قبيل ساعات من مغادرته ابوظبي في طريقه الى بانكوك لحضور مؤتمر (الاونكتاو) قال الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة لـ »الملف السياسي« انه ذاهب الى هناك للتحدث باسم القارة الافريقية »المظلومة« التي فوضته لطرح قضاياها وهمومها ومشكلاتها الراهنة على ذلك المؤتمر الدولي ولم يخف الرئيس بوتفليقة شعوره بالظلم الكبير الذي وقع على كاهل القارة الافريقية وكل الشعوب المقهورة في الدول النامية ازاء قضية العولمة ومساعي الكبار للهيمنة على الصغار ولهفة الاغنياء والاقوياء لالتهام الفقراء والضعفاء تحت ستار العولمة الاقتصادية وازالة الحواجز التجارية وفتح الاسواق وتحرير التجارة الخ. ويقول بوتفليقة في اللقاء الذي اجري معه في قصر المشرف بأبوظبي يوم 2000/2/16 حيث قام بزيارة رسمية الى الدولة هي الاولى منذ توليه رئاسة الجزائر في صيف العام الماضي، يقول: انا لست ذاهبا الى بانكوك للتحدث عن الجزائر ولكن القارة الافريقية فوضتني لطرح مشاكلها، وهذه مسئولية كبيرة قبلت بها، ولذلك فإنني سأسمع صوت افريقيا الى الجميع من دعاة العولمة في هذا الكون لعل وعسى يتعرفوا على الواقع الافريقي المرير بكل ما يحتويه من حسرة وألم ومشكلات اجتماعية كارثية وامراض وحروب مدمرة وجفاف وتصحر. ويقول الرئيس الجزائري: يجب ان يسمع اصحاب العولمة ودعاتها بان هناك شعوبا بأكملها في افريقيا مهددة بالانقراض بسبب الفقر والجوع والمرض. ويتساءل: كيف يمكن اذن اقامة نظام اقتصادي حر ومتوازن في مثل هذه الظروف، اين العدالة الاقتصادية ومديونية القارة الافريقية تبلغ 300 مليار دولار امريكي. في ظروف كهذه يستحيل على دعاة العولمة تطبيق نظرياتهم الاقتصادية في قارة مثل افريقيا، فالرئيس الجزائري يرى ان افريقيا بأسرها وقعت ضحية لظلم كبير من النظام الاقتصادي العالمي، بقوله: لقد حاولوا تهميشها واقصاءها سياسيا واقتصاديا بهدف السيطرة على مواردها وثرواتها الطبيعية، ونقول لهم: برغم كل ما حصل فان افريقيا لم تمت بعد وسترجع من منطلق عزم اكيد لممارسة الحياة وتتغلب على لعبة الموت، فهناك الآن حوار اوروبي أمريكي، وحوار أوروبي ــ أفريقي و أمريكي ــ أفريقي وآسيوي ــ أفريقي لانتشال القارة من همومها وتخفيف آلامها لكي يتسنى لأصحاب العولمة اثبات حسن النيات. غير ان الرئيس الجزائري الذي يحمل في صدره هموم بلاده الجريحة التي عانت من شبح الارهاب وسيل المذابح التي راح ضحيتها نحو 100 ألف قتيل ومليون متضرر في الجزائر وخسائر مادية بلغت نحو 20 مليار دولار أمريكي نراه، ينطلق نحو تضميد جراح الجزائر وأفريقيا معا، فالجرح واحد والهم واحد فرضته روابط القربى والجوار والثقافة والمصالح والضغوط المشتركة. ولاحظنا خلال اللقاء المطول معه بقصر المشرف انه كان يتحدث بلغة لا تقبل الشك، ولهجة مليئة بالارادة والاصرار حينما قال: انني لست متشائما ازاء قضية العولمة على الاطلاق، وفي اعتقادي الراسخ ان مصالح الشعوب سوف تنتصر في نهاية المطاف. وتساءل بماذا نفسر المظاهرات الحاشدة في سياتل الشهر الماضي؟ وبماذا نفسر الاحتجاجات الشعبية في بانكوك وأجاب قائلا ان المضطهدين من أبناء الطبقات العاملة والفقيرة خرجوا إلى الشوارع غاضبين حانقين محتجين ليعلنوا رفضهم للظلم، ومقاطعتهم لمثل هذه المؤتمرات التي تكرس هيمنة الشركات الاحتكارية الدولية على اقتصادات العالم وتحويل الشعوب الفقيرة إلى مجرد أدوات استهلاكية لهم. وأضاف »سواء كان دعاة العولمة في سياتل أو بانكوك أو في أي مكان آخر عليهم ان يفهموا انه لا عولمة بدون بناء نظام اقتصادي عالمي عادل، ولا عولمة مع الظلم والاضطهاد ومصادرة ثروات الشعوب العولمة يجب ان تكون رديفا للعدالة الاقتصادية والاجتماعية وليست نقيضا لهما. ويعتقد الرئيس الجزائري بأن الشعوب لن تصمت بعد الآن لأنها أصبحت أكثر اداركا وفهما للعولمة والسيطرة وتقاسم العالم بشعوبه وأقطاره وخيراته وأسواقه بين مصالح الشركات الاحتكارية الكبرى ويرى ان المظاهرات الصاخبة في سياتل وبانكوك كانت ضد الظلم وضد مساعي أصحاب الاحتكارات للعمل على نهاية الانسان، وهذه المظاهرات قد تستمر في أي مكان آخر إذا استمرت الحالة على ماهي عليه. ويضرب مثلا على الجزائر التي قال بأنها واحدة من البلدان المتوسطة الدخل بقوله ان الجزائر لها مديونية عالية وان بقيت هذه المديونية على حالها فلن تترك للجزائر أي مجال للانطلاق نحو تحقيق تقدم اقتصادي ويتساءل فما ببالنا ازاء دول تكاد تختنق من وطأة الديون؟ ويخلص إلى القول: لابد من اعطاء فرصة للحركة والتحرر من قيود المديونيات المرتفعة، نريد تعميم النموذج المصري في أفريقيا، فقد تم شطب نصف المديونية المصرية لمساعدة الاقتصاد المصري على النمو وبالتالي احرزت مصر نجاحا ملحوظا في السنوات القليلة الماضية ويرى الرئيس الجزائري انه بدون تدخل الدول الصناعية والمتقدمة لمساعدة الدول النامية ذات الدخل المتوسط فان حالة الخلل سوف تستمر لان الدول المتوسطة الدخل لن تتمكن من دعم ومساندة الدول الاكثر حرمانا وبمعنى آخر سوف يظل الاغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا، وفي ظل هذه الهوة السحيقة سوف تسقط العولمة وأي نظام اقتصادي آخر لا يعمل على معالجة هموم وقضايا الدول والشعوب الفقيرة وتساءل: كيف يمكن للجزائر ان تسدد ديونها وهي تتكبد خسائر باهظة من جراء الارهاب الدامي؟ وهذه الخسائر التي بلغت نحو 20 مليار دولار في السنوات العشر الماضية تتصاعد لان الدولة في حالة مواجهة مع فلول الارهاب حتى الآن؟ كما تساءل كيف يمكن لدول افريقية فقيرة أن تسدد ديونها وهي غير قادرة على اطعام شعوبها او تسديد فواتير القمح والغذاء وغير قادرة على شراء الدواء وتقتات من المساعدات الانسانية الخارجية؟ ووجه سؤلا الى صندوق النقد الدولي وعن دوره لحل هذه المعضلة الصعبة وتعامله مع مثل هذه الاوضاع الشائكة! اما على الصعيد العربي فان الرئيس الجزائري يرى ضرورة عقد قمة اقتصادية عاجلة يكون موضوعها واضحا ومحددا و هو كيفية مواجهة العولمة والتكتلات الاقتصادية العالمية الاخرى، وقال: ان الذين يرفضون القمة السياسية نقول لهم ان العالم العربي الآن بحاجة لتحديد الاجابة عن سؤال يتعلق بمصيره ومستقبله في ظل حالة التشتت والضياع التي تعيشها الامة منذ سنوات! وقال اننا بحاجة للقاءات على مستوى القمة وعلى مستوى اللجان الوزارية المتخصصة لدراسة المعوقات التي تحول دون قيام السوق العربية المشتركة وفتح الحدود امام الصادرات والورادات العربية فنحن نريد سوقا عربية مشتركة تبنى على اساس تصدير واستيراد الانتاج المحلي العربي ولا تبنى على اساس البضائع الواردة من جنوب شرق اسيا لكي نسوقها لغيرنا. ويرى ان مواجهة التحديات الاقتصادية الجديدة لا يمكن ان تتم بالامنيات والاحلام وانما بالعمل الجاد والمخلص على المستوى القومي والجماعي العربي بهدف تضييق فجوة الخلافات بين الدول العربية اولا ثم الانطلاق نحو تضييق الفجوة مع الدول الاخرى. كل ما قاله الرئيس الجزائري عن هموم العرب والافارقة وكل باقي ابناء الشعوب المضطهدة مع العولمة صحيح، ولكنه لم يتعرض الى قضية ان الشركات الاحتكارية الامريكية المتعددة الجنسية تريد تحويل الدول النامية الى اسواق لها تصدر اليها منتجاتها الصناعية والاستهلاكية وتسترد مواردها الطبيعية بأبخس الاثمان، وتحول الايدي العاملة الى مجرد ارقام او ادوات استهلاكية فقط. وهذا يعني ان حوالي 355 شركة امريكية متعددة الجنسيات تسعى للسيطرة على العالم كله وتحويل الدول النامية الى مزرعة خاصة بها ولحد الآن تسيطر هذه الشركات على نصف التجارة العالمية البالغة 322.1 مليار دولار، ولذلك فان الخطر الماثل امام اعيننا الآن يحتم على كل الدول العربية والنامية بوجه عام رفض العولمة، لاعتبارات كثيرة منها ان العولمة تلغي الحدود القومية للدولة القطرية والعولمة تلغي القيم والعادات الاجتماعية والهوية الوطنية لصالح رأس المال العالمي الاحتكاري وحتى لو قيض لاصحاب الشركات الاحتكارية ادخال اصلاحات اقتصادية في الدول النامية فان ذلك سيتم على حساب الهوية الوطنية والسيادة وقيمة الانسان وحقه وحق في الحرية والعيش بكرامة. من هذا المنطلق لابد من عقد قمة عربية لبحث مواجهة العولمة كواقع جديد يهدد الحدود والوجود والثقافة والقيم الدينية والاخلاقية ويصادر التاريخ ويهدد الجغرافيا معا. اجرى الحوار: د. جمال المجايدة