على الرغم من ان مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية »اونكتاد« لم يكن لديه تفويض لوضع قواعد تحكم التجارة العالمية، الا ان الدول النامية علقت عليه الآمال للمشاركة في تفعيل نوع من التوازن يضع في عين الاعتبار هذه الدول لتضييق الفجوة بينها وبين الدول المتقدمة خاصة وانه المؤتمر الاول في الالفية الجديدة يأتي على مقربة من خطوات فاشلة طوقت مؤتمر سياتل لمنظمة التجارة العالمية والتي كشفت وبقسوة حدة هذه الفجوة وفجرت غضب الدول الفقيرة والنامية شعبا وساسة غير ان الاونكتاد انتهى تقريبا كما انتهى سياتل، بعدة توصيات واقتراحات وآراء غير ملزمة، وانفض جمع اكثر من 3 آلاف مندوب لاكثر من 180 دولة بعد ان تكشف للدول النامية انها تسير في طريق والدول الغنية في طريق اخر، وان الاخيرة لا تعمل الا لمصلحتها وان العولمة ليست الا مخطط ستهيمن به الدول المتقدمة على الدول والشعوب الفقيرة والنامية لانها عولمة لا تقوم على اسس من العدل والتوازن في تسيير وتبادل المصالح. حول العولمة.. انعكاساتها على الدول النامية رفضها او مواجهتها، مدى مسئولية الدول الغنية تجاه العالم وغيرها من الاسئلة توجه بها الملف الى »ادم فان بومور« المستشار لمنظمة الامن والتعاون الاوروبي والخبير في شئون التعاون الانمائي. * الى اي مدى ستؤدي العولمة لزيادة الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة؟ ـــ لو ركزنا في العولمة على الجانب الاقتصادي لاهميته كأساس للعلاقة بين الدول الغنية والفقيرة، وهو الجانب الذي يهم الدول النامية على وجه التحديد ـــ رغم ما يمثله الجانبات الآخران للعولمة السياسية والاجتماعية لتأثيرهما على الجانب الاقتصادي ـــ لوجدنا في تصوري ان غضب الدول الفقيرة والنامية على الاتجاه للعولمة واتهامها الدول الغنية بانها لا تعمل الا لمصلحتها كل هذه الاتهامات والغضب والثورة غير مجدية بصورة عملية لان الدول المتقدمة لن تتراجع عن خططها لشراء خاطر هذه الدول، او لن توقف عجلة التقدم حتى تلحق بها الدول الاخرى. بل الاجدر بالمناقشة هو كيف تسعى الدول الفقيرة الى المواجهة وليس الرفض الى التفكير في كيفية الامساك بذيل الدول المتقدمة عسى ان تلحق بها او تكون معها في كفة شبه متوازنة فبديهي ان آليات نظام السوق تؤثر على مسارات الاصلاح او التقدم الاقتصادي لاي دولة، واذا لم تحاول الدول الفقيرة امتلاك هذه الآليات وتسييرها على النسق الذي يتلاءم مع نسيجها الاقتصادي من ناحية وينسجم من ناحية اخرى مع المتطلبات الخارجية لنظام السوق لبقيت هذه الدول في القاع تنعي حظها وتكيل الاتهامات للدول المتقدمة التي تمتلك ادوات الثورة التقنية وآليات اداراتها لذلك المطلوب من هذه الدول وضع خطط صارمة للاصلاح الاقتصادي تطوير الاداء الاداري وازالة العقبات البيروقراطية، تحسين مستوى الانتاج الصناعي والصناعات الزراعية خاصة. ومن هنا يأتي عدم الاعتماد على ايادي العون والرحمة من الاخرين، فالغلبة لن تكون الا للاقوى، وعلى هذه الدول ان تسعى للتكتل داخل تنظيمات دولية او اقليمية لان بقاءها فرادى امام قوة القطب الواحد الامريكية والتكتل الاوروبي لن يجعل لها وجود او تمثيل حقيقي في زخم التنافس داخل الاسواق التي تتصارع عليها دول كبرى تمتلك الاصل، تمتلك كل ادوات التنافس. واذا كانت الدول المتقدمة في اتفاقيات الشراكة مع الدول النامية تحاول استغلال الموقف لصالحها، لا نوجه اللوم لها بقدر ما نوجهه للدول التي تعقد الشراكة فرادى مع تكتلات على غرار الامر الحادث في الشراكة مع الاتحاد الاوروبي، ودعني اكون كالجراح الذي يفتح الجرح لاستئصال موطن المرض، وليس الطبيب الذي يعطي مجرد مسكنات للالم يبقى مع شبح الموت او التردي قائما، فاذا لم تسعى الدول النامية بنفسها من الآن ـــ رغم ان هذا سيبدو متأخرا ـــ من وضع استراتيجية خاصة لايجاد مكانة لها في العالم، لن يمكنها تحقيق نجاح يذكر في المستقبل فعليها ان: ـــ تضع اولا خطط لتحجيم النمو السكاني وعمل توازن بينه وبين النمو الاقتصادي. ـــ ان يتواجد مشروع قومي للتنمية الاقتصادية تجند له كل الكوادر الوطنية الفعالة. ـــ ان تركز على المنتجات التي تمتلك بكفاءة آلياتها وخاماتها لتكون من خلالها قادرة على المنافسة والا تسعى مبكرا لمناطحة الدول المتقدمة في انتاج سلع لا تملك لها الكفاءة اللازمة حتى لا ينعكس هذا عليها بالسلب. ـــ الا تلقى بكل تبعات مسئولية التنمية على الدول المتقدمة وتنتظر مد يد العون لها، فغالبا ما تفرض الدول المانحة للمعونات شروطا في صالحها مما يؤثر بصورة او باخرى على المسيرة الحقيقية للتقدم الذي تسعى له هذه الدول النامية. ـــ توجيه المعونات التنموية في مساراتها الصحيحة، وعدم الوقوع في فخ تنمية المشروعات الضخمة او الترفيهية التي تتطلب كثيرا من الموارد المالية والتقنية التي لا تمتلكها هذه الدول مما يدعو لتدخل دول متقدمة تخضع هذه المشروعات لمصالحها. ـــ عليها ان تسعى للتكتل والتكامل فيما بينها واتصور انه بدون هذه الخطوات لن تستطيع الدول النامية الصمود امام اجتياح موجة العولمة، بل ستتحول الى مجرد اسواق لاستقبال منتجات الدول المتقدمة، وستتزايد بها العادات الاستهلاكية، في حين ستعجز منتجاتها عن المنافسة العالمية، مما سيؤدي الى مزيد من الكوارث الاقتصادية. * هل نفهم من ذلك ترجيحك لتنصل الدول الغنية من مسئولياتها تجاه الدول النامية والفقيرة وان تعتمد هذه الدول على نفسها لمواجهة العولمة؟ ـــ لم اعن ذلك بصورة دقيقة، بل قصدت الا ترتكن هذه الدول فقط على يد العون من الدول الغنية حيث يمكننا ان نرصد مؤخرا ان الدول المانحة للمساعدات وفي مقدمتها امريكا ومن ثم اوروبا وبريطانيا، هولندا والدانمارك والنرويج، وفنلندا اصبحت الآن توجه مساعدات للدول النامية في صورة منتجات وطنية وقد قلصت امريكا مساعداتها بصورة كبيرة منذ عام ،98 وتتجه الدول الاوروبية الآن الى تخفيض هذه المساعدات وترى الدول المانحة ان المعونات التي قدمتها لمعظم الدول الفقيرة لم تتوجه في قنواتها المطلوبة لدفع مسيرة التنمية والتقدم، بل اسيء استخدامها خاصة في الدول التي تشهد بعض الصراعات الداخلية سواء طائفية او قبلية، كما هو الحال في افريقيا مثلا حيث تم شراء اسلحة بأموال المعونات، وساهمت هذه الاموال في الاطاحة ببوادر الديمقراطية التي نفترض وجودها في هذه الدول لتسببها في تغذية الصراعات بالتمويل، لذلك تفضل الدول المانحة الآن ان تمد يد العون من خلال مشروعات تنموية او انسانية، وهو ترجيح مقبول حتى تثبت تلك الدول قدراتها على النهوض من عثراتها والاخذ بيد نفسها للسير قدما، وليس من العقل ان يعتمد بلد ما على بلد اخر في ان يخلق له نظام سياسي ديمقراطي مثلا، وان يضع له مشروع لنظام اقتصادي يدفعه للامام، او مشروع ثقافي ينهض بالشعب، لان اي تدخل خارجي لن يتلاءم ونسيج مجتمع هذه الدولة او ثقافته او عوامله واسبابه او الادوات المتوافرة لديه، بل يجب ان يتم كل هذا بصورة داخلية وطبيعية وليس مولدة قسرا على ان تستفيد هذه الدولة من تجارب الدول الاخرى وان تضع نصب عينيها محصلات تجارب الدول المتقدمة، فانا مع انتظار المساعدات لتعلية البناء وليس لوضع الاساس..! * لماذا لا تعمد الدول المتقدمة الى مد يد العون التكنولوجي بهدف تحقيق اندماج في النظام العالمي وحتى يحدث نوع من التوازن في جودة الانتاج والتجارة العالمية؟ ـــ قد تبدو اجابتي مخالفة لكثير من الاراء وقد تثير غضب الدول النامية نفسها، لقد ثبت بالتجربة ان معظم الدول النامية وان لم تكن في مجملها لا تستوعب بصورة ايجابية اي تقدم تكنولوجي بل ان ذلك ينعكس عليها بالسلب فكل تقنية في الماكينة او وسائل الانتاج او اي تقدم علمي يتم معه في المقابل الاستغناء على ايدي عاملة وتشغيل الادوات التقنية محلها، والدول النامية تعاني من البطالة ومن عدم وجود منافذ لتصريف الايدي العاملة، حتى ان دول العمالة او التي كانت تستوعب في العقد الماضي عمالة الدول النامية اصبحت الآن تلفظهم، اولا بسبب التقدم التكنولوجي من ناحية وحلول الآلة المتقدمة محل العمالة البشرية، ومن ناحية اخرى بسبب الجنوح للاكتفاء بايدي العمالة المحلية بعد ان اصبحت مشكلة البطالة عامة في العالم كله، ونحن نجد ان الدول المتقدمة نفسها لم تخلو من التأثر السلبي للتقدم التكنولوجي، حتى ان كبريات المؤسسات الاوروبية لدينا داخل الاتحاد تستغني يوميا عن مئات بل آلاف العمال والموظفين بفعل عوامل حلول الآلة والالكترونيات والكمبيوتر.. الخ لذلك فمد يد التقدم التكنولوجي لن يصبح ايجابيا الا اذا وقفت هذه الدول مع نفسها وقفة حاسمة في مجال التزايد السكاني، اذ لا يجب تجاهل العلاقة بين تزايد اعداد او النمو السكاني في الدول الفقيرة والنامية وبين بقائها في مؤخرة الدول وعدم لحاقها بركب التقدم، فكثير من المساعدات والمنح التي يقدمها صندوق النقد الدولي على سبيل المثال تكون لها شروط، منها عملية الحد من التزايد غير المحسوب في النمو السكاني والذي يلتهم بصورة خطيرة كل محاولات النمو، بما في ذلك المساعدات الخارجية لكن هذه الدول لا تلتزم باداء الشروط حتى وان قدمت تعهدات بذلك، لذلك نلاحظ ان الدول النامية والفقيرة اكثر انفجارا في تعداد السكان، والنمو السكاني بها لا يتلاءم مطلقا مع النمو الاقتصادي، فنجد مثلا الدول الافريقية قد قفز عددها الى ثلاثة اضعاف وزادت بنسبة 300% في اقل من اربعة عقود فقط، في حين تحتفظ الدول المتقدمة بمعدلات نمو سكاني متوازنة على غرار دول اوروبا الغربية مثلا. ومن واقع الارقام الرسمية والاحصائيات التي اعلنها مؤخرا صندوق الامم المتحدة للسكان ان اكثر من 80% من سكان العالم يعيشون في الدول النامية بينما 20% فقط في الدول المتقدمة، مع الاخذ في الاعتبار ما تمثله نسبة التزايد في العالم النامي. حوار: سعيد السبكي