ما برح المبشرون بعولمة العالم والقائمون على تطبيق آلياتها يروجون لوعود الرغد العميم والسلم المقيم، اينما حلوا او حللوا وطوال العقد الاخير من القرن العشرين كان الاحساس يتزايد بأن العولمة هي قدر مقدور لا قبل لاحد على مقاومته او دفعه فضلا عن الارتباك النظري الذي اصاب اغلب الدوائر الفكرية والسياسية حتى لم تعد قادرة على حسم مواقفها من العولمة واكتفى البعض منها برصد وتوصيف آلياتها فيما رأى البعض الآخر انه من السابق لأوانه اصدار حكم تقييمي على مسار العولمة. بيد أن عام 1999 والذي سيعرف في التاريخ ولا شك بعام سياتل شهد اوليات الرفض العملي لما آلت اليه احوال العمال والمزارعين من جراء تطبيق سياسات العولمة ومع الاعتراف بأن الاضرار الرئيسية قد وقعت في البلدان الاكثر فقرا في افريقيا واسيا الا ان هذا الرفض لم ينبت سوى في قلب البلد الذي يبث العولمة ويبشر بها بل ويحصد اغلب منافعها ولعل في ذلك اشارة لا يفتقدها كل لبيب بالاشارة يفهم الى ما تنطوي عليه العولمة من عدم المساواة حتى في دول المركز. فقد صبت الحسابات الرابحة في جيوب الشركات العملاقة والكيانات المالية الضخمة مخلفة وراءها الملايين ليلهثوا خلف الفتات وفرص العمل المتناقصة واجورها المتردية. ومع بدء الالفية الثالثة جاءت احداث »الاونكتاد« في مانيلا لتجتذب الى دائرة معارضة العولمة ليس فقط رجل الشارع في احدى الدول النامية بل وايضا بعضا ممن يجلسون على مقاعد الحكومات داخل جلسات عمل الاونكتاد. هذا التنامي الملحوظ في فعالية واعداد المناوئين للعولمة بات يهدد بعملية تمرد واسعة النطاق ربما ادت في قريب عاجل الى اعطاب آليات العولمة وتعريض العملية برمتها للخطر. واذا كانت وعود الماركسية، ومن قبلها الرأسمالية التقليدية (قبل كنزي) قد استغرقت احلام اجيال متعاقبة في عدة انحاء من العالم فان وعود العولمة لم تفلح في ان تصمد لاكثر من عقد واحد لتجد نفسها بعد ذلك في دائرة الشك والتشكيك. فالوعد بالحرية والديمقراطية الذي عنى ضمنا تعميم صيغة الليبرالية السياسية في كل دول العالم بحيث تعدل الدساتير الوطنية، بل وتستبدل الحكومات ان ابت ذلك، لتكفل انشاء الاحزاب واجراء الانتخابات واصدار المطبوعات واطلاق حريات التعبير انتهى في العديد من الدول الى انشاء واجهات ديكورية لليبرالية تتخفى وراءها اقلية من الاثرياء المرتبطين بمصالح ذات طابع كوني بدءا من الاحتكارات الاقتصادية العالمية وانتهاء بالقطب الاوحد لما يسمى اصطلاحا بالنظام العالمي الجديد. والى ابعد من ذلك فان رعاة العولمة راحوا يغضون الطرف عن الانتهاكات الواسعة التي تمارسها الحكومات الحليفة بحق الديمقراطية بل ويشجعون مثل هذه الانتهاكات طالما كانت الديمقراطية ستؤدي الى تغليب قوى لا تتواكب معطياتها الفكرية والسياسية مع متطلبات العولمة (تركيا ومن قبل الجزائر). وفي الدول التي تعاني من مشكلات متفاوتة في طبيعة الاندماج الوطني بسبب نشأتها المتعثرة (او الملفقة) كدولة قومية حسب المعايير والرغبات الاوروبية فان وعد العولمة بالحرية وحق تقربر المصير، وتبرير التدخل في الشئون الداخلية للدول بدواع انسانية شتى قد انتهى الى حروب فتاكة وسقوط ضحايا في مذابح جماعية واخيرا، وليس اخرا تشجيع النعرات الانفصالية بما يهدد الدول الاقليمية بحدودها الدولية المعروفة وينذر بمزيد من التفتيت لكيانات هذه الدول ولا فرق في ذلك بين دول افريقية او اسيوية او حتى اوروبية. لقد انكشف غطاء الوعد بالحرية والديمقراطية عن سيطرة ديكتاتورية لا تلتزم بأي دواع انسانية او مبررات اخلاقية لفرض سياسات العولمة وحماية مصالح اقطابها الكبار، وليس الفساد السياسي الضارب في اطناب الدول سوى احد تجليات العولمة وخاصة مع اضعاف »كيان الدولة« بزعم التحرير. انه اول الوعود الكاذبة. والوعد الثاني للعولمة كان التبشير بالرخاء الاقتصادي وتخفيض الاسعار، طالما اطلقت الحرية لرأس المال يتنقل بمشروعاته واستثماراته وتحويلاته النقدية عبر الحدود بحثا عن افضل الظروف لانتاج سلع رخيصة وجيدة في ذات الوقت، وفي ذلك، حسب الوعد الموعود، افادة للمنتج وللمستهلكين ايضا. وفي سبيل هذا الوعد مزقت العشرات من الدساتير الوطنية والقوانين واللوائح التنظيمية والقرارات الادارية وذلك من اجل تحقيق شروط الوصول الى هذا الوعد. * فتم الغاء رقابة الدول على التحويلات النقدية وتركت اسعار صرف العملات الوطنية لآليات العرض والطلب في الاسواق النقدية. * وجرى تخفيض واسع للضرائب المباشرة المفروضة على المشروعات الخاصة وخففت ايضا بدرجات متفاوتة القيود الادارية والرسوم السيادية على السلع والمواد الخام المستوردة وفي احوال كثيرة منحت تسهيلات ضرائبية وتمويلية واعفاءات جمركية وقتية او ابدية. * واذعنت الدول لاتفاقات »الجات« رغم ما فيها من تعارض مع المصالح الوطنية لاغلب دول العالم الثالث أملا في ان يؤدي تحرير التجارة الى تخفيض اسعار السلع والسماح لصادرات العالم الثالث بالولوج الى الاسواق العالمية في ظل القواعد العامة للتعرفة الجمركية. * ومع ركض السلع والبضائع عبر الحدود شرعت قوى العمل في العالم الثالث في مصاحبة ايقاع الركض بالانتقال الى امريكا واوروبا الغربية بحثا عن فرص العمل وطمعا في ان يمتد المرور الحر للسلع ليشمل ايضا قوى العمل من بني الانسان. وما هو إلاعقد واحد ليس إلا ليصطدم الناس، في كل مكان بأن وعد الرخاء صار بعيد المنال اكثر من اي وقت مضى. فنتيجة لسيطرة الشركات العملاقة العابرة للقوميات على الاسواق لم تؤد التسهيلات السابقة جميعها الا لحصد هذه الشركات لكل الارباح مع تحكمها في الاسواق والاسعار التي ظلت كما هي تقريبا ودون تغيير يذكر. وفوجئت دول العالم الثالث التي سمحت دون قيد او شرط بدخول السلع الى اسواقها، حتى لو أدى ذلك الى تحطيم المشروعات الوطنية وافلاسها، بأن الدول الكبرى لا تعاملها بالمثل فتغلق اسواقها امام منتجاتها القادرة على المنافسة سواء بدعاوى »الاغراق«، او مخالفة المواصفات القياسية »ايزو الكيماويات..« او حتى بتطبيق نظام الحصص »الكوتا«. وتعطي حالة مصر نموذجا مثاليا لهذه الحقائق فالملابس الجاهزة ترفض احيانا في امريكا لان اسعارها المنخفضة تعني ان هناك اغراقا متعمدا للاسواق الامريكية وتارة اخرى ترد »القمصان القطنية« لانها تزيد على الحصة المقررة لمصر واخيرا كان الرفض الفرنسي لحاصلات مصرية زراعية (البطاطس) لان بها »فطر« اثبتت تحليلات المعامل المصرية انه لا وجود له في الشحنات المرسلة الى الاتحاد الاوروبي. والحقيقة ان ما فرضته »العولمة« من تخفيضات جمركية وضرائبية على الانشطة الخاصة قد ادى الى التوسع في فرض الضرائب غير المباشرة (ضرائب الاستهلاك، المبيعات، القيمة المضافة.. الخ) وكانت المحصلة هي ازدياد الاغنياء غنى وتحميل الفقراء المزيد من الاعباء. لقد اسفر وعد الرخاء عن ان التحذيرات التي اطلقها البعض في اجتماع فيرمونت الشهير (1990) من ان العولمة ستعني الاستغناء عن اربعة اخماس البشر (دولا وأفرادا) لصالح الخمس الاكثر غنى، ينبغي ان تؤخذ مأخذ الجد. وثالث الوعود كان الوعد بالعمل والتوظيف الكامل لطاقات المجتمعات الانتاجية طالما كانت الميزات النسبية (حسب نظرية ريكاردو العتيقة) قد فتحت الابواب امامها فالنشاط الاستثماري سيعيد توزيع وحداته على امتداد الكون حيث المواد الخام الارخص وقوى العمل المناسبة، ومن شأن الرواج الذي سيتحقق نتيجة لذلك ان يوفر المزيد من فرص العمل بعدما ادت عهود الانغلاق وفرض القيود الى التضخم واحباط فرص التطور. ولكن شىئا من ذلك لم يتحقق البتة. ففي الدول كافة ونتيجة لاتباع روشتة الصندوق والبنك الدوليين (رعاة العولمة) تم تخفيض العمالة الحكومية وكذا تسريح اعداد كبيرة من العاملين في المشروعات العامة التي تمت خصخصتها، وفي حد ادنى توقفت الدولة عن توفير وظائف جديدة وادى تسهيل مرور السلع »المعولمة« الى افلاس العديد من المشروعات الوطنية حتى في اوروبا الغربية وهو ما دفع بمزيد من قوى العمل الى قوائم البطالة. وفضلا عن ذلك فان المنافسة كانت تفرض على المشروعات المختلفة ترشيدا للانفاق لتخفيض الاسعار وعادة ما كان الترشيد يعني تسريح المزيد من العمالة والاعتماد على التقنيات الجديدة (الآلية ـــ الكمبيوتر). ومع اتساع مساحة العمل امام الشركات العملاقة فقد راحت تضارب بالقوى العاملة الرخيصة فتبتز العامل الاوروبي بأخر اقل اجرا من الشمال الافريقي، وتبتز العامل المصري بعامل من شرق اسيا وهو ما ادى في حقيقة الامر الى تخفيض الاجور حتى انه من الملائم الحديث عن الكثيرين ممن يعملون بأنهم ليسوا سوى بطالة مقنعة. وفي ظل تراجع فرص العمل في كافة الاسواق الوطنية فقد كان من الطبيعي ان تقيد امكانات الهجرة والعمل امام قوى العمل الوافدة وهو ما جرى بالفعل في اوروبا. ومرة ثالثة كذبت وعود العولمة، حتى ان وعد العمل تحول الى كابوس ثقيل ينشر البطالة اينما حل. اما الوعد الرابع من وعود العولمة فكان التلويح بأن عولمة اسواق الانتاج والاستهلاك سوف يؤدي الى النقل الحر للتقنيات والتقدم العلمي (التكنولوجي) وهو ما سيفضي الى رفع الكفاءة العلمية للمجتمعات النامية ويؤهلها للافادة من تطبيقات العلم في مختلف مجالات البحث والانتاج. ولم يكن نصيب هذا الوعد من الحقيقة العملية بأكثر من »نصيب الغول والعنقاء والخل الوفي من الواقعية«. فلم تنقل من التكنولوجيا سوى منتجاتها النهائية او تطبيقاتها الملوثة للبيئة او حتى تلك التقنيات التي جرى تجاوزها بحيث صارت عبئا على المشروعات المركزية العملاقة فجرى تصدير خطوط انتاجاها بعدما انتهى عمرها الافتراضي، ولا تعدو العديد من المشروعات المنقولة ان تكون خطوطا للتجميع حتى في المنتجات التي لم تعد معقدة التكنولوجيا مثل صناعة الاجهزة الكهربائية والسيارات. لقد تكفلت العولمة بعدما حققت اغراضها في كفالة حق مرور السلع والاستثمارات باحتكار التكنولوجيا المتطورة وحجبها عن دول العالم الثالث. ترى بعد هذه الوعود الكاذبة الا يحق للذين اضيروا من العولمة ان يقاوموها اينما حلت مؤتمراتها او انتقل دعاتها؟!