كشف مؤتمر الامم المتحدة العاشر للتجارة والتنمية (الاونكتاد) والذي عقد في بانكوك (12 ـــ 19 فبراير)، مدى صعوبة حسم كثير من العقبات التي ما زالت تحول دون اندماج الدول الصناعية والنامية معا في نظام موحد للتجارة العالمية، بحيث يوفر العدالة للجميع ويستفيد منه كل طرف دون فرض ثمن باهظ على الطرف الاخر ومع عجز المؤتمر عن ازالة الغموض حول مستقبل الجولة التفاوضية الجديدة لتحرير التجارة العالمية، بدأت تبرز الجوانب السلبية لمصطلح »العولمة« كعقبات حقيقية امام دول العالم الثالث، واهمها الثمن الفادح الذي ستدفعه ـــ باعتبارها الطرف الاضعف في المعادلة الدولية ـــ ليس فقط على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، بل والثقافي والحضاري ايضا. فعلى مدى جلسات المؤتمر الذي حضره اكثر من ثلاثة آلاف مندوب تكررت الخلافات بين الدول النامية والصناعية حول الاسس المقترحة لقواعد تحرير التجارة الدولية وانتقال السلع والخدمات بهدف تقنين »العولمة الاقتصادية والسياسية« وهي نفس القواعد التي تسببت من قبل في فشل المؤتمر الوزاري الثالث لمنظمة التجارة العالمية بمدينة سياتل، اذ رفضت الدول الصناعية الكبرى مجددا في تايلاند، الالتزام بأية تعهدات تأييدا لمطالب الدول النامية ومجموعة »الدول الاقل نموا« لتحتفظ لنفسها بحرية الحركة في الجولة المقبلة من مفاوضات تحرير التجارة العالمية. برلمان »العولمة« بعكس منظمة التجارة العالمية، والتي تهدف مناقشاتها للتوصل لقرارات ملزمة في العلاقات التجارية بين الدول الاعضاء (134 دولة) يهتم مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية الاونكتاد والذي ينعقد دوريا كل أربع سنوات، بالتركيز على بحث كافة الجوانب المتعلقة بعملية التنمية بابعادها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها، وبدعم عمليات التنمية المستمرة في دول العالم الثالث، والعمل على زيادة حصة الدول الفقيرة في المشاركة الدولية وتدعيم فرصها التسويقية في دول العالم، ورغم ضآلة الميزانية السنوية لتلك الهيئة الدولية (لا تتجاوز 50 مليون دولار امريكي بالاضافة الى 24 مليون دولار مخصصة لتطوير البحوث التكنولوجية) فان اهمية »اونكتاد« ترجع بالدرجة الاولى لكونها الساحة الحقيقية (او البرلمان المفتوح) التي توفر الفرصة امام الدول النامية لطرح افكارها و»مخاوفها« حول ـــ ومن ـــ المشروعات الجديدة التي تطرحها الدول الصناعية الكبرى لاعادة صياغة العالم في قالب »العولمة« والذي سيمثل بلا شك محورا هاما في المرحلة المقبلة من التاريخ البشري. ويضم هذا المنبر الدولي في عضويته 190 دولة، ويكاد يكون الاطار الوحيد الذي يضم في وقت واحد تجمعات الدول الصناعية السبع الكبرى وروسيا، ومجموعة الدول الاقل نموا في العالم (48 دولة) بالاضافة الى الدول الاكثر مديونية في العالم (41 دولة بينها ثلاث دول عربية هي السودان واليمن وموريتانيا)، وتمارس دول العالم حقها المشروع داخله، لطرح مواقفها من مشروعات »العولمة« من خلال مقاييس جديدة لا تعتمد على مفهوم »الربح والخسارة« فقط وهو المفهوم الجوهري الذي اعتمدت عليه الحضارة الغربية وجميع مشروعاتها ومدارسها الفكرية والاقتصادية في مراحلها المختلفة. وتركزت المناقشات في المؤتمر الأخير، على قضية اتساع الهوة بين الدول الفقيرة والدول الغنية، حيث اكد ممثلوا دول العالم الثالث ان الدول الفقيرة، بالاضافة الى منحها فرصا افضل لدخول اسواقها وتسهيل حصولها على التكنولوجيا الحديثة لتطوير قدراتها التنافسية، وكضمانة للاستقرار الدولي في النظام المقترح لتحرير التجارة العالمية، ورغم ان الولايات المتحدة وبريطانيا قررتا العام الماضي ـــ ضمن توصية للدول السبع الصناعية ـــ التنازل عن ديونها المستحقة على مجموعة الدول الاكثر مديونية في العالم والتي تعادل عدة مليارات من الدولارات، بشرط استخدام الاموال الفائضة في مشروعات لتحسين الاوضاع الاجتماعية في تلك البلدان، فقد دعت كثير من وفود الدول النامية لاجراء المزيد من الاصلاحات »الهيكلية« لتصحيح الخلل القائم حاليا في العلاقات التجارية الدولية بين الدول الفقيرة والدول الصناعية. وكشف احد المتحدثين في المؤتمر، ان الدول الفقيرة تعرضت للتهميش بسبب اوضاعها الاقتصادية المتردية تحت وطأة الديون، وارتفع عدد الدول الاكثر فقرا منذ عام ،1971 من 25 دولة الى 48 خلال هذه الفترة، منها 33 دولة افريقية 9 دول آسيوية 5 دول في منطقة الباسيفيكي، ودولة واحدة في امريكا اللاتينية، وخلال الفترة نفسها لم تخرج من القائمة سوى دولة »بوتسوانا« الافريقية. ومن المفارقات التي تحيط بالنظام الدولي الحالي للتجارة، عدم التوازن بين التوزيع الجغرافي للثورة البشرية قياسا بالكثافة السكانية، مما يؤثر بالضرورة على توفير فرص النمو بمفهومه الشامل، وتوفير فرص الاستثمار في المستقبل وبالتالي زيادة فرص العمالة الجديدة، وكما اوضح ريكاردو كابريسا رويز، وزير الخارجية الكوبي، فان خمس سكان العالم فقط يعيشون في الدول الصناعية الكبرى، ومع ذلك فان انتاجة مجموعة الدول السبع يقدر بحولاي 86% من الناتج الاجمالي المحلي في العالم، وكذا توفر ما يوازي 82% من الصادرات العالمية، اي ان القواعد القائمة حاليا للتبادل الدولي (التبادل السلعي وقواعد فتح الاسواق وضوابط نقل التكنولوجيا) لا تسمح بتغيير الميزان القائم والذي تحميه قواعد التجارة العالمية السارية منذ 1947 (بريتون جونز) لضمان تفوق الكتلة الغربية والامريكية في مواجهة دول العالم. وفي هذا الاطار طالبت بعض الوفود بضرورة ان تتبنى الجولة التفاوضية المقبلة لتحرير التجارة الدولية، والتي كان من المقرر ان تبدأ في يناير ،2000 دراسة كيفية ادخال تلك الاصلاحات الهيكلية لتعديل الميزان الدولي لصالح البلدان ذات الاقتصاديات الاضعف، بدلا من الاكتفاء بالبحث في تحسين الشروط التجارية الحالية حسبما تقترح الدول الصناعية. وبحث المؤتمر ايضا قضية التخلف التكنولوجي للدول الفقيرة واثرها على توسيع الهوة بينها وبين الدول الصناعية، وكمثال لذلك اشارت دراسة للمؤتمر لاوضاع عدد من الدول الاسيوية والافريقية من كبار منتجي البن والتي تعاني من ضعف الامكانيات الفنية في مواجهة الدول الصناعية الكبرى التي تحتكر حاليا عمليات تصنيع منتجاته (ألمانيا أكبر المصدرين في العالم) وفي المقابل، رفض ريتشارد كابورن، ممثل بريطانيا التجاري في المؤتمر الزام بلاده بموقف واضح في هذه القضية واكتفى بالاشارة الى ان الدورة المقبلة من مفاوضات تحرير التجارة العالمية »يجب ان تأخذ في الاعتبار مثل تلك العوامل من الخلل القائم حاليا«. ولم يقتصر التحذير من مخاطر فرض نظام لتحرير التجارة العالمية على ممثلي الدول النامية فقط، بل شمل ايضا كبار الخبراء الدوليين، فقد حذر خوان سومافيا، مدير منظمة العمل الدولية من عواقب ما أسماه بـ »اقتصاد الكازينو العالمي« وقال ان »السياسات التمويلية والتجارة الدولية يجب ان تعتمد ايضا على هدف اشباع حاجات المواطن العادي، كما اكد ان الترويج لمقولة حتمية الاندماج الاقتصادي في العالم سيكون موضع شك »اذا لم تجد الدول النامية ان التكنولوجيا الحديثة وتحرير التجارة، هي اسرع السبل لخلق فرص عمل جديدة ولتحقيق المزيد من التقدم الاجتماعي«. خلافات الشمال والجنوب لا شك ان قضية اندماج الدول النامية في الاقتصاد العالمي، تمثل اهم تحد للنظام التجاري الدولي في مطلع هذا القرن، كما ان مدى استفادة كل طرف من خلق »سوق كونية موحدة« يتوقف على امتلاكه لعناصر اساسية للمنافسة، مثل توفر الكوادر المهنية فائقة المهارة، وامتلاكه للتكنولوجيا الحديثة »والقابلة للتطوير دائما« وفتح الاسواق بصورة متكافئة امام جميع الدول لتسويق منتجاتها، وان كان من غير المتوقع على المدى القريب على الاقل، ان تتمكن كل الدول من الاستفادة من »العولمة الاقتصادية« بنسبة واحدة، فالخلافات ما زالت قائمة بين الجميع، وعلى اسس قومية ووطنية بالدرجة الاولى رغم بروز شعارات تبشر باختفاء عصر »حماية الصناعات الوطنية« خلال اقل من عشر سنوات. فمن المعروف ان الخلافات القائمة حاليا على المستوى الاقتصادي العالمي، تدور على مستويين، اولهما، بين دول التكتلات الاقتصادية الغربية ذاتها (الولايات المتحدة واوروبا الغربية واليابان) وثانيهما، بين التكتل الغربي من ناحية والدول النامية والاقل نموا من ناحية اخرى، وتبرز تلك الخلافات بصورة حادة حول اولويات وشروط تحرير التجارة العالمية خاصة مستقبل تحرير الخدمات والمنتجات الزراعية حسب اتفاقات الجات. والتي اقرتها دورة اوروجواي (1986 ـــ 1994) والتي نجحت في اصلاح قواعد النظام التجاري الدولي، وخفض الحواجز الجمركية بين الدول (سيبدأ تطبيقها اعتبار من عام 2004) الا ان الخلافات التي نشبت داخل معسكر الدول الصناعية حول سياسات الدعم الحكومي للمنتجات الزراعية والتي تؤيده معظم دول الاتحاد الاوروبي، وتعنت الولايات المتحدة ازاء المطالب الاوروبية بفتح اسواقها امام المنتجات الزراعية الاوروبية (حرب تصدير الموز بعد قرار امريكي عام 1999 بأولوية تسويق حصص الموز من دول الكاريبي) بينما تطالب واشنطن بفتح الاسواق الاوروبية بدون شروط امام منتجاتها الزراعية، مما ادى في النهاية لتعطيل الحوار الدولي حول جدول اعمال متفق عليه للجولة الجديدة. على المستوى الآخر تبرز قضية محاولة حرمان دول العالم الثالث من عناصر قوتها التنافسية الدولية، في صورة اصرار الدول الكبرى على ضرورة اجراء اصلاحات هيكلية في الدول النامية بصورة تسمح لها بالاندماج الدولي على قاعدة »تقسيم العمل الدولي« وبالتالي العمل على اعادة رسم الخريطة السياسية والاقتصادية للعالم، مما يؤدي لتجريدها من مذايها مثل قاعدة الاجور، وعنصر العمالة الرخيصة، ووفرة العناصر الخام التي سيتم الحيلولة دون العمل على رفع اسعارها العالمية، او تصنيعها محليا على غير الشراكة غير المجزية للشريك غير الغربي، وهو ما حذر منه الرئيس الجزائري، عبدالعزيز بوتفليقة، في كلمته امام مؤتمر »اونكتاد« عندما اشار الى ان الدول الكبرى »تخطط لالغاء افريقيا من الخريطة العالمية« في دعوته لتكاتف الدول النامية للدفاع عن مستقبلها. ماذا يريد العرب من »العولمة«؟ رغم ان الجميع يعترفون الآن باستحالة اعتماد القرار الاقتصادي في بلد ما، على المؤثرات والعوامل الداخلية وحدها كما كان الامر في مطلع القرن العشرين، واتساع دائرة هذه المؤثرات اقليميا، وقاريا، وعالميا، وبالتالي تعديل الصيغة التقليدية لمفاهيم »القرار السيادي الوطني« التي سادت في الخمسين عاما الاخيرة، فان منطقة الشرق الاوسط تكاد تكون الوحيدة في العالم التي لم تنجح في طرح ـــ ناهيك عن تجسيد ـــ منظومة اقليمية عالية الكفاءة لتنسيق الجهود التنموية بين دولها، مما ادى لتراجع المنطقة في ترتيب افضل المناطق الاستثمارية في العالم واقلها مخاطر، وهو احد المعايير الدولية الاساسية التي يتم من خلالها تقدير احتمالات الازدهار المستقبلي في جميع مناطق العالم. وباستثناء الجهود التي تبذلها مؤسسات مجلس التعاون الخليجي، واتحاد المغرب العربي ـــ وهي منظمات تحت اقليمية ـــ يظل الاهتمام العربي بالتطورات العالمية غير واضح ويعتمد بالدرجة الاولى على دور »الدولة« واولوياتها ولم تعد قادرة بالضرورة على التأثير في التعاملات الدولية الحالية، والتي تشمل خمس كيانات اقليمية كبرى تجاوزت جميعها مراحل التنسيق الاقتصادي، وبدأت تستشرف آفاق التوحد السياسي والعسكري على مستويات مختلفة، بينما لا يزال من غير المعروف ماذا يريد العرب من »العولمة« التي لا يزال الجدل حول صياغتها اللفظية يأخذ من مثقفيهم جهدا اكثر مما بذل صانعوها في الغرب. فعلى سبيل المثال، لا يزال ملف الوحدة الاقتصادية العربية، ومشروعات السوق العربية الموحدة، بعيدة عن الانجاز، ولا يزال الموقف من عضوية منظمة التجارة العالمية متباينا بين دول المجموعة، فضلا عن عدم مشاركتها بجدية في المنابر الدولية او محاولة استخدام سماتها التفاوضية المتميزة في بعض القضايا كأوراق ضغط للحصول على مواصفات افضل لمشروعات الشراكة التجارية، وحتى بالنسبة لبعض القضايا التي تثير الخلاف بين الدول الكبرى، والتي تتعلق بالمنتجات الغذائية المعدلة جينيا، لم تشارك دول المجموعة العربية في الحوار الدولي الدائر حولها حتى الآن، رغم ان المنطقة تعتبر احد الاسواق الهامة للسلع والمنتجات الغذائية. قضية اخرى، لا شك ستثير حفيظة المفاوض العربي ومن الضروري العمل على توحيد الموقف منها، وهي قضية توحيد المعايير الدولية لتقييم الشهادات العلمية والغاء القيود امام المؤسسات التعليمية الاجنبية والسماح لها بمنافسة المؤسسات الوطنية لتقديم خدماتها في جميع الدول التي ستقبل بالاتفاقيات الجديدة، اذ سيؤدي ذلك الى الغاء (او المساس على الاقل) بالحقوق التفضيلية للمؤسسات التعليمية الوطنية، في مجال التعليم واعداد المناهج الدراسية، وما قد يستتبع ذلك من تقليص للدور التقليدي للحكومات الوطنية في المحافظة على روافد الثقافة الوطنية وما يترتب عليه استراتيجيا. بعد فشل مؤتمر سياتل في التوصل الى حد ادنى من التفاهم حول اولويات التفاوض بين الدول الكبرى في الشمال، وحتى بين دول الشمال والجنوب من ناحية اخرى، تشاءم البعض من امكانية التوصل بسرعة لاقرار قواعد جديدة لتحرير التجارة العالمية، وللمرة الثانية يكشف الحوار الذي شاركت فيه الدول النامية بقوة خلال مؤتمر »اونكتاد« ان الطريق لا يزال طويلا امام الحالمين بولادة عالم جديد بلا قواعد للتجارة وبلا مفاهيم ضيقة للوطنية، وايضا فالحوار لا يزال قائما وسيستمر لبعض الوقت.