اذا كانت الثروات التي تهبط على الانسان نعمة من الله عز وجل في اماكن كثيرة من العالم فانها في القارة الافريقية لعنة تصيب اول ما تصيب اصحابها وليس ادل على ذلك من الحروب الشعواء والداخلية المزمنة في افريقيا وأحد اسبابها الرئيسية الثروات المدفونة في بطن القارة السوداء والذي يدور حول امتلاكها صراع ضار تؤججه الدول الاوروبية واصحاب المصالح بالسلاح وفرق المرتزقة. وهناك مبادرة انسانية سياسية تتبناها مجموعة من حركات ومنظمات حقوق الانسان الاوروبية بدأت منذ شهر اكتوبر الماضي لاتخاذ تدابير لمكافحة تهريب الماس من افريقيا خاصة انجولا, واطلق على هذه المبادرة (الماس ملوث بالدماء) كشفت هذه الحركة عن تفاصيل ما يدور في مناطق الصراعات الافريقية ودور الايادي الاوروبية من تجار السلاح ومافيا المرتزقة في تذكية نار الحروب الافريقية من اجل الحصول على الماس, حيث تدور العديد من الصراعات الافريقية حول الماس في سيراليون, الكونغو, انجولا, فالاحجار الكريمة مرتفعة الثمن, بينما في المقابل لا تساوي حياة الانسان في هذه المناطق شيئا. تلعب افريقيا الدور الرئيسي في تجارة احجار الماس, فتقوم المناطق الافريقية بتصدير اكثر من 70% من الانتاج الخام العالمي للماس, وتعتبر جنوب افريقيا واحدة من اكبر هذه الدول في العالم وسبعة دول تقدم 80% من الانتاج العالمي 5 منها في افريقيا وهي بتسوانا, جنوب افريقيا, الكونغو, انجولا, ناميبيا, اما الدولتان الكبريان, في تصدر الماس خارج افريقيا فهما روسيا واستراليا, اضافة الى غينيا, سيراليون, ليبيريا, غانا, وجمهورية افريقيا الوسطى تنزانيا, اما واحدة من اكبر شركات العالم في جنوب افريقيا وهي شركة (بيرس) فتقدم وحدها 50% من الانتاج العالمي اذ تمتلك 24 منجما لاستخراج الماس في جنوب افريقيا, انجولا, الكونغو, تنزانيا, وتمثل هذه الشركة في لندن منظمة بريطانية (سي اس او) او (سنترال سيلن اورجانيزيشن) وتسيطر على 72 ـ 80% من الانتاج العالمي وقد شكل بيع الماس الخام في العام الماضي مبلغا يتراوح من 7 ـ 8 مليارات دولار, وتعتبر مدينة انتورب البلجيكية وتل ابيب ونيويورك وبومباي من اهم مراكز ثقل الماس في العالم, حيث بلغت قيمة الماس الذي تم تشغيله العام الماضي حوالي 50 مليار دولار, وفقط في مدينة انتورب بلغ 20 مليار دولار, ويعتبر البنك الهولندي (ايه بي ان امرو) واحدا من اهم ممولي صناعة الماس في العالم. وجاء في تقرير اوروبي عن الصراعات في افريقيا ان سيراليون تعد واحدة من اهم مدن الماس, قد دمرتها عن بكرة ابيها حرب الفصائل المتصارعة ولم يتبق بها الا 1500 نسمة من اجمالي عدد السكان الذين كانوا يبلغون نصف مليون , والذين على قيد الحياة هم من الاطفال والنساء والشيوخ, وعلى الرغم من تحولها لمدينة اشباح, الا ان تجارة الماس لاتزال نشطة, واتضح من الحفريات في مختلف المناطق انه تم استخراج كميات هائلة من احجار الماس التي تدور حولها الصراعات, وقد بلغ الدخل الحكومي هذا الشهر 2000 دولار, في الوقت الذي يتم فيه تهريب كمياه كبيره من الماس, وثروات الماس في سيراليون يتم تهريبها من البلاد عبر ليبيريا, والميليشيات العسكرية قد حققت مكاسب تبلغ ملايين الدولارات من تجار الماس لوقوع مناطق استخراج الماس تحت نفوذها وسيطرتها, وهذا ما اعترف به مؤخرا وزير المالية (جيمس جوناه) في نوفمبر الماضي بمدينة (فري تاون) وفي سيراليون يوجد اعلى درجة نقاوة للماس في افريقيا, وكان يتوقع لهذا البلد كما يطلق عليها (كويت افريقيا) ان يكون بلدا ثريا, لكن بعد تحرير سيراليون استفادت مجموعات قليلة جدا من ثروات البلاد, في الوقت الذي يعاني فيه الغالبية العظمى من الفقر المدقع والمرض والبطالة وكانت هذه من اهم الاسباب التي ادت الى تشكيل ميليشيات عسكرية بداية التسعينيات, تلك الحركات التي تمردت على الفوارق الطبقية والفجوات الكبيره بين الفقراء والاغنياء, وقد تمكن من دعم ومساعدة هذه الحركات (تشارلس تايلور) الضابط الليبيري السابق الذي اصبح فيما بعد رئيسا لليبيريا, هذا بالاضافة الى انخراط اياد اجنبية اوروبية خفية واصحاب رؤوس اموال في هذه الصراعات, ضمت تجار السلاح ووسطاء بين فرق وتأجير فرق المرتزقة, ولم تكن اهتمامات هؤلاء بالحرية او العدالة في الحروب التي يزجون بانفسهم داخلها, بل كان هدفهم الحصول على اكبر كميات من الماس مقابل تقديم السلاح والذخيرة وفرق المرتزقة, ومعظم هؤلاء من الاوروبيين البيض, وسرعان ما استشرت الخلافات داخل الميليشيات العسكرية بفعل سياسة التفرقة من الاوروبيين ونشر الدسائس بهدف السعي لتفرقتهم وعدم تجمع كلمتهم ضد الاوروبيين المنتفعين من تجارة الماس, الامر الذي ادى الى نهاية المبادىء لدى هذه الميليشيات من محاربة الفقر ولصوص ثرواتهم والتي من اجلها حملوا السلاح, وحول الاوروبيون المنتفعون فرق الميليشيات العسكرية في سيراليون الى ارهابيين في وسائل الاعلام الغربية, وكانت النتيجة الظاهرية لذلك هي فقدان ثقة العالم في هذه الميليشيات وقدرتهم على تحقيق حكم عادل لبلادهم او ازالة الخلافات فيما بينهم, وانشغل قادة الميليشيات في مصالح مادية, ادناها الحصول على الطعام, واعلاها الحصول على السلاح للدفاع عن انفسهم ضد الميليشيات الاخرى المضادة, وتحولت غينيا وليبيريا الدول المجاورة لسيراليون لاكبر دول مصدرة للماس وليبيريا مثل ساحل العاج انتجت عام 98 من 100 ـ 150 الف قيراط من الماس, لكن في نفس العام صدرت 6 ملايين قيراط الى بلجيكا, وساحل العاج لايوجد لديها انتاج, لكنها تبيع الى مراكز صقل الماس في انتورب ببلجيكا مليونا ونصف مليون قيراط من الماس في المتوسط كل عام, ورجالات المال الاوروبيون في هذه المناطق يقومون بحصار دائم من اجل تهريب الماس في مقابل المال والسلاح, ويعد (فريد رايندل) واحدا من اشهر هؤلاء وهو اوروبي الاصل من سكان جنوب افريقيا, ووليونمارد مينيم من اوكرانيا, والاسرائيلي (ايركلاين) وهؤلاء الاشخاص الثلاثة معروفون منذ سنوات بالاعمال المشبوهة التي يمارسونها في مناطق افريقية اخرى, ومن المنظمات الافريقية المشبوهة في افريقيا واخطرها (ايكسيكيوتف اوت كم) وقعت اتفاقا عام 1995 مع حكومة سيراليون لتخليص البلاد من صراعات الميليشيات العسكرية .. وفي ذلك الوقت كانت مناطق استخراج الماس تقع تحت مراقبة الحكومة ومن المثير ان حكومة سيراليون وقعت في مقابل ذلك على اوراق رسمية سمحت بموجبها لهؤلاء بحرية التنقيب على الماس واستخراجه من بعض المناطق, وبدون توقيع مثل هذا العقد, كان من الصعب ان يتحقق السلام بل سيصبح السلام ضربا من الخيال, الا ان حرب الجرائم الاقتصادية تحقق لفئات بعينها مكاسب طائلة اكثر من زمن السلام ووجود حكومة ديمقراطية, ومما يؤسف له ان حكومة سيراليون تعلم ذلك وقد ساهم اصحاب النفوذ في السلطة في تفاقم هذا الوضع اما تحت الضغوط او في مقابل المال. ومن السهل استخراج الماس في افريقيا لانه في معظم المناطق يوجد بالقرب من سطح الارض ولا يحتاج الى حفر مناجم عميقة, وتؤكد التقديرات ان كميات من الماس تتراوح مابين 20 ـ 25% يتم تهريبها سنويا لاسواق الماس الاوروبية وخاصة مدينتي انتورب البلجيكية وامستردام الهولندية, كما ان العائد المالي من عمليات التهريب يعود لرجالات السلطة للانفاق على الحاشية وايداع نصيب منها في بنوك اوروبية وقادة الميليشيات العسكرية لتغطية مصاريف شراء الاسلحة والذخيرة, وان موبوتو سي سيكو الرئيس الراحل لزائير التي سميت فيما بعد بالكونغو كان يمول حكومته من هذه الاموال بمساعدة عناصر بلجيكية, من الذين لهم مراكز نفوذ في مركز استخراج الماس في الكونغو حول مدينة (مابوجمايا) وكان جوناس موكامبا الرئيس السابق للشركة الحكومية (ميبا) في (مابوجمايا) واحدا من اهم رجالات السياسة لحكومة موبوتو, وكانت مساعدته في مارس 97 للميليشيات العسكرية التي تدعم رولان كابيلا بمثابة قنبلة تفجرت في كينشاسا بعد ان فقد موبوتو الاموال التي كان ينفق منها على حكومته المرتشية, وكانت النتيجة هي سقوط هذه الحكومة بعد ذلك بشهرين. وتجدر الاشارة الى ان انجولا هي من المناطق الافريقية الغنية بالثروات الطبيعية, وتؤكد التقارير الفنية بان البترول الموجود باراضيهم يفوق الموجود بنيجيريا, كما ان ثروتها من الماس تفوق ما يوجد في سيراليون, الا ان انجولا تعد واحدة من افقر المناطق الافريقية, فهي تفتقر الى سياسة تعليمية عادلة والى الرعاية الصحية, حيث تذهب معظم ثروات البلاد الى شراء الاسلحة والمعدات العسكرية, وتستخدم الحكومة الدخل العائد من النفط لتمويل الحرب, اما الحركة العسكرية (اونيتا) فهي تضع يدها على اهم مراكز الماس وتنفق منه على الصراع العسكري. انتورب ـ سعيد السبكي