لا شك ان تعبير »العولمة« كان هو الاشهر والاكثر تداولا بين الكتاب والمفكرين والمعلقين السياسيين خلال العقد الاخير من القرن الماضي وحتى الآن فقد عقدت من اجلها الكثير من الندوات والمؤتمرات ودار حولها جدل واسع وخلاف كبير فهناك من يرى انه لم يعد هناك طريق سوى الانصياع لمتطلباتها لانها ستكون الطريق الوحيد لاحداث نهضة اقتصادية واجتماعية وتحسين الظروف المعيشية لفقراء العالم عندما يصبح العالم »قرية واحدة كبيرة« وخاصة بعد ثبوت فشل النظام الاشتراكي بانهيار الاتحاد السوفييتي. وعلى الجانب الآخر يرى اخرون ان العولمة ما هي الا اسلوب جديد لزيادة الفجوة بين الفقراء والاغنياء في العالم حيث ان المستفيد منها هي الدول الغنية القوية التي تستطيع فرض سلعها وخدماتها ومنتجاتها على الاخرين وخاصة اسواق الدول الفقيرة النامية وفي الوقت نفسه تفرض قيودا على صادرات ومنتجات هذه الدول حتى لا تنفذ الى اسواقها وهؤلاء يرون ايضا ان هذه العولمة كما يقول المفكر د. جلال امين في أحد مؤلفاته: »تتضمن الكثير من المخاطر والتهديد لسعادة الانسان ورفاهيته وشعوره بالاستقرار.. هذه المخاطر تأتي مما يسمى بثورة المعلومات ومن اكتساح قيم المجتمع الاستهلاكي ومن انتشار ما يمكن تسميته بحضارة السوق اي تحويل كل شيء الى سلعة، العولمة في نهاية الامر هي اكتساح اشياء معينة للعالم بأسره، وهذه الاشياء تشمل ليس فقط سلعا وخدمات بل تشمل ايضا المعلومات وقيم المجتمع الاستهلاكي وقيم حضارة السوق.. »الملف« التقى الدكتور حمدي عبدالعظيم مدير مركز البحوث والدراسات الاقتصادية بأكاديمية السادات للعلوم الادارية والدكتور حسين الكامل مستشار التعاون الدولي بالامم المتحدة ومركز المعلومات واتخاذ القرار برئاسة مجلس الوزراء المصري لالقاء الضوء على العولمة وهل ستساعد على زيادة الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة؟ وكيف يمكن ارساء قواعد عولمة مقننة من شأنها ترسيخ اسس علاقات اقتصادية دولية متوازنة تهيىء المناخ لاقامة شراكة حقيقية تكفل لجميع اطرافها فرصا متكافئة للاستفادة من مزايا النظام التجاري متعدد الاطراف؟ وما هي اهمية قيام الدول المتقدمة بشطب الديون المستحقة على الدول النامية؟ فضلا عن الكيفية التي يمكن بها للدول العربية خلق تكتلات استراتيجية فيما بينها لتعزيز وضعها التفاوضي والاقتصادي في ظل العولمة«. ظاهرة ليست جديدة بداية حرص الدكتور حمدي عبدالعظيم مدير مركز البحوث والدراسات الاقتصادية باكاديمية السادات للعلوم الادارية ان يؤكد ان العولمة كظاهرة ليست جديدة ولكنها تعود الى القرن التاسع عشر فترة الاستعمار الاوروبي لبعض الدول الافريقية والاسيوية ودول امريكا اللاتينية، لقد كانت العولمة موجودة في العلاقات التجارية والاقتصادية التي كانت تربط هذه الدول الاوروبية المستعمرة بمستعمراتها حيث كانت هناك حرية تجارة وكانت العولمة في هذه الحال لا تقتصر على السلع فقط، وانما تشمل الخدمات والملكية الفكرية والاستثمار ورأس المال فقد كان هناك شركات فرنسية وانجليزية في مصر والهند على سبيل المثال، تطور الامر وتغير الحال بعد الحرب العالمية الثانية واخذت العولمة شكلا جديداً ففي فترة ما بعد الحرب استطاعت دول كثيرة أن تنال استقلالها وبالتالي حدث نوع من الخصام والعداء للدول التي كانت تحتلها وكثير منها اتجه ناحية المعسكر الشرقي ونشأت علاقات تجارية واقتصادية مع الاتحاد السوفييتي ودول اوروبا الشرقية بعيدا عن الدول الاوروبية التي كانت تستعمرها مثل فرنسا وبريطانيا وايطاليا، هذه الدول التي اقامت علاقات مع الاتحاد السوفييتي وفضلت تطبيق النظام الاشتراكي لم ترحب بالاستثمار الاجنبي وكانت هي التي تقوم بالانتاج والاستثمار والاستيراد وعزلت نفسها عن الدول الاخرى وخاصة الدول الاوروبية ومعها الولايات المتحدة الامريكية. ويضيف الدكتور حمدي عبدالعظيم: ولكن بعد زوال الاتحاد السوفييتي وانهياره اخذت العولمة شكلا جديدا آخر حيث تنصلت الدول التي كانت تطبق النموذج الاشتراكي عنه، وبدأت تندمج في النظام الرأسمالي العالمي وتطبق اليات السوق الحرة وترحب بالاستثمار الاجنبي وتعطيه المزايا المتعددة كما حرصت على ان تتوسع في التجارة في السلع والخدمات مع الدول الاوروبية والولايات المتحدة الامريكية لانها وجدت ان الطريق المناسب هو الاندماج في الاقتصاد العالمي، ومن هنا وجدنا ان هذه الدول التي كانت تطبق النموذج الاشتراكي بدأت تسعى الى اتخاذ عضوية البنك وصندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية وتغيرت النظرة الى هذه المؤسسات والمنظمات من مؤسسات استعمارية الى مؤسسات تساعد على تحسين فرص الاستثمار والاصلاح الاقتصادي، وبدأت المؤسسات الدولية تساعد هذه الدول بشرط ان تندمج في نظام الاقتصاد الحر وتتخلى عن كل مبادىء الاشتراكية وهو ما نجحت فيه الجولة الاخيرة في محادثات اورجواي عام ،1994 والتي على اثرها بدأت منظمة التجارة العالمية عملها عام ،1995 واصبحت المنظمة الضلع الثالث مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في تشكيل النظام العالمي.. هذه المنظمة كان كل همها ازالة العقبات التي تحد من حرية التجارة وحركة السلع والخدمات ورأس المال وحماية الملكية الفكرية وتحرير رأس المال والاستثمار واتاحة الفرصة لكل الدول للتعامل في كافة الانشطة في الدول الاخرى الاعضاء مع الغاء الدعم بشكل مرحلي والغاء الحصص الاسيترادية بالنسبة للغزل والنسيج والملابس الجاهزة وتحرير تجارة الادوية، وبالتالي اصبح المفهوم الجديد للعولمة انها انفتاح وسياسات خارج الحدود ساعد عليها ظهور شبكة الانترنت التي لعبت دورا هاما في تقريب الحدود وازالة الحواجر عن طريق نقل المعلومات بالبريد الالكتروني، وعرفنا التجارة الالكترونية وثورة الاتصالات ممثلة في الاقمار الصناعية والفضائيات وشبكة الانترنت والتي سهلت الاتصال وجعلت اعمال البورصات والخدمات المصرفية تنتقل من دولة الى اخرى بسرعة شديدة وهو ما دعم فكرة اقامة النظام العالمي في اطار منظومة الدولة الواحدة. مزاعم مختلفة ويشير الدكتور حمدي عبدالعظيم الى ان الممارسات التي حدثت من جانب الدول المتقدمة جعلت الدول النامية تشكك في نواياها بشأن مساعدتها وايقنت ان العولمة تعني فتح ابواب الدول النامية امام منتجات الدول المتقدمة، بيما تحرص الدول المتقدمة على فرض القيود ووضع الحواجز امام صادرات الدول النامية تحت مزاعم مختلفة مثل حماية البيئة او عمالة الاطفال او حقوق الانسان واصبحت الدول المتقدمة تتفق في وضع الاجراءات التنظيمية المعوقة امام صادرات الدول النامية، وهو ما أدى الى تزايد الفجوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة ومن هنا نتفهم اندلاع المظاهرات في سياتل لقد اظهرت الارقام ان مكاسب الدول المتقدمة من العولمة بلغت 300 مليار دولار منذ عام ،95 في حين حققت الدول النامية خسائر نتيجة لفقدانها للشروط التفضيلية التي كانت تتمتع بها من قبل وزوال المزايا المرتبطة بالدعم بالنسبة لوارداتها من الغذاء، بينما لا تمتلك التكنولوجيا المتقدمة ولا التكلفة المتخفضة التي تساعدها على المنافسة، وبالتالي بدأت الدول النامية توحد صفوفها من خلال مجموعة الخمسة عشرة وفي الاونكتاد للدفاع من مصالحها التي شعرت انها مهددة. علاقات اقتصادية متوازنة وفيما يتعلق بامكانية ارساء قواعد عولمة من شأنها ترسيخ اسس علاقات اقتصادية دولية متوازنة يقول الدكتور حمدي عبدالعظيم: هذا يتطلب اولا: اعادة النظر في آليات العولمة بحيث يتم فتح الابواب لتدفق السلع من الدول النامية الى الدول المتقدمة وازالة الحواجز التي تفرضها هذه الدول، ثانيا: لابد من حل مشكلة المديونية الخارجية بالنسبة للدول الاشد فقرا والتي يصل عددها الى 50 دولة، ثالثا: مساعدة الدول المتقدمة للدول النامية على تطوير التكنولوجيا الموجودة لديها واساليب الانتاج وتقديم المعونة الفنية الميسرة التي تساعد هذه الدول على امتلاك قدرات المنافسة وتطوير الادارة العلمية للمشروعات في تلك الدولة، بالاضافة الى مساعدة الدول المتقدمة للدول النامية على تقوية تكتلاتها وليس اضعافها كما تفعل في الوقت الحالي. على الجانب الاخر يجب على الدول المتقدمة ان تتكتل وتوحد صفوفها في مواجهة تكتلات الدول المتقدمة خاصة تكتل اوروبا الموحدة و»النافتا« ولابد من تنشيط الجمعيات الاهلية والمنظمات غير الحكومية لكي تقوم بالانشطة ذات الطبيعة الاجتماعية التي تحقق التعويض الاجتماعي عن سلبيات العولمة المتمثلة في تقوية صادرات الدول المتقدمة واضعاف صادرات الدول النامية كذلك لابد من وجود ضوابط للانفتاح على العالم الخارجي، وهذا يعني اعادة اكتشاف دور الحكومة بحيث تهتم بالرقابة والتشريعات والسياسات التي تكفل الحماية للصناعات الوطنية، ومنع حدوث مشكلة البطالة أو تفاقمها، ومنع الاحتكارات التي يمكن ان تحدث نتيجة العولمة ومنع الاغراق وحماية الطبقات المحدودة الدخل في اطار سياسات لاعادة توزيع الدخل القومي. وبالنسبة للاستثمار يضيف الدكتور حمدي عبدالعظيم ـــ لابد من وضع ضوابط للاستثمار الاجنبي بحيث يتم توجيهه الى الانشطة التي تستخدم عمالة كثيرة للمساهمة في حل مشكلة البطالة وزيادة الصادرات الى الخارج وحماية العملة الوطنية، والجهاز المصرفي والبورصات المالية من سلبيات العولمة وحتى لا يتكرر ما حدث في جنوب شرق اسيا وروسيا والبرازيل والمكسيك من آزمات عالمية. وحول ما هو المطلوب من الدول العربية من اجل خلق تكتلات استراتيجية فيما بينها لتعزيز وضعها التفاوضي في ظل نظام العولمة يقول الدكتور حمدي عبدالعظيم: لابد من تقوية الاجراءات الخاصة بمنطقة التجارة الحرة العربية التي بدأ العمل بها منذ يناير عام 1998 وبحيث تلتزم كافة الدول بنسب التخفيض المتفق عليها في الجمارك وهي 15% سنويا والتوسع فيها وتطوير الصناعات الوطنية للتخلص من سيطرة قطاع النفط على اقتصادياتها وتطوير التكنولوجيا العربية للعمل على زيادة القدرة التنافسية العربية كما انه لابد من ربط البورصات العربية ببعضها البعض في اطار بورصة عربية موحدة واتحاد لتسوية المدفوعات بين البنوك العربية ووجود سياسات موحدة بين الدول العربية تجاه العالم الخارجي في مجالات التصدير والاستيراد والصناعة والاستثمار. عولمة تبادل المعرفة اما الدكتور حسين الكامل مستشار التعاون الدولي بالامم المتحدة ومركز المعلومات واتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري فيرى ان اهم سمة للعولمة في القرن الجديد هي عولمة تبادل المعرفة والمعلومة فهناك بلدان مثل كوريا على سبيل المثال استطاعت ان تحول كل اقتصادها الى الاقتصاد الذي يعتمد على تكنولوجيا المعلومات، هذا الامر غاية في الاهمية ويكفي ان نعرف ان 70% من حجم التجارة الامريكية في الوقت الحالي تجارة الكترونية تتم من خلال شبكات الانترنت وبحيث يستطيع اي شخص او وفد تجاري أن يجري تعاملاته من بيع وشراء وعقد صفقات دون ان يخرج من منزله او يبارح وطنه. وعن رأيه فيما يتعلق بزيادة الفجوة بين الدول المتقدمة الغنية والدول النامية الفقيرة بسبب العولمة نتيجة للقيود التي تفرضها الدول الغنية على صادرات الدول الفقيرة يقول الدكتور حسين الكامل: رغم انه لا خلاف على ان الدول النامية ستتأثر من تطبيقات العولمة ولكن سيظل هناك مخرج فيما يتعلق بموضوع فرض القيود على صادرات الدول النامية هذا المخرج يتمثل في اهتمام هذه الدول بالمعايير والقياسات بالنسبة لمنتجاتها حتى تستطيع اختراق الاسواق الدولية بمعنى ان يكون المنتج على درجة عالية من الجودة وعندنا الامثلة التي تدعم ذلك الرأي فهناك دولة مثل الهند كانت من افقر الدول منذ نحو 30 عاما فقط الآن تنتج ما يعادل 2 مليار دولار من برامج السوفت وير وذلك لانها اهتمت بجودة المنتج حتى يستطيع ان ينافس في الاسواق العالمية والتعرف على ما تحتاجه ثم تقوم بانتاج ما تحتاجه هذه الاسواق وبحيث تكون الجودة عالية بدلا من الجلوس وتبادل الاتهامات والحديث عن القيود المفروضة على صادرات الدول النامية ونوه في هذا الشأن الى ان تهتم الدول النامية وتركز على المنتج الصناعي لان فرصته للنفاذ للاسواق العالمية بما فيها السوق الاوروبية والامريكية افضل من المنتج الزراعي الذي يحظى بحماية كبيرة من الدول الاوروبية، وخاصة ان الدول النامية لديها الكثير من المميزات والمقومات التي تجعلها تنافس في المنتج الصناعي مثل رخص الايدي العاملة والاراضي الوفيرة وهذا الكلام ينطبق على الدول العربية، لابد لنا من الاستفادة من تجارب الآخرين فبلدان مثل المانيا واليابان كانت منذ نحو نصف قرن تعاني من تدهور اقتصادها نتيجة الحروب، ومع ذلك هما الان من اعظم الاقتصاديات العالمية وذلك من خلال اهتمامها بالمنتج الصناعي ايضا الصين وكوريا حققتنا المعجزات في مجال الاستثمار الصناعي فضلا عن بلدان مثل تايلاند التي اصبحت بحق نمرا اسيويا، وسنغافورة التي استطاعت من خلال صناعة الخدمات القانونية والاستثمارية والملاحية والاستشارية ان تكون من الدول التي تحقق درجة عالية من النمو. التكامل الاقتصادي العربي وفيما يتعلق بالدول العربية وكيف يمكن لها ان تتعامل في ظل نظام العولمة يشير الدكتور حسين الكامل إلى أنه لمن الامور المحزنة ان كل دولة عربية تتصرف بمفردها وكأنه لاعلاقة لها بالدول الاخرى، قبل ان نفكر في التعامل مع العولمة لابد ان نحسم امرنا مع التكامل الاقتصادي نحن لدينا كل مقومات وجود هذا التكامل الذي سيساعد بلا شك في موقفنا التفاوضي عند التعامل مع متطلبات العولمة.. لدينا كل وسائل الانتاج ورأس المال والمواد الخام والعمالة الرخيصة المدربة والفنية فضلا عن السوق الضخمة التي نستطيع تصريف منتجاتنا فيها سواء كانت السوق العربية او الاسواق القريبة لنا في افريقيا، يجب علينا كدول عربية وقبل ان نتجه الى الاسواق الاوروبية والامريكية والبحث عن علاقات تجارية مع هذه الدول ان نحاول اولا اقامة التكامل الاقتصادي الذي تعبنا من المطالبة به، التكامل الاقتصادي الذي ليس له علاقة بالامور السياسية وخاصة تلك الخلافات الموجودة بين بعض الدول العربية وبعضها البعض، هذا التكامل او التكتل الاقتصادي العربي هو الذي سيجعلنا نجد مكانا لنا بين التكتلات الاخرى مثل الاتحاد الاوروبي ممثلا في السوق الاوروبية المشتركة والتكتل الاقتصادي الامريكي الذي من المنتظر ان يشمل كل القارة الامريكية في وقت قريب، وتكتل الآسيان. الاقتصاد لا يعرف في الوقت الحالي لغة إلا لغة المنافسة ويجب ان نتوقف عن مقولة ان الدول الغنية تمارس ضغوطا وتفرض قيودا على الدول النامية، لابد لنا كدول عربية ان نخلق لانفسنا عوامل التقدم بالتركيز على تكنولوجيا المعرفة بفتح السموات والمشاركة بفعالية في الانشطة المعرفية والحرص على تحقيق تقدم صناعي في مجال انتاج السلع التكنولوجية الدقيقة، وحسن استعمال الموارد المتاحة لنا، والسعي في اتجاه تحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول العربية وفتح الاسواق لتحقيق الاكتفاء المحلي والتكتل على المستوى الاقليمي بان تتحد الشركات العربية في المجالات المختلفة مثل الطيران المدني والملاحة وغيرها.