أهم سمات الحركة الإسلامية الحديثة منذ سقوط الخلافة العثمانية في نهاية الربع الأول من القرن العشرين هو إيمانها بدور الدين في شئون الحياة العامة من سياسة واقتصاد وقانون وتعليم. ورغم أن التنظيمات الإسلامية المختلفة لم تتقدم بخطة واحدة تحدد سمات المشروع الإسلامي في جوانب الحياة العامة المختلفة إلا أن كتابات كثيرة منذ الخمسينيات في القرن الماضي تطرقت لدور الإسلام في شئون الحياة العامة معتمدة في ذلك على نصوص من القرآن والسنة على أقوال الفقهاء وعلى تجربة الحكم الإسلامي الطويلة التي امتدت منذ هجرة الرسول (صلى الله عليه و,سلم) إلى المدينة, إلى سقوط الدولة العثمانية. وأصبح من المسلم به لدى أهل العلم الشرعي أن للإسلام رأياً في شئون السياسة والاقتصاد والقانون والتعليم وغيرها, ومن هنا جاءت مطالبة العديد من الحركات والجماعات الإسلامية بتطبيق الشريعة في مجالات الحياة العامة. قليلة تلك الدول التي تتجاوز في تطبيقها للشريعة قانون الأحوال الشخصية, وهي المملكة العربية السعودية وإيران والسودان وأفغانستان. كانت الحركة الإسلامية السودانية تظن أنها تستطيع أن تقدم نموذجا متطورا لتطبيق الإسلام في الحياة المعاصرة لأنها تقوم على قاعدة نالت حظاً وافراً من التعليم المدني وقدراً من التعليم الديني, وتهيأ لكثير من قادتها الدراسة العالية في أوروبا أو أمريكا. كما أن السواد الأعظم من المسلمين في السودان ما زال متمسكاً بتعاليم دينه دون أن يشتط لعصبية مذهبية, ويزينه تسامح صوفي يجعله يقبل التعايش مع الآخرين, ولا يحجر على اجتهاده في أمور الدنيا طبقة من العلماء التقليديين. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن! قُدر للحركة الإسلامية أن تستولي على السلطة في السودان عن طريق انقلاب عسكري رغم أنها كانت من أشد المعارضين للحكومات العسكرية في معظم تاريخها السابق عدا فترة المصالحة مع النميري (77ـ1985), وشغلت بتأمين السلطة وبالحفاظ عليها وارتكبت في سبيل ذلك كل الموبقات التي ارتكبتها الحكومات العسكرية السابقة وزادت عليها لأنها تملك تبريراً دينياً, فأعداؤها هم أعداء الدين ولو صلوا وصاموا, ولو كانوا حلفاء الأمس القريب! وكان النموذج الذي قدمته الحركة الإسلامية في مجمله بائساً في قيمه الأخلاقية (قيم العدل والصدق والحرية والشورى والأمانة والتكافل), وهي جماع ما يدعو إليه الدين ويعلو به على غيره من المذاهب الوضعية. ولعل الفشل في تقديم نموذج إسلامي راق كان أحد العوامل النفسية التي أدت الى تنازل أهل الإنقاذ وقبولهم مبدأ تبادل السلطة مع الآخرين عن طريق الاقتراع والانتخاب. كان بعض المثقفين في الدولة يرمون دعاة الحرية والديمقراطية من الإسلاميين في السنوات الأولى للإنقاذ بأنهم من العلمانيين الذين تأثروا بالفكر الغربي, وما دروا أن قمة العلمانية هي التنكر لقيم الدين من أجل الحفاظ على السلطة! بل أن السلطة العلمانية في الغرب نجحت منذ عهد التنوير في القرن الثامن عشر وإلى يومنا هذا بسبب القيود القانونية والأخلاقية التي أحاطت بها ممارسة التنافس على السلطة. حسناً فعلت الإنقاذ بالعودة إلى دائرة الحرية والديمقراطية, فهذا ما يُسعد دعاتها من الإسلاميين كما أنه يلم شمل أبناء الوطن الواحد, ويقيم نظاماً أقرب إلى العدل والاستقرار والمؤسسية. ولكن حيرة الإسلاميين الديمقراطيين تكمن في أن القوى السياسية الأخرى تطالب بصوت جهور بفصل الدين عن الدولة, فقرارات التجمع الديمقراطي في أسمرا (1995) تقول بفصل الدين عن الدولة وبمنع نشاط الأحزاب ذات الصبغة الدينية, وما كانت الأحزاب الشمالية الكبيرة تجرؤ على القول بمثل هذا في السابق ولكن هذا من بعض فضائل الإنقاذ على السياسة السودانية! وقريباً قال الدكتور منصور خالد ـ وهو ينطق باسم الحركة الشعبية ـ إن الحركة لا تقبل بقانونين, قانون ديني في الشمال وقانون وضعي في الجنوب, فتلك أطروحة رفضتها الحركة في محادثات الإيجاد, وأن حكم بلد واحد بقانونين هو أبارثيد جديد! أبارثيد ضد من؟ وتبعه ياسر عرمان بحديث أكثر وضوحا: إن الحركة تنتظر من الوفد الحكومي المشارك في مفاوضات السلام أن يوضح بجلاء أنه يقبل بفصل الدين عن الدولة, وأن على الحكومة ألا تضحي بوحدة السودان من أجل رغبات أيديولوجية ومشروع إسلامي لا يخدم وحدة السودان خاصة وأن المشروع قد فشل! ولم تكتف الإنقاذ بتقديم نموذج بائس للمشروع الإسلامي حتى يتجرأ ياسر عرمان ويقول إن المشروع الإسلامي قد فشل, بل هي الآن تقول على لسان النائب الأول لرئيس الجمهورية, وفي معقل الشباب الذي تسارع إلى تلبية نداء الحكومة بالجهاد, إن قضية فصل الدين عن الدولة لن تقف عقبة أمام تحقيق وحدة السودان وأن الحكومة مستعدة للتحاور مع حركة قرنق وسائر القوى السياسية في هذا الشأن وصولاً إلى بر الأمان. ولا أظن أن مشكلة الجنوب سيحلها فصل الدين عن الدولة فقد اندلعت المشكلة قبل ثلاثين سنة من تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في شمال السودان. ومهما أحسنا الظن بحديث النائب الأول فهو يغري القوى السياسية والدول المعنية بالشأن السوداني أن تضغط أكثر على السودان حتى يستجيب بالكامل لفصل الدين عن الدولة. وقد حذر القرآن نساء النبي ألا يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض. وقد خضع النائب الأول بالقول فأطمع الآخرين بالتقول على أهم سمة تميزت بها الحركة الإسلامية في القرن العشرين. سبق للأديب الطيب صالح أن قال عندما اطلع على قسوة رجال الإنقاذ في السنوات الأولى من حكمهم رغم سماحة أهل السودان: من أين جاء هؤلاء الرجال؟ وأنا بدوري أقول بعد أن شهدت دورة الزمان كاملة بأهل الإنقاذ في السلطة: لماذا إذن جاء هؤلاء الرجال؟!