ـــ لم يحظ مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية »الاونكتاد« منذ تأسيسة عام 1964 بمثل هذا الاهتمام العالمي الذي حظي به في دورته العاشرة التي انتهت منذ ايام قليلة في العاصمة التايلاندية بانكوك، ولم تكن لهذه الدورة ان تحظى بكل هذا الاهتمام ويحدث فيها ما حدث لولا ماسبقها من احداث في المؤتمر الثالث الوزاري لمنظمة التجارة العالمية الذي انعقد في المدينة الامريكية »سياتل« في مطلع ديسمبر الماضي والمظاهرات التي لم تشهدها الشوارع الامريكية منذ عقود طويلة مضت وموجة الغضب العارمة من الدول النامية وممثليها في المؤتمر على ما طرحت عليهم الدول الكبرى الغنية من قرارات لم يشارك احد منهم في مناقشتها. استعمار جديد وبات من الواضح ان مسيرة العولمة التي تدفعها الدول الصناعية الكبرى بقيادة واشنطن وتجرها قاطرة اتفاقيات تحرير التجارة العالمية (الجات) بوقود من سياسات وخطط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تواجه عقبات شديدة تظهر بوضوح في كل منتدى ومحفل دولي ذات طابع اقتصادي، وهذا ما ظهر بوضوح في مؤتمر بانكوك على الرغم من جهود منتدى »دافوس« للترويج والدعاية للعولمة في الشهر الماضي الا ان غالبية الدول النامية اصبح لديها عقيدة راسخة بأن سياسة العولمة ما هي الا مؤامرة كبرى ومخطط كبير يستهدف اقتصاديات وسياسات هذه الدول ويسعى لوضع اسس ثابتة لشكل جديد من اشكال الاستعمار لهذه الدول مع الطفرة التقنية في عالم الكمبيوتر والاتصالات والتكنولوجيا الحديثة. كعكة تيمان ويأتي لقاء بانكوك ليمثل صفعة جديدة وسريعة على وجه العولمة تلقتها الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية وتمثلت في احداث ووقائع هذا اللقاء المثير والتصريحات الصادرة عن ممثلي الدول والمنظمات المشاركة في المؤتمر، وكان من ابرز الاحداث التي جذبت اهتمام وسائل الاعلام العالمية لهذا اللقاء المثير ما فعله الشاب الامريكي »روبرت تيمان« الذي شارك من قبل في مظاهرات »سياتل« وحضر خصيصا الى بانكوك ليلطخ وجه رئيس صندوق النقد الدولي »ميشيل كامديسيو« بكعكة من الكريمة اثناء المؤتمر معبرا عن رفضه ورفض الملايين من الشباب غيره في كل انحاء العالم لسياسة صندوق النقد التي بات واضحا انها مسخرة تماما لخدمة مصالح الدول الكبرى وعلى رأسها واشنطن ضد مصالح الدول النامية وهو ما عبر عنه »تيمان« بعد هجومه على كامديسيو قائلا: »ان كامديسيو آدار الصندوق بشكل يحمل الدمار والخراب والامراض لشعوب الدول النامية، ويكفي دليلا على ذلك ان الصندوق يشترط على الدول المتلقية لقروضه ومساعداته الا تنفق منها سنتا واحدا في التنمية الاجتماعية والصحية وهو ما يعني ان سياسة الصندوق في ظل العولمة سوف تؤدي الى انتشار الامراض والاوبئة والظواهر الاجتماعية المدمرة في الدول النامية«. مهاتير يتحدث كان هذا الحدث بالتحديد في اولى جلسات مؤتمر »الاونكتاد« في بانكوك هو التعبير الواضح عن مسيرة المؤتمر واحداثه التالية وما سوف يسفر عنه من توصيات، فقد توالت بعده تصريحات العديد من رؤساء وممثلي الدول والمنظمات والتي انصبت جميعها في نفس الاطار، ومن ابرز هذه التصريحات ما قاله رئيس الوزراء الماليزي »مهاتير محمد« معبرا عن موقف الدول النامية من سياسة العولمة حيث قال: »ان الدول النامية ترحب بالعولمة وتضع عليها امالا كبيرة في تحسين احوالها، لكننا للاسف لم نر لها اية فوائد حتى الآن، وهذا في حد ذاته يثبت ان الدول الكبرى نفسها لا تتقن قواعد اللعبة ولا تملك من الوسائل ما تستطيع به اقناع الدول النامية بالعولمة«. وحول صندوق النقد قال مهاتير ان ماليزيا مثلها مثل العديد من الدول عندما اتبعت خطط وسياسات الصندوق تدهورت اوضاعها وانتكس اقتصادها وعندما رفضنا سياساته استطعنا دون غيرنا الخروج من ازماتنا«. وتوالت تصريحات ممثلي الدول والمنظمات في المؤتمر مشابهة ومؤيدة لما جاء في تصريح مهاتير وتعكس بوضوح رفض الدول النامية للسياسات التي وضعتها الدول الكبرى للعولمة الاقتصادية والتي لم تشارك الدول النامية في مناقشة بنودها وتفاصيلها وأصبح من المتوقع ان ترفضها في كل محفل ومنتدى دولي تعرض عليها فيها. الشركات متعددة الجنسيات ومن التصريحات الملفتة للانتباه والجديرة بالاهتمام ما قاله وزير التجارة السعودي »اسامة الفقيه« الذي اشار في تصريحه وربما لاول مرة منذ عدة سنوات نسمع في منتدى اقتصادي دولي من يتحدث عن دور الشركات متعددة الجنسيات باعتبارها على حد تصريح الوزير هي المستفيد الاكبر من العولمة، فقد ناشد »الفقيه« هذه الشركات ان تتحمل مسئوليتها في توسيع نطاق الاستفادة من القتنيات الحديثة لتشمل الدول النامية واصبحت هذه الشركات المتعددة الجنسيات تسخر حكومات الدول الكبرى لمصالحها، واصبحت توجه المؤسسات والمنظمات المالية والاقتصادية الدولية وتضع سياسات المستقبل الاقتصادي للعالم كله، هذه الشركات التي يزيد عددها عن اربعة آلاف شركة عملاقة وعابرة للقارات وتملك وحدها 48% من الانتاج العالمي بينما تملك الولايات المتحدة الامريكية 27% اي انهما معا تملكان 75% من الانتاج العالمي، في الوقت الذي تملك فيه دول الاتحاد الاوروبي واليابان مجتمعين حوالي 18% من الانتاج العالمي ليصبح 93% منه في يد هذا الثالوث المهيمن المتمثل في واشنطن واليابان والاتحاد الاوروبي والذي تنبع منه رؤوس اموال استثمارات الشركات متعددة الجنسيات، ويبقى في النهاية 7% فقط هو حجم مساهمة كل دول العالم الباقية في الانتاج العالمي في الوقت الذي تملك فيه هذه الدول ما يزيد عن 60% من اسواق العالم وما يزيد عن 40% من مصادر الطاقة والمواد الخام والايدي العاملة. وتعكس هذه النسب مدى الخلل الكبير في موازين الاقتصاد الدولي والذي في ظله تحاول الدول الصناعية الكبرى فرص المزيد من هيمنتها على الاسواق العالمية ضاربة عرض الحائط بكل مصالح الدول النامية. صراع القرن الجديد ولكن هل تخضع الدول النامية لمخططات وسياسات مسيرة العولمة التي تعد لها الدول الكبرى ومراكز النفوذ الاقتصادي العالمي المتمثلة في الشركات متعددة الجنسيات وغيرها من المؤسسات المالية الدولية المسخرة لخدمة مصالحها مثل صندوق النقد والبنك الدوليين؟ من الواضح ان الامر لن يكون سهلا وان بدايات القرن الجديد سوف تشهد حلقات مسلسلة وجديدة من نضال الشعوب والدول ضد اشكال الاستعمار الاقتصادي الجديد، وهذا ما تعكسه بوضوح احداث سياتل وبانكوك وما سيليها من لقاءات ومنتديات اقتصادية وسياسية على الساحة الدولية، فقد عكس مؤتمر »الاونكتاد« في بانكوك بشكل واضح مدى الاحساس العام لدى ما يقرب من مئة دولة نامية بالظلم الواقع عليها وبالمؤامرة الكبرى التي تدبر لها وتحاك خيوطها في اوكار مراكز الهيمنة والنفوذ الاقتصادي والسياسي العالمي، وبات واضحا في بانكوك ان الدول الكبرى لم تعد على حد قول »مهاتير محمد« تتقن قواعد اللعبة، بحيث اصبحت كل مخططاتها واستراتيجياتها الموجهة ضد مصالح الدول النامية مكشوفة وواضحة للجميع، وربما ينعكس هذا بوضوح في مؤتمر »الاونكتاد« في بانكوك الذي لم يحضره من رؤساء دول وحكومات الدول الكبرى سوى رئيس وزراء اليابان »كيزو أوبوتش« الذي بذل محاولات شبه فاشلة في استعادة ثقة الدول النامية في مسيرة العولمة وحاول مغازلة واغراء دول القارة الاسيوية واعدا اياها بسعي طوكيو لتكوين شراكة اقتصادية وتجارية كبيرة معها وتكوين سوق اسيوية ذات مستقبل باهر في ظل اتفاقيات تحرير التجارة العالمية. ولكن محاولات »اوبوتش« في اقناع الدول النامية باءت بالفشل مثلها مثل محاولات رباعي المنظمات الاربعة »المغضوب عليها« والموصومة بالعمل لصالح الدول الكبرى فقط وهم سكرتير الامم المتحدة »كوفي عنان« ورئيس صندوق النقد الدولي »ميشيل كامديسيو« ورئيس البنك الدولي »جيمس ولفنسون« ورئس منظمة التجارة العالمية »مايك مور« وهم معا يشكلون الفريق الذي تصدى للدفاع عن العولمة في لقاء بانكوك لكن لم يصمد امام موجة الغضب العام من ممثلي 88 دولة من الدول النامية وممثلوا اكثر من مئة منظمة اخرى حضروا المؤتمر.