من اجتماع »سياتل« لمنظمة التجارة العالمية، الى لقاء اثرياء وملوك الاقتصاد في »دافوس« الى البرلمان الدولي الذي ضم اكثر من 190 دولة في مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية »الاونكتاد« في بانكوك كانت المحطات مثيرة وصاخبة وكاشفة لمسيرة العولمة بكل ابعادها واحتمالاتها واخطارها وفرصها والصراع كان واضحا في كل الاحوال بين الاغنياء والاغنياء، وبين الاغنياء والفقراء، حيث الاغنياء فرق ومصالح متعددة تتصارع فيما بينها من اجل مزيد من الثراء كما هو الامر فيما يتعلق بحكومات وشركات اوروبا وامريكا، وحيث الفقراء اشتات موزعون بين عمالة يهددها الفقر والبطالة في الدول المتقدمة وبين دول تعيش على الكفاف، بالاضافة الى دول اخرى تحت خط الفقر تعاني الامرّين من الفاقة والديون، وقد اتسعت قاعدة هذه الشريحة الاكثر معاناة لتضم الآن 48 دولة بعد ان كانت 25 دولة فقط عام 1971. واذا كانت لقاءات »دافوس« السنوية قد اختيرت لها تلك المناطق الباردة القصية في اسكاندينافيا لمناقشة مصير »العولمة« ومحاولة هندسة العالم، فان »سياتل« في امريكا كانت ساحة مواجهة حول التجارة العالمية التي تريدها واشنطن مفتوحة لبضائعها، وتسعى اوروبا لتقييدها حتى تحفظ حقوق مزارعيها وتحمي اقتصادها من محاولات ابتلاعه من قبل الحوت الامريكي، بينما يجلس العالم الثالث الفقير »كالايتام على مأدبة اللئام«. اما في »بانكوك« فقد كان »سوق عكاظ« مفتوحا لكل الخطب، وجاء البيان الختامي مرنا مطاطا يرضي كل الاذواق لكنه لا يأخذ ما يكفي من صناديق الاغنياء ولا يعطي الفقراء اي أمل جاد بايقاف مأساة الفوائد المركبة والديون المتراكمة التي تشل الحياة وتستنزف الميزانيات وتحول دون اي تنمية جادة. ووسط هذه الدوامة اين يقف العرب والى اين يسيرون؟! عناصر قوة غائبة يسجل العام 2000 وصول عدد سكان الوطن العربي الى 284 مليون نسمة، ويمتد وطنهم الكبير على مساحة تصل الى 12 مليون كيلومتر مربع في قلب العالم القديم والعالم اجمع. فبالمساحة وعدد السكان يعتبر الوطن العربي في الدول الكبرى، وهو من الانداد القريبين من الولايات المتحدة القوة العظمى المهيمنة ومن الاتحاد الاوروبي الساعي الى تكوين القوة العظمى المنافسة، وإذا كانت روسيا تفوق العرب مساحة فانها دونهم بكثير بالنسبة الى عدد السكان. يمتلك العرب ايضا الموقع الاستراتيجي الحاكم الذي يعتبر بحد ذاته ثروة كبيرة في السياسة والتجارة والسياحة، ولطالما كانت اهمية هذا الموقع سببا لصراع الحضارات ونشوب الحروب الكبرى على ارض هذا الوطن، وطالما تقرر على ارضه مصير الامبراطوريات. ومن عناصر قوة العرب في عالم العولمة ايضا هذه السلعة الاستراتيجية النبيلة والغالية التي حباهم الله بها سبحانه وتعالى، وهي النفط الذي يعتبر القوة المحركة الاساسية للحضارة والمدنية في القرنين العشرين والحادي والعشرين، وحيث لا يشكل اي مصدر آخر من مصادر الطاقة المعروفة حتى الآن منافسا جديا له سواء من حيث السعر او الاداء او مرونة الاستخدام. لكن الاهم من ذلك ان قوة النفط الحقيقية لا تكمن فقط في استخدامه كمصدر للطاقة، وإنما في »الاستخدامات النبيلة« الهائلة الاتساع والممتدة من البتروكيماويات الى ارقى الصناعات الالكترونية والهندسية، حيث تدخل مشتقاته في ادق واخطر الاختراعات والابداعات. فالنفط بهذه المعايير احدى اهم سلع »العولمة« واهم مفاتيح اقتصاد العصر، وهو ما يفسر حجم الضغوط التي تتعرض لها المنطقة العربية، والحروب الدامية التي تفوح منها روائح النفط بعد ان اضيفت الى دوافع الموقع الاستراتيجي. ومن العناصر المهمة ايضا التي تؤهل الامة العربية لتكون احدى القوى الاشد تأثيرا في عالم العولمة، هذه الرسالة العظيمة التي حملها (بتشديد الميم) الله سبحانه وتعالى امانة الايمان بها ونقلها الى الناس كافة، وجعلها بذلك امة عالمية التأثير انسانية الطابع، وسطا بين الامم. وهناك من يرى ايضا ان العرب يمتلكون ميزة اخرى ما زالت في رحم الغيب تؤكد مكانتهم في عالم العولمة، وهي »الطاقة الشمسية« حيث يتمتع وطننا باحدى اعلى مواقع سطوع الشمس في العالم. لكن نظرة الى معطيات الواقع تؤكد ان حالة التجزئة العربية اهدرت الموقع وجعلته عبئا لا ميزة بعد ان اصبح رهينة لدى القوى العالمية الغالبة، وغابت معه المساحة والكتلة السكانية، واستحالت السيطرة العربية فيه على سلعة النفط الاستراتيجية، واصبح الاسلام غريبا، والجناح العربي مهيضا وضعيفا وموزعا بين 22 دولة لا تغني ولا تسمن ولا تحمي بمقاييس عالم العولمة. خسائر كبيرة التفكك، وغياب السوق العربية المشتركة والتكتل الاقتصادي العربي، حرم العرب من ميزة مهمة هي الاعفاء من الاعباء والالتزامات خلال الفترة الممتدة من عام 1995 الى عام 2005 حسب اتفاقيات منظمة التجارة العالمية. لكنه اكثر من ذلك اضاع عليهم فرصة ان يشكلوا قوة تفاوضية مؤثرة وقادرة على المساومة مع القوى الكبرى لتحقيق المصالح العربية، وهذا ما دفع لتصنيف معظم الدول العربية ضمن قائمة الفقراء والمتلقين والمنتظرين للمعايير الدولية التي تمت صياغتها بالانسجام مع مصالح الدول الكبرى، مما يهدد على المدى البعيد مصير السلع والدول بما في ذلك تلك التي تتصور انها الاقدر على التعامل مع الليبرالية وعالم الاقتصاد الحر. ولكي يمكن تصوير حجم الاخطار المتوقعة من الناحية التجارية فقط، من المفيد استعادة تقديرات »الاونكتاد« التي رأت ان الدول الفقيرة التي فرض عليها ان تفتح اسواقها امام منتجات الدول الغنية المتقدمة »تخسر 700 بليون دولار في السنة في الصناعات المنخفضة التقنية وحدها وهو ما يعادل 14 ضعفا لما يقدم من مساعدات مع ان الدول الغنية لا تقدم ما تتعهد عادة بدفعه«. الاخطر من ذلك ان مشكلة الديون الواقعة على الدول النامية والتي ارتفعت من 75 مليار من الدولارات عام ،1982 الى 600 مليار دولار عام 1995 وستتجاوز 1500 مليار عام 2002 اذا استمرت نسب الفوائد المركبة وتكاليف خدمة الديون العالمية الراهنة. ويؤكد البنك الدولي ان مشكلة ديون بلدان العالم الثالث تكمن في ارتفاع معدلات الفائدة وانه خلال الفترة من عام 1972 الى عام 1992 اقترضت دول العالم الثالث مجتمعة حوالي 1.935 تريليون دولار، وبلغ مجموع ما سددته من اقساط وفوائد عن هذا الدين خلال الفترة نفسها 2.237 تريليون دولار، ورغم ذلك ظلت مدينة بنحو 1.7 تريليون دولار، وهو ما يعني ان اجمالي المبلغ المقترض البالغ 1.935 تريليون دولار استحقت عليه فوائد بلغت 2.002 تريليون دولار، وهو ما يعني ان الدول المانحة استردت اكثر من ضعف قروضها، وهذا ما يؤكد ان مشكلة الديون هي قضية فوائد متراكمة بالدرجة الاولى (راجع البيان 25 أبريل 1999). وهكذا تتم عملية نضح ثورة العالم الثالث بالديون وتكاليفها الباهظة وبالتجارة الدولية المجحفة التي تفرض على خامات ومنتجات العالم الثالث ارخص الاسعار بينما تصدر اليها السلع المصنعة باسعار باهظة، هذا فضلا عن القيود الحمائية التي تفرضها الدول المتقدمة وتفرض مقابلها الاسواق المفتوحة في العالم الثالث. والوطن العربي جزء من هذا العالم الثالث، ويعاني نفس مشكلاته، حيث الديون اجتاحت الاقتصاديات العربية، بما في ذلك اقتصاديات معظم الدول النفطية، وحيث الاستنزاف التجاري والمالي مستمر.. هذا فضلا عن ما يعانيه الوطن العربي من حروب مهلكة ومكلفة ومن ازمة مائية مستحكمة. ولا مخرج الا بتكتل اقتصادي عربي وتضامن جاد يعيد تفعيل عوامل القوة ويكبح جماح التردي والاسر في عصر عولمة لا ترحم الضعفاء.