لا شك ان ما حدث في سياتل، قد القى بظلاله الكثيفة والمخيفة على المجتمعين في بانكوك، وكان ما ثلا في اذهان الاغنياء قبل ضمائر الفقراء، لكن هل يمكن الزعم بأن »اعلان بانكوك« الصادر عن الاونكتاد العاشر قد اصلح ما افسدته عاصفة سياتل، واللاءات التي دوت في مواجهة قطار العولمة افسدته عاصفة سياتل واللاءات التي دورت في مواجهة قطار العولمة (الامركة الواهم)؟ الى حد بعيد فان الاعلان الذي جاء في ختام المؤتمر العاشر للتجارة والتنمية قد عكس الى جانب الرغبة في تجنب تكرار مأساة سياتل ـــ الاطار الحقيقي الحاكم للعلاقات الاقتصادية الدولية تحت ظلال غول العولمة ويشبه ذلك الامر كثيرا الحكاية الشهيرة عن الثعلب وطائراللقلق، اذ دعا الاول الثاني الى وليمة شهية ، لكنهن قدم الطعام في اوان مسطحة لا يستطيع اللقلق ان يتناول منها بمنقاره ما يسد رمقه! الحل الوسط كان ذلك المثال بالتحديد ما راق الرئيس الجزائري بوتفليقة فضمنه كلمته امام المؤتمرين في بانكوك، لكن الامور ظلت تجري في اعنتها، فجاء الاعلان الختامي للمؤتمر محكوما بالتوازنات الفعلية التي تحكم مسار وتوجهات الاقتصاد المعولم، وكان اقصى ما امكن التوصل اليه مجرد حلول وسط بين الاغنياء والفقراء حول القضايا الخلافية فكانت المحصلة النهائية العودة للمربع رقم واحد! من هذا المنطلق كان اعلان بانكوك اقل طموحا ليس فقط من تلك الآمال التي راهنت عليها الدول الفقيرة بنشوة ما حدث في سياتل ولكن حتى من مشروع الاعلان الذي تسربت ملامحه قبل التوصل الى الصياغة النهائية المعلنة في ختام المؤتمر وبدلا من ان يكون الاعلان خطة عمل او خريطة محددة تسهم في رسم معالم الطريق خلال عقد او ربع قرن قادم، فان الاعلان حمل الكثير من الصياغات الانشائية الفضفاضة العامة والمتداخلة، ساوت في احيان كثيرة بين مسئولية الجاني والضحية! فشل الفقراء في الحصول على تعهد واضح من الاغنياء حول حرية الوصول الى الاسواق الواسعة في الدول المتقدمة والغنية رغم ان رئيس البنك الدولي جيمس ولفنسن اعترف امام المؤتمر بأن الدول الصناعية ينبغي عليها ان تفتح اسواقها بصورة اكبر امام صادرات الدول النامية لاسيما اكثر دول العالم فقرا مؤكدا ان ذلك هو السبيل الوحيد لانشاء نظام تجاري دولي اكثر عدلا. تراجع نسبي وفي قضية الديون المتراكمة على الول الفقيرة سجل الاعلان الختامي تراجعا واضحا مقارنة بما كان قد تضمنه مشروع الاعلان الذي ذهب الى ان تخفيف اعباء الدين يجب ان يشكل جزءا من اطار شامل يضمن عدم مواجهة الدول المدينة للمتأخرات من جديد بازالة الاسباب الهيكلية للمديونية ومساعدة الدول المانحة للدول الفقيرة على تحقيق انطلاقة جديدة بما في ذلك تنفيذ المبادرة التي اتخذتها الدول الصناعية الكبرى في قمة كولونيا من اجل تخفيف اعباء الديون على نحو اسرع واعمق واوسع نطاقا. بالمقابل لم يشر الاعلان الختامي الى قضية الديون الا اشارة عابرة في البند الخامس في سياق الحديث عن التحديات الرئيسية التي تنتظر الجميع، وهي ضمان الادماج الفعال لجميع الدول في النظام التجاري الدولي... و... التغلب على مشكلة الديون و.... وربما فات لجنة الصياغة الملاحظة الذكية التي اشار اليها ولفنسن في اطار ربطه لقضيتي الديون وفتح الاسواق بقوله »ان تخفيف ديون العالم النامي وتقديم المزيد من المعونات له، دون فتح الاسواق امامه بشكل اكبر يعد حمقا! تعامل الاعلان الختامي مع قضية نقل التكنولوجيا بذات الاسلوب فبينما كان مشروع الاعلان يؤكد على مشروع الاعلان يؤكد على ضرورة مساعدة الدول النامية في تقييم احتياجاتها التكنولوجية وتحديد موردي التكنولوجيا وعقد صفقات وشراكات تكنولوجية تعود بفائدة متبادلة في مجالات مثل تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الحيوية والتكنولوجيا السلمية بيئيا جاء الاعلان الختامي حاملا اشارات سريعة متفرقة مرة حول »تعزيز القدرات التكنولوجية للدول النامية واخرى في سياق الحديث عن التعامل المتكامل مع التنمية والمسائل المترابطة في مجالات التجارة و.. والاستثمار والتكنولوجيا و... تجاهل متعمد قبيل بدء فعاليات مؤتمر بانكوك ذكرت شبكة C.N.N ان الامم المتحدة سوف تطرح خطة لدمج الدول النامية في منظومة الاقتصاد العالمي في شكل وثيقة عالمية جديدة تكون بمثابة »عقد بين الدول الغنية والفقيرة لضمان التوزيع العادل لمصادر الثروة لكن هذا الطموح تضاءل هو الاخر واقتصر الامر في الاعلان الختامي على اشارة حول السعي الى المساواة والمشاركة من قبل الجميع »وتعزيز التعاون في ميادين التجارة والاستثمار والمنافسة..«! المثير ان الاعلان اكتفى بالتأكيد على ضرورة زيادة تماسك السياسات على الصعيدين الوطني والدولي واسترشاد السياسة العامة الوطنية والدولية بالتضامن والاحساس القوي بالمسئولية الاخلاقية هكذا دون ان يحدد المسئولية النسبية لكل طرف عن تكريس الفقر المدقع والتخلف الانساني في دول الجنوب بل ان الصياغة كما جاءت في الاعلان تعني الى حد بعيد تساوي مسئولية المناخ الدولي مع البيئة الوطنية مع ما يحمله ذلك من مغالطة. واذا كان الاعلان الختامي قد تعمد تجاهل الاشارة الى الخطة التي توهت بها الـ C.N.N فان اضعف الايمان كان يتمثل في اشارة الى نظام بديل للعلاقات الاقتصادية الدولية يهدف الى تحقيق التنمية والعدالة، او يوازن بين تحرير التجارة والقواعد العادلة التي يجب ان تحكمها لتحجيم المخاطر التي تواجهها الدول النامية والفقيرة نحو اربعة اخماس البشرية في ظل العولمة المتوحشة وتحرير الاقتصاد العالمي لصالح الشركات المتعددة الجنسية، لكن ذلك لم يحدث! الضرب تحت الحزام في ذات الاتجاه كان ثمة تفاؤل يبدو انه كان في غير محله بأن يتم تضمين اعلان بانكوك اشارة تتعلق بالعمل على الغاء التعريفات الجمركية المفروضة على منتجات دول العالم الاقل نموا في اسواق الدول الغنية والمتقدمة، وهو الاقتراح الذي تقدم به الاتحاد الاوروبي للمرة الاولى اثناء اجتماعات منظمة التجارة في سياتل لكن الاعلان التزم هنا ايضا بسياسية الحد الادنى مكتفيا باشارة الى التنفيذ التام للمعاملة الخاصة والتفضيلية بالنسبة لسلع الدول النامية في اطار اتفاقات منظمة التجارة العالمية وهو امر محل نزاع وجدل دائم لاسيما في ظل الاجراءات الحمائية الامريكية. ربما كان ذلك خافزا لاعلان المفوض الاوروبي للتجارة والتنمية بول نيسلون عن مواصلة الاتحاد الاوروبي الالتزام بفتح اسواقه امام تسعة وتسعين في المئة من منتجات اربع وثمانين من الدول الاعضاء فيب مجموعة الدول النامية واعفاءها من الضرائب والتعريفات الجمركية. وقد يحمل اعلان المفوض الاوروبي في طياته نوعا من الضرب تحت الحزام تجاه واشنطن المعروفة بنزعتها المتشددة تجاه الاونكتاد بل ووجوده من الاساس! لانه يثير ذكرياتها فيما يتعلق بنجاحات سابقة احرزها ولم تعتبرها واشنطن في مصلحتها فضلا عن الهوة التي تفصل الموقفين الاوروبي والامريكي بشأن التجارة الدولية، وبدت شديدة الوضوح في سياتل وقبلها في اكثر من ازمة دارت رحاها بين ضفتي الاطلسي. في نفس السياق جاءت اشارة وزير الدولة الالماني ايد اوتيس الذي شارك في مؤتمر بانكوك من انه »لكي نكون جديرين بالثقة ينبغي علينا نحن الدول الصناعية ان نقدم الدليل على اننا نتعامل بجدية حقيقية مع مشكلات الدول النامية وان لدينا نية مساندة عملية دمج اقتصاديات هذه الدول في نشاط السوق العالمية بشكل فعال«. ولم يفت الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان رصد هذا السجال فأشار الى ان الدول النامية بمساعدة الاونكتاد قد قامت بدور موحد، وانشط مما قامت به في المؤتمرات السابقة بينما ظلت الدول الصناعية اسيرة للجدل القائم بينها حيث تحبذ جميع حكوماتها التجارة والحرف من حيث المبدأ الا ان كثيرا ما يحتاج ذلك القوة السياسية لمواجهة اولئك الذين اصبحوا يعتمدون على الترتيبات الحمائية داخل بلادهم. والى حد بعيد فان الولايات المحدة هي اكثر من ينطبق عليه تلميحات عنان لانها فسلت حتى في اجادة دور الثعلب في حكايته الشهيرة مع طائر اللقلق. التقاط الانفاس هكذا فانه رغم ان محصلة الاونكتاد العاشر لم تك صفرا، الا انها عادت بالجميع الى المربع رقم واحد! تجنب المشاركون في مؤتمر بانكوك تكرار سيناريو سياتل لكن تقدمهم كان على طريقة خطوتان للامام خطوة للخلف! لقد قدم الاعلان الختامي مفاهيم عامة لكنها لم ترق الى صياغة اجراءات فعالة. ربما كان مثلا في اذهان الفقراء ان ثمة نية مبيته نحو تقويض دور الاونكتاد او تهميشه واعتماد منظمة التجارة العالمية مسئولا وحيدا عن تنظيم شئون التجارة الدولية في اطار اعادة هيكل المنظمات الاقتصادية العالمية فلم يشؤوا منح فرصة مواتية لهدم المعبد على رؤسهم قبل الاخرين باعتبار الاونكتاد منظمة تسمح لهم بمساحة معقولة للتعبير عن مواقفهم ومصالحهم فضلا عما تقدمه من مساعدات للدول النامية والاقل نموا كمواجهة اعبائها واشراكها في العولمة وان بقدر متواضع من الفاعلية. وبمعنى من المعاني، فان ما حدث في بانكوك كان ـــ في جوهره ـــ محاولة لالتقاط الانفاس استعدادا لجولة اخرى من المفاوضات حول القواعد المنظمة للتجارة الدولية وان كان الدرس الذي لايمكن ان يتجاهله اي طرف في اللعبة انه لا مفر من فتح الابواب امام معارضي العولمة، والمتضررين منها للمشاركة في تأسيس النظام الاقتصادي العالمي الجديد، لان ذلك الامر يمثل الضمانة الاكثر ملاءمة لتوزيع اكثر عدلا لتكاليف العولمة خاصة مع تقاطع المصالح المتزايد بين فقراء الجنوب، وقطاعات عديدة في عقر دار الشمال الغني كما وضح ذلك جليا في سياتل. ولان المعركة لم تحسم بعد ولن تحسم في مدى منظور فان كل الاطراف تعيد تنظيم صفوفها وتعيد حساباتها في وقت يشهد النظام العالمي تغييرات عميقة وازمات حادة تنعكس بوضوح على النظام التجاري الدولي وتعبيراته المؤسسية واذا كانت منظمة التجارة العالمية لاتمثل بصدق مصالح اكثر اعضائها فان الاونكتاد يمكن ان يحدث عبر اصلاحه وتفعيله درجة من درجات التوازن المطلوب لخلق آلية لانجاز ضوابط تجارة دولية اكثر عدلا وتضع في الاعتبار ضرورة الترابط بين السياسات التجارية والمالية والتنموية والعلاقة الجدلية الحاكمة لتلك السياسات على المستوى الدولي. عملية علاجية اذا كان مؤيدو الاونكتاد قد وصفوا مؤتمر بانكوك بانه عملية علاجية مهمة لمحادثات التجارة الدولية بعد ما منيت به في سياتل من فشل غير مسبوق فان تلك الرؤية يجب ان تمتد الى دور الاونكتاد ذاته بمعنى ان ثمة عملية علاجية اكبر واوسع نطاقا للاونكتاد يجب ان تبدأ دون ابطاء او تأجيل، في مواجهة محاولات التقويض والتهميش التي استهدفته لصالح دعم وتوسيع دور منظمة التجارة العالمية بل والسعي لاستئثارها بكل شئون التجارة الدولية وآلياتها وقواعدها. ان المناخ الحالي موات اكثر من اي وقت مضي لاصلاح الاونكتاد بهدف زيادة فعاليته وآليات عمله في التجارة والتنمية الدولية عبر دعم اجهزته وميزانيته، وتفعيل دوره في بناء توافق اراء دولي حول مفهوم للعولمة، يؤكد التعاون والتقارب بدلا من تكريس التباعد والمواجهة واجراء مراجعة جادة لمسيرة التعاون الدولي، وتضييق الفجوة الرهيبة بين اغنياء العالم وفقرائه وارساء قواعد عولمة مقننة تجسر عملية بناء شراكة حقيقية تحدد بوضوح ماهو المطلوب من كل طرف، وتضع نصب الاعين ان التنمية حق اساسي من حقوق الانسان. واخيرا.. فان حاصل ما حدث في سياتل مضروبا في ما تمخض عنه الاونكتاد العاشر يمكن ان يمثل اساسا لتحرك جاد بهدف تفعيل مسيرة الاونكتاد خلال المرحلة القادمة وصولا الى خلق قنوات تعبير وضغط في مجال صياغة علاقات التجارة الدولية والتخفيف من وقع الممارسات التي تقوم بها الولايات المتحدة بشكل خاص، والدول الصناعية بشكل عام في مفاوضات التجارة الدولية وربما لاتتكرر فرصة مماثلة لتعديل التوازنات غير العادلة القائمة الآن قبل زمن قد يطول كثيرا!