ما زال أعضاء فريق العمل اللبناني الذي يحضر ملف التفاوض مع اسرائيل ـ في حال استئناف المسار ـ يعملون في صمت وراء الكواليس. ويستخرج الفريق آراء مختلف الفعاليات استعدادا لاكمال استئناف المفاوضات الشهر المقبل في أعقاب الجولة الثانية من التفاوض على المسار السوري . ويسعى فريق العمل اللبناني الى صياغة بند مفصل وأساسي يتعلق بمصير المقاومة ضد اسرائيل. والمعروف ان للبنان ثوابت واضحة في هذا الشأن تتمثل في تمسك الدولة بالمقاومة كخيار للتحرير وعدم ربط المفاوضات بوقف العمليات وتأكيد التزام المقاومة بالموقف اللبناني. حول التصورات التي يمكن ان يتضمنها الملف اللبناني بشأن الموقف من المقاومة ووضعها, التقت (البيان) في بيروت غازي زعيتر وزير الدفاع الوطني والحاج محمد رعد عضو مجلس النواب رئيس المجلس السياسي لحزب الله والعلامة الشيخ محمد حسين فضل الله رئيس المجلس الأعلى للشيعة في لبنان. عبْر محمد حسين فضل الله عن قناعته بأن (قطار التسوية في المنطقة يسير براحة وأمان عبر مراحل رغم التعقيدات والصعوبات) , لكنه وصف التعقيدات بأنها (هامشية لا تعكس حقيقة ما يجري وراء الكواليس) . ويرى فضل الله ان مرحلة مصيرية دقيقة من الصراع بدأت تضع نهاياتها بعد استكمال معطياته, لذا (ينصح) السياسي والمواطن في العالم العربي ان يقرأ الأمور من آخرها, وليس عبر مجريات يومية تتبدل بين يوم وآخر, وربما بين ساعة وساعة ثانية. وهو مقتنع تماما بأنه لا يمكن توقع اي ردود رافضة لما سوف يترتب على افرازات مسيرة ذلك (القطار) . لكن الأمور تبدو مختلفة على المدى العربي والاسلامي البعيد, والسبب يعود برأي فضل الله الى ما يسميه بـ (تناقضات التسوية) والتي ستتفاقم أكثر فأكثر على المدى الأبعد. لذلك فإنه مقتنع ان دخول اسرائيل في مفاصل الوضع العربي سوف يحرك مع مرور الوقت حالة القهر الدفين في أعماق الذات العربية والاسلامية (بحيث يؤدي كل نشاط اسرائيلي عام الى انتاج للحقد ضدها في المنطقة, لذلك فإن الحالة الجنينية الرافضة لاسرائيل قد تكبر مع الوقت) . حدود الاحتلال ويوضح ان المقاومة قد تقف عند زوال الاحتلال في ما يسميه (الحدود الرسمية) لهذا الاحتلال, لكنه يستدرك بالقول: (ان الذين عاشوا المقاومة بصفتها رفضا لاسرائيل في الأصل, لن يستطيعوا التصرف على أساس ان الصراع قد انتهى بتسوية قيد الانجاز وبرسم التجريب) . لكن فضل الله يرى تماما ان مرحلة ما بعد التسوية ستكون مختلفة عما قبلها, لكن ضمن اطار ما هو مطلوب لجهة بقاء الشرق الأوسط سوقا للغرب واسرائيل على نحو اجمالي عام, أى ان تبقى هذه المنطقة خاضعة لعلاقة سيطرة غربية ـ أمريكية ـ اسرائيلية. ومن هذا الاعتبار فإنه ليس متفائلا, كما يقول, بالاستقرار المستقبلي للمنطقة, وأكثر من ذلك فإنه يعتبر ان لا وجود لاستراتيجية أمريكية لاستقرار المنطقة. ويقول ان هذا (اللاوجود للاستراتيجية) مسبوق وملحق بأن اسرائيل لا يناسبها (ترتيب) وضع العرب لأنه لا يراد للشرق العربي ان يستقر. تلميع الصورة الاسرائيلية وينطلق فضل الله من تلك القواعد التحليلية ـ السياسية المركبة ليجيب عن سؤال حول النقطة التي يمكن ان تصل اليها التسوية, بقوله: عندما ندرس مختلف الاجواء الاحتفالية, أو العنصر الامريكي ـ اليهودي, فإننا نجد ان هناك اهتماما لإيجاد المناخ الاعلامي الأمريكي الهادف الى تقديم ايهود باراك الى العالم والى العالم العربي بالذات, على رجل السلام الذي سوف يقدم التنازلات المؤلمة والصعبة انطلاقا من انفتاحه على السلام ليدعو من خلال ذلك العرب وخصوصا الفلسطينيين الى ان يساعدوه على مواجهة القوى المضادة في الكيان المحتل في المجتمع اليهودي, ليقوم بالمهمة الكبيرة, وليمحو صورة اسرائيل المعقودة التي تعقد عملية السلام في كل التجارب السابقة, ان المطلوب هو تلميع الصورة الاسرائيلية أمام الرأي العام الأمريكي والرأي العام العالمي, على أساس ان اسرائيل تحب السلام, ولكن بعض مسئوليها هم الذين يعقدون العملية. لذلك لاحظنا ان الأحاديث الأمريكية المتكاملة مع تصريحات باراك الذي كان يوزع الأحلام من جهة, لكنه يضع في داخلها التعقيدات والمشاكل من جهة أخرى, وهي يفسرها الأمريكيون وغيرهم بأنها جد طبيعية, بحجة ان الانسان لا يمكن ان يكشف كل أوراقه في المفاوضات. أما مسألة ان التسوية سوف تصل نهاياتها فإنني أتصور من خلال المعطيات الموجودة في الساحة ان هذه المرحلة هي مرحلة الوصول الى نهاية النفق, لأن الصراع العربي ـ الاسرائيلي تجاوز بعد ولادة اسرائيل الخمسين سنة, ولا يتقبل العالم كله ان يبقى مجمدا, لأن هذه المسألة اذا بقيت مجردة فهي تتحرك بالمتاهات, على أساس ان البديل عن سير المفاوضات هو الحرب, ويبدو ان الحرب ليست مطروحة ولو بنسبة واحد في المئة في الواقع السياسي الاقليمي والدولي. لذلك فإن البديل عن معنى الحرب هو الضغوط الأمريكية, التي قد تضاف اليها الضغوط الأوروبية التي رحبت بباراك الى جانب امريكا, وربما تنطلق بعض الضغوط العربية. لذلك لست متفائلا من التسوية, ولست متشائما من أصل حصول التسوية, ولكنني لست متفائلا بنوعيتها, إذ أنها ستكون بتصوري على حساب العربي. لا تختلف مواقف (حزب الله) من مستجدات التسوية وآفاقها عما ذهب الى تحديده فضل الله بشأنها. وفي اللقاء التالي يحدد رئيس المجلس السياسي في الحزب النائب محمد رعد تلك المواقف الأساسية: * هل يرى (حزب الله) ان أفق المنطقة سلام عادل وشامل سينتج عن المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية, واقتراب تحريك المسار اللبناني. ـ ان المفاوضات الجارية لن تصنع سلاما عادلا وشاملا, وانما ستصنع هدنة مؤقتة, وتسوية غير دائمة مرهونة باستمرار القوى الراهنة, فإذا ما اختلت هذه الموازين لمصلحة شعوب الأمة, فإن الأمة التي ترفض باستمرار التخلي عن القدس وفلسطين ستعاود مسيرتها من أجل استعادة كل القدس وفلسطين في ظروفها المناسبة التي تختارها, والتي تشعر بأن جهادها سيعيد الحق الى نصابه, وسيحقق العدالة. * هل هنالك أجواء مشابهة للمفاوضات اللبنانية ـ الاسرائيلية السابقة التي انتجت اتفاق 17 مايو, وهو الذي اسقطته فيما بعد القوى الوطنية اللبنانية مدعومة من سوريا؟ ـ في الوقت الحاضر فإن مرحلة التفاوض تختلف عن مرحلة 17 مايو. فالموقفان اللبناني والسوري تعززا بفعل صمود أهلنا والمقاومة الجادة الباسلة, ولو سمحت الظروف الاقليمية والدولية لكان يفترض ان يوظف جهاد المقاومة لوضع اكثر تكاملا من اجل الضغط على العدو الاسرائيلي لفرض شروط بدل الاكتفاء (باستنقاذ) بعض الحقوق. نحن لن نستعجل بتقسيمنا للمفاوضات وما ستسفر عنه, لكن ينبغي ألا يغيب عن بالنا ان المقاومة التي عززت المواقع التفاوضية لصالح الأمة, هذه المقاومة لو قدر لها ان تنفعل بها الأمة, وتعمم تجربتها على كل الجهات, لكان وضع امتنا افضل بكثير. * ألا تشكل عملية المفاوضات نوعا من (الثقة) باسرائيل؟ ألا يسقط هذا الشعار الأساسي لـ (حزب الله) القائل ان اسرائيل شر مطلق؟ ـ العدو هو الذي يحتاج الى التفاوض, لأنه يحتاج منا ان نعترف بهويته. ولكن لن نعترف بهذا الكيان, حتى لو اعترف به من اعترف, والحق لن يصبح باطلا, والباطل لن يصبح حقا عندنا, والعدو الغاضب لحقوقنا لن يصبح مؤتمنا في منطقتنا. ويجب أن نحتفظ في ذاكرتنا على الدوام ان هذا العدو يتربص بنا الدوائر, وهو الذي ينتقل من حالة العدوان العسكري علينا, الى حالة العدوان السلمي والاقتصادي, وهو يريد ان ينتزع منا اعترافا بهويته لينتزع منا هويتنا. تسليم مسبق * ألا يعتبر (حزب الله) ان هناك تسليما مسبقا بجدوى المفاوضات وامكانية توصلها الى حلول مقنعة لأطرافها؟ ـ منذ البداية رفضنا مبدأ التفاوض مع العدو, لأننا شعب مؤمن نراهن على عزيمتنا وايماننا, ونراهن على ان المقاومة هي الخيار الوحيد الذي يمكن ان يستعيد الارض من دون تنازلات, وقد يتحدث البعض عن انجازات في التكتيك على مستوى استنقاذ بعض الحقوق وبعض الاراضي العربية المحتلة, لكن في السابق استعدنا سيناء وضعفت جبهتنا, وقويت جبهة العدو نتيجة التفاوض, والآن قد نسترد الجنوب والجولان, لكن هذه الانجازات تبقى باهتة, اذا كان سيقابلها اعتراف بالكيان الصهيوني واغتصاب لفلسطين والقدس. ومن حق الامة ألا تتعاطى بالتسليم مع النتائج, وهي غير معنية بذلك. ومن حقها ايضا ان ترفض, ولو على المستوى النظري والنفسي, اي اعتراف بالكيان الصهيوني, باعتبار ان هذا الاعتراف هو المدخل الواسع لتطبيع العلاقات, وعلى المدى البعيد. اننا منسجمون مع أنفسنا, والأمة منسجمة مع نفسها, عندما نرفض التفاوض على الحقوق. ولكن البعض يتذرع بأن الأمة في وضع لا تحسد عليه, لكن هذا الأمر قد يكون مبررا أو مفهوما قبل تجربة المقاومة في الجنوب والبقاع الغربي, لكن مع نجاح هذه التجربة نتساءل لماذا لا تعمم وتوضع النتائج في تعميم الانتصارات في الجبهات العربية, بدل ان نقننها لتخدم ما يريحنا من التعب فيما الأمة تشحذ هممها وإرادتها, فالعدو الاسرائيلي ما كان لينسحب من أرضنا لولا المقاومة. وما كان لهذا العدو ليعترف بالهزيمة لولا المقاومة. فلماذا نتساهل ونستخف بخيار المقاومة, وتغرينا الدبلوماسية الماكرة التي تريد ان تعطينا بيد, لتنتزع منا حقوقنا باليد الأخرى. * وردا على سؤال أخير حول ما اذا كانت المقاومة ستتوقف عملياتها في مرحلة المفاوضات, يجيب النائب رعد قائلا: ـ اننا نجدد عزم المقاومة على مواصلة عملياتها, طالما ان الاحتلال ما زال في أرضنا, وذلك حتى خروج آخر جندي اسرائيلي, فالمفاوضات ليست ذريعة حتى توقف المقاومة عملياتها, ولماذا نريح العدو حتى أثناء التفاوض, فالمقاومة مستمرة. وتجدر بنا الاشارة هنا الى ان مطلب توقف عمليات المقاومة أثناء المفاوضات هو مؤشر واضح على أهمية دورها في اخضاع العدو وإيلامه وإيذائه, فلماذا نقدم للعدو خدمة مجانية في دعوة المقاومة الى وقف عملياتها؟ الموقف الرسمي الذي لا يختلف كثيرا عن المواقف السابقة يعكسه وزير الدفاع غازي زعيتر الذي يقول (لا نستغرب أو نفاجأ باستمرار الاعتداءات الاسرائيلية على الجنوب والبقاع الغربي والعمق اللبناني فهي تحصل تحت مزاعم وادعاءات واهية, منها ان اسرائيل تعمد الى تسخين الأجواء في الجنوب من أجل تغطية المزاعم والادعاءات الأخرى التي تحاول من خلالها توجيه رسائل الى العالم موحية انها داعية سلام, وهذا غير صحيح) . لف ودوران * ما المواقف اللبنانية الأساسية في أية عملية للتسوية أو للسلم؟ يوضح الوزير زعيتر مجيبا: ـ الموقف اللبناني من السلام ثابت وواضح منذ البداية, وهو نابع من مصالحنا الوطنية والقومية الكاملة. كما انه نتيجة حقوق مقدسة نحن نطالب بها, بينما يحاول العدو الاسرائيلي اللف والدوران حول السلام الحقيقي المطلوب في المنطقة. * ثم يؤكد وزير الدفاع ان لبنان لن يتنازل عن حبة تراب واحدة من أراضيه, الأمر الذي ينسجم ويكمل الموقف السوري المؤكد بدوره التمسك بكل حبة تراب سورية محتلة في الجولان, فيقول زعيتر: ـ الموضوع واضح, فهناك ارض محتلة من قبل اسرائيل, وهناك شعب يريد ان يقرر مصيره. على ماذا سيتم التفاوض؟ هل نقول لاسرائيل: تفضلي خذي الأرض؟! هناك مبادىء واضحة وضعت لتحقيق السلام (الأرض مقابل السلام) , فلتتفضل اسرائيل وتطبق هذا المبدأ, فيحل السلام في المنطقة. حقنا في ارضنا مقدس, وحقنا في تقرير مصيرنا مقدس. لا نستطيع التراجع ولا التنازل عن هذا الحق بأي شكل من الأشكال, ولا تحت أي نوع من انواع الضغط. من غير المقبول, ومن غير المسموح, ان نقبل بالتراجع أو التنازل عن حبة من ترابنا, أو عن نقطة من مياهنا. فحقنا مقدس ان كان في لبنان, أو في سوريا, أو في فلسطين, والعالم أجمع يعترف بهذا الحق. نحن وسوريا حقنا واحد ومصيرنا واحد, وفي مواجهتنا عدو واحد هو اسرائيل. اننا نريد السلام المبني على الحق والمنطق, لا السلام الذي تطرحه اسرائيل, أو الطريقة التي اتبعت وأتت بالنتائج السلبية من جراء الاتفاقات المنفردة, إن كان مع الاخوة الفلسطينيين, والاخوة في الأردن ومن سبقهم. بيروت ـ وليد زهر الدين