انعقدت في بانكوك عاصمة تايلند اشغال المؤتمر العاشر للامم المتحدة للتنمية والتجارة. هذا المنتدى الذي اسسته الامم المتحدة في سنة ،1964 وذلك لمواجهة الفوارق الناتجة عن التطور الاقتصادي العالمي، وتجاوز حالة التخلف في مقابل الدول المصنعة المتقدمة علاوة على تغيير آليات التبادل الاقتصادي التي ظلت تبدو في صالح الدول المتقدمة وذلك من خلال العمل على ردم الهوة بين مختلف مكونات المجتمع الدولي، وبناء نظام اقتصادي عالمي تتمتع بخيراته كافة الشعوب على اساس المساواة والعدالة. واذا كانت مطالب دول العالم الثالث قد ارتكزت في البداية على تحقيق الاستقلال الاقتصادي كشرط لا مناص منه لانجاز التنمية اللازمة لدول العالم الثالث، فان عقد السبعينيات الذي اعتبرته الامم المتحدة بمثابة عشرية لتحقيق التنمية لم يرتق، بقطع النظر عن بعض الانجازات التي حققتها بعض الدول ذات الاقتصاديات الصاعدة، خاصة في اسيا، الى تحقيق هذا الهدف. فهذه الفترة التي تميزت ببداية تطور الاعتماد المتبادل اللامتكافىء، وبالازمة البترولية قد انتهت الى اظهار مجموعة من الاختلالات التي كشفت عن هشاشة الاقتصاديات لكثير من دول العالم الثالث. فمن جهة فقد برزت بشكل واضح ازمة المديونية الناتجة عن عجز عدد من الدول عن الايفاء بالتزاماتها ازاء المؤسسات والدول الدائنة الامر الذي طرح معضلة الجدولة وانعش بقوة دور فاعلين اقتصاديين دوليين ظلوا في الظل، وفي مقدمتهم صندوق النقد الدولي، والبنك العالي للانشاء والتعمير فهاتان المؤسستان بات لهما دور اساسي تميز بطابعه المكرس للتوازنات المالية على حساب البعد الاجتماعي الامر الذي افضى الى فرض برامج تقويمية هيكلية ساهمت في تفقير الكثير من الشرائح الاجتماعية وقد ترتب عن ذلك وقوع انتفاضات اجتماعية في بعض الدول كشفت بالملموس عن تعمق الفوارق وزيادة الفقر والحرمان في كثير من الاقطار، ومن جهة اخرى، فان هذا الاتجاه سيتدعم مع توسع التفاعلات الاقتصادية الدولية بفعل الثورة التكنولوجية الهائلة، خاصة في مجال الاتصالات بشكل قرب العالم وحوله الى شبكة من التفاعلات العنكبوتية لا مفر للدول منها فضلا عن تزايد سلطة الرأسمال في ظل سياسات التركيز والاختيارات الليبرالية السائدة لا سيما في ظل العولمة التي اصبحت بمثابة الخاصية المميزة لعصرنا بدءا من العقد الاخير للقرن الماضي وفي نفس السياق، فقد زادت الفوارق بين الدول المتقدمة التي ازدادت غنى وتحسنت فيها بصفة عامة مؤشرات الرفاهية، وبين الدول النامية التي ازدات تقهقرا بحيث اصبحت مجموعة من الدول داخلها تبدو وكأنها باتت خارج هذه الدينامية العالمية، كما هو الامر بالخصوص بالنسبة للقارة الافريقية التي تأوي عددا مهما من الدول التي تدخل ضمن خانة الدول الاقل تقدما، والتي لاتزيد مساهمتها في التجارة العالمية عن 0.5 وهو مؤشر واضح عن التدهور الكبير في مؤشرات التبادل العالمي، وفي التأخر الفظيع الذي يسم افريقيا، وبعض الدول الاسيوية. وبفعل تراجع دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي نتيجة هيمنة الاختيارات الليبرالية، فقد تفاحشت بشكل ملحوظ الفوارق الداخلية بين طبقة محظوظة راكمت الثروات، وبين اغلبية المجتمع التي ظلت تفتقر لابسط الحاجيات وليس لها من بديل سوى البحث عن البقاء. في ظل هذه المعاينة البئيسة لواقع النمو الاقتصادي للدول، يجتمع هذا المؤتمر العاشر، كأول منتدى ينعقد بعد الاخفاق الذي تعرض له مؤتمر سياتل الخاص بالمنطقة العالمية للتجارة، والذي كان يستهدف بالاساس اطلاق سلسلة من المفاوضات لمزيد من تحرير المبادلات في المجالات الفلاحية، وفيما يتعلق بالخدمات، وكذلك محاولة التصدي لشروط العمل والانتاج في العالم. وكما هو الامر بالنسبة لمؤتمر سياتل، فان مؤتمر بانكوك الذي شهد على الهامش تجمعين للمنظمات غير الحكومية وللبرلمانات التي تشارك دولها في المؤتمر، قد شهد مظاهرات من المنظمات غير الحكومية حيث لم يتردد احد المتظاهرين في القاء كعكعة في وجه المدير العام لصندوق النقد الدولي الذي يستعد لمغادرة منصبه، كاعلان عن الاحتجاج على السياسات التي نهجها صندوق النقد الدولي في معالجة الازمات الاقتصادية التي عرفتها بعض الدول والتي آذى ثمنها الفادح افراداً لم يكن لهم مسئولية، ولا تدخل مباشر فيما زلت اليه الاوضاع من تدهور. وكما كان مرتقبا فقد اكد اعلان بانكوك عن مطالب اعضائه في البحث عن عولمة مغايرة تتوخى تصحيح الاختلالات الهائلة التي تعرفها المبادلات العالمية بفعل المنافسة الشرسة التي تقودها الشركات العالمية الكبرى والتي تشهد يوما بعد يوما مزيدا من التركيز يضاعف من ثرواتها ومن ارقام اعمالها التي لا تنعكس بالضرورة على العاملين داخلها بل الادهى من ذلك ان هذا المسلسل كثيرا ما يقترن باجراءات تتوخى طرد آلاف العمال بدعوى البحث عن مزيد من الفعالية والقدرة على مواجهة المنافسة المتزايدة. وقد تم التركيز مرة اخرى على مطالب هذا المنتدى الثالثي على ضرورة مساهمة الدول المصنعة في المجهودات الهادفة الى تمكين هذه الدول ولا سيما تلك الاقل تقدما من الاستفادة احسن من الموارد العالمية، وكذلك رفع الحواجز التي تحول دون نفاذ منتجاتها الى اسواق الدول المصنعة. علاوة على البحث عن صيغ فعالة وقيمنة بايجاد مخرج لازمة المديونية التي تقف عائفا في وجه كافة السياسات التنموية التي تريد بعض الحكومات القيام بها. لكن الكل يدرك في بانكوك ان الاعلان الذي تضمن الكثير من المطالب النبيلة والمعقولة، لا يمكن ان يغير بشكل جوهري من الاتجاهات الاساسية التي تميز ما يسمى بالعولمة في واقعها الحالي والذي لم يفض فقط الى الاندماج العالمي، بل كما هو معروف فقد ساهم بشكل كبير في تهميش ملايين البشر الذين اصبحوا يعيشون خارج دائرة هذه العولمة فحسب الارقام الرائجة، فان عدد الفقراء الاشخاص الذين يتوفرون على اقل من دولار يوميا قد تجاوز مليار نسمة وهو الرقم المرشح للارتفاع ما لم تتخد اجراءات فعالة لتصحيح هذه الوضعية لكن ينبغي الاقرارانه على خلاف منظمة التجارة العالمية التي لها سلطة ضبط العلاقات التجارية بين اعضائها فان مؤتمر الامم المتحدة للتنمية والتجارة لا يعدو كونه مجرد منتدى. بمعنى آخر، فانه لا يملك سلطة فعلية لتغيير الآليات التبادلية السائدة فضلا عن ذلك، فان مصالح الدول المشاركة في هذا المؤتمر ليست موحدة اعتبارا للتحولات التي عرفتها كتلة العالم الثالث. فداخل هذا التجمع يمكن على الاقل افراز ثلاث تجمعات: يتكون التجمع الاول من الدول ذات الاقتصاديات الصاعدة، وهي الاقطار التي استطاعت الى حد كبير ان تستوعب التكنولوجيا، وان تصبح منافسة للاقتصاديات الغربية. وغالبا ما تساند هذه الاقطار المطالب المتعلقة بمزيد من انفتاح الاسواق حتى تستطيع ترويج البضائع التي تنتجها وهناك الدول ذات الاقتصاديات العادية، وهي التي سجلت بعض التحسن في ادائها الاقتصادي لكنها تظل تعاني من المديونية وقلة الاستثمارات الاجنبية وضعف تنافسية اقتصادياتها لمواجهة البضائع الواردة من الاقطار المتقدمة فهذه المجموعة هي التي تشكل عمق ما يعرف بمجموعة السبع والسبعين التي يرتكز عليها مؤتمر التنمية والتجارة فبالنسبة لهذه الدول فانها لا تنظر بعين الارتياح الى هذه العولمة اللامتكافئة التي تفتقد للضوابط التي يمكن ان تقننها وتكبح جماحها ومن ثم فهي تدعو الى عولمة اكثر انسانية، واكثر اهتماما بالاوضاع الاجتماعية المتدهورة للانسان في العالم الثالث واخيرا تضم المجموعة الاخيرة الدول المشهورة بالاكثر فقرا او الاقل تقدماً وهي تضم 48 دولة موزعة بالاساس عبر افريقيا واسيا والكاريبي وهي تدافع عن مطالب خاصة تتمثل بالاساس في الغاء كافة الرسوم على منتجاتها حتى يتسنى لها ان ترفع من مساهمتها في التجارة العالمية. لكن مهما كانت المقترحات الرائجة ولا سيما ما يتعلق بخلق اطار يضم ممثلي كافة الاطراف المعنية للتفكير في القضايا والاشكالات التي تطرحها هذه العولمة اللامتكافئة، فانها تبقى رهينة بمدى صلابة موقف هذا التجمع الثالثي الذي عرف شروخا عميقة على امتداد السنوات الماضية بفعل التمايزات الاقتصادية والاجتماعية التي وقعت داخله وكذلك قبول القوى الاقتصادية الكبرى واساسا الولايات المتحدة بالاندماج فيه فمن الضروري الاشارة الى ان الولايات المتحدة لم تحضر هذا المؤتمر، علاوة على الاتحاد الاوروبي الذي لم يرسل مفوضه المختص لكن اكثر من ذلك، فان التخفيف من حدة الفوارق سواء ما بين الدول، او داخلها يظل رهينا بالتداخلات والامكانيات التي توفرها الدولة كفاعل اساسي يقع عليه بالدرجة الاولى عبء اعادة توزيع الثروة الوطنية على اسس اكثر عدالة، وكذلك القيام بالاصلاحات الهيكلية اللازمة لا سيما فيما يتعلق بتأهيل الاقتصاد وخلق المناخ الملائم للاستثمار، ومحاربة الفساد الذي ينخر الكثير من الاقتصاديات الثالثية، لكن هذه المهمة تبقى عسيرة في الوقت الذي تتخلى الدولة عن اختصاصاتها الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تميزها في العقود السابقة، وذلك لحساب القطاع الخاص. بيد ان طبيعة هذا الاخير وتركيبته في اغلب دول العالم الثالث تجعله غير قادر على القيام بهذه المهمة التنموية، ومن ثم تظل هذه المعادلة الصعبة منتصبة في تحديد موقع الدولة، ودورها في العملية التنموية للحد من الفوارق التي ما فتئت تتنامى في ظل هذه العولمة غير المتكافئة. من هذه المعاينة لا يمكن لنا ان نتفاءل كثيرا من امكانية تغيير مقررات مثل هذه المؤتمرات للواقع الاقتصادي الدولي السائد، والذي يتحكم في صيرورته منطق لا يخضع بالضرورة لارادة الدول.