في ذات المكان الذي جرد فيه الدكتور حسن الترابي الأمين العام لحزب المؤتمر الحاكم في السودان الحكومة السودانية من صفة (الاسلامية) , رد الفريق عمر البشير رئيس الجمهورية على حليفه السابق بعنف وتحداه ان يثبت بالدليل صحة ما يقول. وتحدث البشير في لقاء جماهيري حاشد باستاد مدينة ودمدني (ثاني أكبر مدن السودان) بعد اقل من 72 ساعة من ندوة خاطبها الترابي, اتهم فيها الحكومة بتعطيل تطبيق الحدود الشرعية والابتعاد عن المشروع الاسلامي. وفيما دافع الأخير عن سلسلة ندواته رافضا اعتبارها خروجا عن قرارات الشورى أو تصعيدا للخلاف المتفاقم بينه وبين البشير, واصل نائبه الدكتور علي الحاج محمد هجومه على الحكومة مقللا من تحركاتها في شأن الوفاق الوطني. وبدأت الأمور تتطور بسرعة شديدة نحو نهاية غير سعيدة لتحالف البشير والترابي الذي بدأ في العام 1989 على رغم من تأكيدات مساعد البشير د. ابراهيم أحمد عمر بأن الأمر لا يزال تحت السيطرة وانه لن يؤدي الى انقسام في الصف الاسلامي. وكان البشير الذي يزور ولاية الجزيرة (وسط) هذه الأيام افتتح جولته بمخاطبة حشد جماهيري امس الأول باستاد مدينة ودمدني (جنوب الخرطوم). وفي اشارة بدت ردا على اتهامات وجهها الترابي للحكومة قال البشير: (أتحداه ان يثبت ان أي محكمة في السودان قد قضت بالقطع أو الجلد أو القتل ولم ينفذ الحكم) . وأضاف: (الانقاذ لن تبيع دينها مهما كثرت الابتلاءات الداخلية والخارجية) . وتساءل البشير: (هل السودان كان اسلاميا قبل الرابع من رمضان ومسح من خارطة العالم الاسلامي بعدها؟) . واستطرد: (لن نبيع رضا الرحمن برضا أية جهة داخلية كانت أم خارجية وعندما نتخذ قرارا نزنه بميزان الله سبحانه وتعالى) . ومضى قائلا: (إننا نريد شورى حقيقية كما كانت تتم في عهد الرسول) . واستدرك قائلا: (هناك جماعة جلست وتشاورت في موضوع (اشارة للقاء الترابي بنواب المجلس الوطني) وعندما اتى ولي الأمر (رئيس الجمهورية) قالوا له: ليس لك حق الادلاء برأيك بحجة انهم ملتزمون باللائحة.. لكن اذا اختلفت اللائحة مع أمر الله ورسوله ما هي قيمتها؟!) . وكرر البشير قوله الذي درج عليه: (لسنا طلاب سلطة أو مغنم انما اتينا الى الحكم لنقيم دولة الله في الارض) . وبدوره قال الترابي ان ندواته ومحاضراته التي يقدمها لم تتجاوز التكليف الذي منحته اياه قرارات مجلس الشورى. ونفى في تصريحات صحفية ان تكون ندواته تصعيدا للخلافات بين المؤتمر الوطني ورئاسة الجمهورية, مشيرا الى ان مشروع المعالجة الشاملة الذي اجازه مجلس الشورى اوصى بأن يكون الأمين العام ناطقا رسميا باسم المؤتمر الوطني ومسئولا عن النشاط الفكري والدعوى (وهو الأمر الذي أقوم بتنفيذه حاليا) . وشدد الترابي في تصريحات صحفية على انه سيستمر في برنامجه الفكري. ومن جهته كشف الدكتور علي الحاج محمد, نائب الترابي انه ظل مسئولا عن قضية الجنوب بمساعدة آخرين منذ بداية الثمانينيات أي قبل مجيء الانقاذ. وقال ان ذاك التكليف (يشبه تماما تكليف الحركة الاسلامية للبشير وآخرين بقيادة التغيير السياسي الذي حدث في الثلاثين من يونيو عام 1989) . وقال ان كل ما تم في قضية الجنوب (كان وفقا لقرارات الحركة الاسلامية) وهي تعتبر المرجعية الحقيقية. وليست الاشخاص. وكان نائب الترابي يرد على ما يبدو على حديث للبشير انتقد فيه اداء مساعدي الترابي في محادثات السلام مع حركة قرنق. وواصل نائب الترابي هجومه على الحكومة مقللا من اهمية التحركات التي تقوم بها لتحقيق الوفاق الوطني وقال انه غير متفائل بما يجري على الساحة السياسية ولم يستبعد في تصريحاته الصحفية ان تقدم الحكومة على حل المؤتمر الوطني. واستدرك قائلا (ولكننا لا نريد استباق الاحداث واذا اقدمت الحكومة على هذه الخطوة فإن ذلك سيكون انتكاسة كبرى واستمرارا لمسلسل نقض العهود والمواثيق) . ومن جهته رد مساعد البشير الدكتور ابراهيم احمد عمر بعنف على الانتقادات التي يروج لها الترابي ضد الحكومة متهما الأخير بتعمد التصعيد. وقال في حديثه لصحيفة (ألوان) الموالية للترابي انه يرفض الحديث عن ان المؤتمر الوطني بات خاويا وان حكومة الانقاذ لم تعد الأنموذج الاسلامي الذي يحتذى. وأمطر الترابي بسيل من السهام قائلا: (لا يحق له ان يشهّر بتجربة كان هو قائدها ومنظرها الأول من عدة سنين) . وأضاف: (اذا كان يرى ان هناك ما يستوجب النقد فإنه أعلم من غيره بأن ذاك يجب ان يتم بموضوعية لا بالشكل الذي يتم به الآن والذي اشاع الاحباط في نفوس الاسلاميين) . وقال مساعد البشير: (الترابي يرى ان اسلامية الدولة مرتبطة بوجوده فيها, فعندما كان على قمة الدولة الفكرية والتنفيذية كانت اسلامية وعندما لم يعد كذلك لم تعد الدولة اسلامية!!) .