بقاء الحال من المحال .. قاعدة تصلح تماما لفهم التحولات والتناقضات العجيبة في عالم السياسة. دلوتان نوويتان تتسابقان لاستضافة الرئيس الامريكي بيل كلينتون, وللوهلة الاولى تحل الحيرة امام سؤال التنافس بين الهند وباكستان على هذه الزيارة . كلينتون حسم زيارته لنيودلهي في اطار جولته الآسيوية المقبلة ( في مارس) لكن زيارته لاسلام اباد بقيت ملتبسة وفي عالم التكهنات. ذلك بسبب الانقلاب العسكري في باكستان الذي اوقع واشنطن في احراج مواجهة شعار الديمقراطية. لكن الذاكرة الامريكية اسقطت قصدا حقبة انقلاب الجنرال ضياء الحق واعدامه رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيا ذو الفقار علي بوتو وتفعيل التعاون الاستخباري بين الجانبين لمواجهة الخطر الشيوعي السوفييتي وتأمين ممر حصين للمجاهدين ضد الجيش الاحمر في افغانستان .. حينها لم يؤنب الضمير الانساني جماعات حقوق الانسان الامريكية .. ولم يجد البيت الابيض حرجا في غض الطرف عن الاطاحة بالديمقراطية في اسلام اباد. سبب آخر يكمن في التحول الذي اصاب السياسة الخارجية الباكستانية في اعقاب اندحار السوفييت عن افغانستان وفقدان الاهتمام الامريكي ومسارعة اسلام اباد لنسج تحالف استراتيجي مع الصين .. القوة الناشئة في وجه تفرد القطب الامريكي بحركة دوران الارض. امتلاك باكستان للقنبلة النووية ايضا وما رافق ذلك من ضجة معنوية عالية وتسميتها بالقنبلة الاسلامية المثيرة لحساسية الغرب وحساباته حول اصطفاف العالم الاسلامي لمؤازرة اسلام اباد. الاهم من كل ذلك العامل الامريكي الداخلي وتحديدا اشتداد حمى سباق الانتخابات الرئاسية حيث يحسب كلينتون الف حساب لمخاطر مصافحته الجنرال برويز مشرف وامكانية استثمار هذه المصافحة من قبل خصوم نائبه آل جور وبالتالي خسران دعم اللوبي اليهودي واليمين المسيحي على حد سواء. اذن هي حملة انتخابية امريكية يخوضها كلينتون لصالح نائبه خارج الولايات المتحدة وان كان سيحرص خبراء الاقتصاد الامريكيون المصاحبون له على انتزاع ما وسعت جيوبهم من الصفقات واتفاقات اعتقال الاقتصادات الآسيوية. لكن السؤال يبقى قائما: لم تتماحك الدولتان وتجهدان للفوز بهذه الزيارة في عالم تصوغه شبكات الاستخبارات خلف الاضواء. اهو سعي برويز مشرف لانتزاع شرعيته من القطب الدولي الاوحد ولهاث اتال بيهاري فاجبايي لالصاق تهمة الارهاب بجارته اللدودة .. ايا يكن فان الحال برمته سينقلب ما ان يقتحم فارس جديد ابواب البيت الابيض.