستدعي طرحه. وانصح الداعين الى المؤتمر المقترح ان يتحلوا بالصبر وبفضيلة الانتظار لأن المستقبل ما زال غير واضح في مسيرة السلام وما زالت الدول المعنية متباعدة في مواقفها مما جعل المسيرة شبه مجمدة وتعاني من فقدان الحماس والزخم. ... قالوا كثيراً عن الكويتيين بأنهم من القوم الذين يلعنون الظلام قبل التفكير في اشعال الشمع. يقول بيكر الى طارق عزيز في لقاء جنيف في يناير 1991.. (اعتقد ان رئيسكم قد اساء التقدير فيما يتعلق بارادة المجتمع الدولي عندما غزا الكويت, ونأمل ألا تقوموا باساءة اخرى في التقدير فيما يتعلق بإرادة الولايات المتحدة) . من ذكرى التحرير نستخلص أبلغ عبرة وهي أن أصدقاء الحاجة قليلون لا يجب التفريط بهم, في أوقات الارتياح.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات