هناك علامات كثيرة في رحلتي الفنية أثرت في تكويني وعطائي الفني، علامات تركت بصماتها في تاريخ السينما المصرية وأضافت إلى رصيدي الفني، من خلالها استطعت تحقيق المعادلة الفنية الصعبة التي تحمل بين طرفيها الشكل والمضمون، ومن خلالها أيضا خضت تجارب مهمة وتوغلت حتى وصلت إلى قلب المجتمع وعشت همومه ومشاكله ولعلي هنا أقف كثيرا عند آخر تجاربي في هذا الإطار، بل أنني أعتبرها أهم تجربة على الإطلاق في مشواري، وهي تجربتي مع فيلم »الآخر« .. وليست أهمية هذا الفيلم تكمن في أنني فقط أتعاون لأول مرة مع مخرج مهم طالما تطلعت للعمل معه وهو يوسف شاهين، أو لأن الفيلم لاقى احتفاء دوليا كبيرا واستقبلته الجماهير في تظاهرة حب كبيرة عند عرضه في مهرجان »كان« السينمائي الدولي، ولكن الأهم من كل ذلك أن »الآخر« وضع عيني وقلبي وعقلي على أشياء جديدة وأفكار مختلفة وعناصر مهمة وخطيرة، في »الآخر« تعرفت على نظام العولمة بسلبياته وإيجابياته، ودخول التكنولوجيا في حياتنا، ومكان الحب في زمننا الصعب والإرهاب وأسبابه وعواقبه. لمست أن الإرهاب والتطرف الديني الذي ابتلى به مجتمعنا العربي سواء في مصر أو الجزائر أو أية بقعة عربية أخرى هو من صنع هذا الآخر أو الغرب أو بالأحرى أمريكا التي نصبت نفسها لتكون الشرطي الذي يطبق القوانين ولكنها في الحقيقة تطبق قوانينها الخاصة التي تحمي مصالحها أو أغراضها. النضارة هي سمة من سمات سينما يوسف شاهين، سينما لا تداهمها التجاعيد، سينما شابة، وفي الآخر تتأكد هذه السمات حيث حاول »شاهين« تسليط الضوء على إشارات تنبه إلى مخاطر مثل نظام العولمة الذي يحاول تصدير فلسفته الاقتصادية للعالم، لكن هذا العالم له خصائص ينفرد بها كل بلد من حيث الثقافة والحضارة والواقع المعاش. والإرهاب تحول إلى ظاهرة يتصدى لها العالم، والغرب حاول حصر هذه الظاهرة في الاصوليين، ولكن للإرهاب أكثر من وجه وأكثر من اسم، فإلى جانب الإرهاب الديني هناك الإرهاب الاقتصادي، والإرهاب الفكري، وإرهاب المال والسلطة، »شاهين« في فيلمه أراد أن ينبه إلى خطورة كل ذلك وأراد أيضا أن يقول أنه قبل محاكمة الإرهاب علينا البحث عن أسبابه، كي نداوي الألم علينا الإمساك به. و»شاهين« قدم ذلك في فيلمه وهو على يقين بأن وظيفة الفنان هي استشراف الرؤية المستقبلية لأنها التي ستقود خطانا إلى غد واضح المعالم، وفي كل مشهد صورته معه كنت أشعر أنني أتلقن درسا جديدا في العطاء والحرية والإنتماء والحب والوطن. الهالة التي تحيط بيوسف شاهين وأمنية العمل معه جعلتني أندفع لدوري في هذا الفيلم وأوافق على كل شروطه وطلباته، فهو الوحيد الذي يستحق أي تنازل قدمته، لم أخف من أدائي لدور شخصية أنانية، طاغية تعشق التملك والسيطرة، ووافقت على الظهور بدون مكياج، وجاهدت لإخراج موهبتي الفنية التي ظهرت صافية كحبة الماس بدون أي زخرفة. كان بيني وبين يوسف شاهين غزل خجول من بعيد، فأنا عاشقة وفية لأفلامه، أرصده كفنانة ومشاهدة، وهو كمخرج متميز يتابعني وحين كان اسمي يحضر في مجلسه تتسع ابتسامته، وكان يقول »أحب هذه الفنانة الكبيرة ويشدني جمالها وذكاؤها«. كنت دائما راغبة لخوض التجربة معه، وتحولت إلى طالبة معه حيث تحديت كل تاريخي وخلعت عني جلد النجمة ودخلت مؤسسته التي اسميتها »الضفيرة الشاهينية« وتضفرت مع ناسه كي أصبح جزءا منهم. كنت أنظر إليه كهرم كبير، وهو كان ينظر إلي مأخوذا وخلال التصوير اكتشفت الخيط الذي بدايته العين، فلغة العيون عند شاهين هي المفتاح. تشكلت لغة العيون ما بيننا بعد يومين من التصوير، لم أكن أحسن فهم هذه اللغة فأنا من طبيعتي لا أحسن النظر إلى أحد لو أشار عامل إلى آخر أفقد التركيز وأوقف التصوير، لكن مع يوسف شاهين في »الآخر« وجدت نفسي أسيرة لغة العيون، أبحث عن عينيه وكأنهما دليلي الذي أهتدي بنوره إلى قمة الإنفعال. بعد » المرأة والساطور« وقعت في حيرة من أمري كيف أجدد نبيلة عبيد، كيف أقدمها في صورة مختلفة تشكل إضافة لرصيدي، وجاءت شخصية مارجريت في فيلم الآخر.. شخصية جديدة في شكلها وأدائها، ذهبت إلى أمريكا أكثر من مرة، اختلطت بسيدات أعمال أمريكيات عن قرب، وشاهدت كيف يتصرفن، وحفظت السيناريو، ولعبت على خيط رفيع سلاحه ابتسامة من افقة لشخصية ظاهرها يخفي مكامن خبيثة، وحاولت التوازن من خلال أداء داخلي هو مخزون تجاربي الفنية والعاطفية من جراحات وأوجاع قلبي. »شاهين« حقق لي حلما كبيرا في هذا الفيلم ولكن يبقى أرق السؤال الذي يلسعني .. وماذا بعد ذلك؟ أقول ذلك ورحلتي الفنية لا تخلو من أفلام مهمة ناقشت بعض الأوضاع السياسية في مجتمعنا المصري، وكشفت عن سلبيات وقضايا فساد كثيرة مثل »الراقصة والسياسي« و»هدى ومعالي الوزير« و»قضية سميحة بدران« و»كشف المستور« .. وغيرها كثير. وها أنا ذا أعود إلى هذا اللون من خلال فيلمي الجديد »امرأة تحت المراقبة« الذي أتعاون فيه مع المخرج الكبير أشرف فهمي بعد غياب دام 11 عاما، والفيلم يناقش مشاكل وقضايا معاصرة اجتاحت مجتمعنا مثل مافيا البنوك التي انتشرت في السنوات الأخيرة، حيث أقوم في هذا الفيلم بدور نموذج لشخصية إيجابية تتصدى للفساد وتواجهه بكل الوسائل ، وأنا أتعمد تقديم هذه النماذج الإيجابية من وقت لآخر لمواجهة الأنماط السلبية السائدة في أعمال أخرى، فليست كل النساء منحرفات ويتاجرن في المخدرات، ونحن في حاجة الآن لنماذج تمنح الأمل أكثر مما تصدمنا.