بات كثير من اللبنانيين مقتنعاً بأن ما فعله روبير حاتم الملقب بـ(كوبرا) ليس فقط مجرد تأليف كتاب عن فضائح رئيس القوات اللبنانية والوزير السابق الياس حبيقة الشهير بـ ايلي , فالحقيقة ان كتاب (الفضيحة) ثم الحوار الذي اجرته الجزيرة مع كوبرا من خلال برنامجها زيارة خاصة والذي تم بثه منذ نحو شهر , احدث هزة كبيرة في المجتمع اللبناني, ربما تتمثل في استحضار ارواح ضحايا الحرب الاهلية اللبنانية في مواجهة كل جنرالات الحرب القذرة في وقت يحاول الجنرالات وأهالي الضحايا وضع التراب فوق الذاكرة او بالأحرى دفن الاحداث والذكريات المؤلمة تحت التراب للتخلص من كل آلامها, خاصة وان هناك قوى دولية كثيرة في مقدمتها اسرائيل تحاول النيل من تماسك وهيبة الدولة اللبنانية. وكانت كل هذه المعاني حاضرة بقوة أثناء حوار ايلي حبيقة مع تلفزيون (المستقبل) الاسبوع الماضي, كما ان تداعيات هذا الحوار تحركت بقوة من خلال فتح ملفات مجازر (صبرا وشاتيلا) سواء منها ما ورد على لسان ابنة سعد حداد حينما تقدمت لتكذب حبيقة وتشن عليه هجوماً تدافع فيه عن والدها المؤسس لجيش لبنان الجنوبي بينما حمل حبيقة في غمار دفاعه عن نفسه سعد حداد مسئولية تنفيذ مجزرة صبرا وشاتيلا. وذكرت لينا حداد ردا على حبيقة (انه يحاول الاختباء خلف رجل ميت لا يستطيع الدفاع عن نفسه وان استشهاده بروبرت فيسك واضح الغرض وهو زرع الشك والقاء الملامة على غيره ممن لم يعد يستطيع الدفاع عن نفسه) . وكان حبيقة نفض يديه في البرنامج التلفزيوني عن اي دور لقواته في ارتكاب هذه المجازر قائلاً ان هناك أربعة مراجع ومصادر تحدثت عن هذه المجازر منها:(1) تقرير لجنة كاهان الاسرائيلية (2) كتاب روبير حاتم (3) مجموعة الصحفيين الاجانب الذين كانوا في موقع الحادث ومنهم روبرت فيسك (4) مذكرات ارييل شارون وزير الدفاع الاسرائيلي خلال حرب بيروت 1982. وأوضح حبيقة ان اثنين من هذه المصادر اتهمته صراحة وهما: تقرير لجنة كاهان وكتاب روبير حاتم مدللاً على ذلك باتفاق اهداف الطرفين على تشويهه والصاق التهمة بالقوات اللبنانية وذلك انتقاماً من شخصه لأنه وقع الاتفاق الثلاثي مع سوريا وحد بذلك من النفوذ الاسرائيلي في لبنان. واستشهد حبيقة بالكثير من الفقرات الواردة في التقرير الاسرائيلي وكتاب (كوبرا) كما استشهد بالعديد من الفقرات الواردة في كتاب روبرت فيسك والتي ألمح فيها الى دور لقوات سعد حداد, والى فقرات من مذكرات ارييل شارون جاءت مناقضة لكل ما ذكره روبير حاتم. وعلى الرغم من ان حبيقة أفاض في ذكر العديد من الفقرات التي اقتطعها بالتعليق عليها ومشككا فيها ليبرئ نفسه, الا ان علامات استفهام كبيرة لا تزال تبحث عن الفاعل الحقيقي لهذه المذابح. وليست (مجازر صبرا وشاتيلا) وحدها التي لا تزال هكذا ولكن هناك ملفات عديدة تبقي على الحالة نفسها ومنها عمليات الاغتيال المتعددة التي تعرض لها الدكتور سليم الحص رئيس الوزراء اللبناني الحالي, والنائب مصطفى سعد رئيس التنظيم الشعبي الناصري اثناء الحرب. وكذلك عملية اغتيال توني فرنجية واسرته وكذلك مصير الدبلوماسيين الايرانيين الاربعة الذين اختفوا في بيروت في العام 1988. وكان (كوبرا) قد اتهم حبيقة بتدبير وارتكاب هذه الجرائم لكن الوزير حبيقة نفى اية مسئولية له عن اي منها حتى عندما تعرض لانتقادات عنيفة وتكذيب من جانب بعض المتحدثين. وربما صدق بعض المشاهدين رواية الوزير اللبناني السابق نظرا لأنه جاء مسلحاً بالوثائق والشهود والشهادات من امثال رجل الاعمال حبيب خوري الذي قال عنه (كوبرا) انه عرض شراء جثث الدبلوماسيين الايرانيين ولكن رجل الاعمال نفى ذلك نفياً قاطعاً مؤكداً في المقابل صدق رواية حبيقة بل ان حبيب خوري انضم الى الوزير اللبناني في موقفه امام القضاء تجاه (كوبرا) . وكما استطاع حبيقة حسم امر الدبلوماسيين الايرانيين لصالحه في الحوار فقد افلح من قبل ذلك في الظهور في دور الأب المكلوم فيما يتعلق برواية كوبرا عن تصفيته (سابين) ابنة حبيقة بناء على رغبته وقال (كوبرا) انها ولدت مريضة وانها ارهقت اباها (حبيقة) مما دعاه للتخلص منها, ولكن حبيقة نجح في اقناع الكثيرين بردوده ومستنداته. لكن الموقف يبدو مختلفاً ازاء الاتهامات الخاصة باختطاف رجل الاعمال روجيه تمرز الذي قيل انه اختطف بأمر من حبيقة خلال الحرب للضغط عليه من اجل ابتزازه, فقد نفى حبيقة نفياً قاطعاً اختطاف الرجل او تعذيبه لكنه اعترف بأنه دفع مليون ونصف المليون دولار للقوات اللبنانية, فرغم النفي القاطع الا ان حبيقة لم يدلل بأي مستند على ذلك كما ان صوت تمرز لم يسمع خلال الحوار على عكس شارل شالومي رجل الاعمال اللبناني الذي قال عنه (كوبرا) كلاماً مماثلاً في محاولة اتهامه لحبيقة اذ قال شارل شالومي:(ان كل ما ذكره (كوبرا) كذب ولم يتم تفجير محل السوبرماركت التابع لي ولا اعرف لماذا قال (كوبرا) ذلك) . وتناول الحوار في البرنامج التلفزيوني اغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل الذي لا يزال عالقاً برقبة اطراف عدة, فهذا الحادث من القضايا التي تتشابك فيها الجهات والمصالح والاهداف, فبينما كانت كل الاصابع تشير الى اسرائيل والى قوى لبنانية وعربية اخرى فقد جاءت تصريحات حبيقة لتزيد الامر غموضاً اذ حمل حبيقة المسئول الفلسطيني الراحل ابو اياد مسئولية قرار تصفية الجميل وحدد اللبناني (حبيب الشرتوني) الذي كان يعمل لحساب نبيل العلم امين الدفاع بالحزب القومي السوري الذي تحرك لحساب ابو اياد دون علم الحزب, وهذه الاتهامات ـ ايا كان صحتها ـ ترد لأول مرة وهو ما يزيد الامر غموضاً خاصة وان ابو اياد رحل عن عالمنا منذ سنوات بعيدة. وهو ما يصعب من عملية التأكد من مدى صحة هذه الاتهامات وهو ما تحدثت به على الهواء مباشرة الاميرة منى الصلح ابنة رياض الصلح وام الامير الوليد بن طلال اذ ردت على حبيقة بقولها.. (يجب الا تتهم الاموات, انت لصقت التهمة بـ(ابو اياد) وارتحت, فكيف نعرف الحقيقة؟) . وهكذا تقف الازمة التي احدثها كتاب (كوبرا) عند النقطة التي بدأت منها وهو اثارة اكبر قدر من الغموض على ما حدث خلال الحرب الاهلية اللبنانية, فالمشتبه بهم حاضرون لكن المتهم الحقيقي او الجاني الحقيقي غائب بينهم ولا يجرؤ احد على الامساك به والقبض عليه ولعل ابلغ ما يعبر عن ذلك ما قاله ايلي حبيقة في معرض رده على سؤال حول اتهامه بمحاولة اغتيال وليد جنبلاط: (كنا في حالة حرب, وكان جنبلاط في الموقع الآخر وليس مقبولاً ان يتم التعتيم على كل الفرقاء ويتم التركيز على فريق واحد, انا مستعد ان يجلس كل الفرقاء على طاولة واحدة, وكل منهم يتحدث عما فعل خلال الحرب ومآسيها وعندئذ انا مستعد لكشف كل شيء) . هل يحدث ذلك؟ الشعب اللبناني وحده هو من يملك الاجابة, وهذا امر لابد منه كي يتم اغلاق ملف (كوبرا) وغيره من الملفات وكي يظل ملف الجنوب المحتل وتوحيد الصفوف لمقاومة اسرائيل العدو الوحيد للشعب اللبناني هو الملف الوحيد المفتوح امام اللبنانيين. كتب احمد الكناني