تقدم رياك مشار في اليوم الأول من الجاري باستقالته إلى الفريق عمر البشير من منصبيه كمساعد لرئيس الجمهورية ورئيس لمجلس تنسيق الجنوب الذي هو بمثابة مجلس وزراء الإقليم الجنوبي, ومن الناحية السياسية والتنفيذية يعتبر مشار أهم شخصية جنوبية في حكومة الإنقاذ رغم وجود اللواء (م) جورج كنقور في منصب نائب رئيس الجمهورية. لقد كان الدكتور المهندس مشار الذي ينتمي إلى قبيلة النوير ـ تعتبر الثانية بعد الدينكا من حيث الفاعلية السياسية ـ من القيادات البارزة في حركة التمرد التي يقودها العقيد جون قرنق ولكنه انفصل عنها في عام 92 بسبب عنصرية الحركة لقبيلة الدينكا ودكتاتورية قرنق في إدارة شئون الحركة. ودخل مع الحكومة في اتفاق سياسي عام 96 تحول في ابريل 97 الى اتفاقية السلام المشهورة, والتي صارت فيما بعد مرسوما دستوريا (المرسوم الرابع عشر). وادعت الحكومة أن الاتفاقية استجابت لكل مطالب الجنوبيين, وأن مشكلة الجنوب المزمنة قد حُلت تماما ولم يعد هناك أدنى مبرر للاستمرار في التمرد سوى تنفيذ الأجندة الأجنبية ضد السودان. وكان لقرنق الذي يقود الفصيل الرئيس في حركة التمرد رأي آخر, أن الاتفاقية ليست كافية وأنها عقدت مع الطرف الخطأ الذي لا يُحارب ومن ثم لا تقود إلى سلام. وعمل مشار بعد توقيع الاتفاقية بجد وإخلاص مع حكومة الإنقاذ لتشكيل الإدارات التنفيذية وتكوين المجالس التشريعية في الولايات الجنوبية, ولتحقيق قدر أكبر من الأمن للمواطنين وتقديم الخدمات الإنسانية حتى تعود الحياة إلى طبيعتها في المناطق التي تقع تحت سيطرة الحكومة. وبالرغم من أن مشار كان يقود فصيلا يدعو لاستقلال جنوب السودان إلا أنه برهن على جدارته السياسية في قيادة التقارب مع القوى السياسية الشمالية باستقامته وثقافته وشخصيته المرنة التي احتملت المشاكسات والمشاحنات الجنوبية ـ السودانية في تاريخها. ولذلك حرصت الإنقاذ على التمسك به في أعلى المناصب التنفيذية الجنوبية رغم خروجه على حزب المؤتمر الوطني الحاكم وتكوينه لحزب جبهة الإنقاذ الديمقراطية, الأمر الذي أربك حسابات الحكومة وأفقدها أعصابها لوقت ما مارست عليه فيها ضغوطا كثيفة, وثبت الرجل على خياره دون أن يتزحزح ودون أن يشتط. وذكر مشار في خطاب استقالته القصير الأسباب التي دعته إلى الاستقالة بوضوح, وهي: 1ـ انتهاك الحكومة لاتفاقية السلام الموقعة مع الفصائل الجنوبية ومنها اعفاء وتعيين ولاة الولايات الجنوبية (قرارات 4 رمضان) التي لم تتم وفقا للمرسوم الدستوري الرابع عشر. 2ـ إخفاق الحكومة في إنفاذ البنود السياسية والأمنية من الاتفاقية كالأمن العام والشرطة واللجان العسكرية والمجلس الاستشاري للجنوب. 3ـ دعم الحكومة للميليشيات التي انشقت على (قوات دفاع جنوب السودان) (قوات مشار) في ولاية الوحدة وظلت تحارب حكومة الولاية وقوات دفاع جنوب السودان منذ سبتمبر 97 مما أدى إلى طرد الوالي (من أتباع مشار) وقتل وزيرين وفرار وزراء آخرين. ووقعت أحداث مماثلة في ولايات شمال بحر الغزال وجونقلي وأعالي النيل, كلها بدعم من الحكومة الاتحادية. 4ـ اتباع الحكومة لسياسة فرق تسد في صفوف قوات دفاع جنوب السودان لتشتيتهم وإضعافهم. وتقف الاستقالة شاهدا على شخصية د. مشار المهذبة المستقيمة, فقليل من الزعماء الجنوبيين يتخلى عن المنصب الحكومي المرموق, ومن يخرج منهم على الحكومة لا يكلف نفسه بكتابة استقالة مثل ما فعل ألدو أجدو (نائب رئيس المجلس الوطني الانتقالي) أو اللواء كاربينو. ولكن مشار كتب استقالة مسببة بدأها بتحية الإسلام ـ وهو المسيحي ـ وذكر أسباب استقالته في صدق ووضوح دون أن يطعن أو يغمز في أحد. ولم تكن تلك المرة الأولى التي يشكون فيها مشار من ذات الأسباب التي ذكرها في استقالته, فقد صرح بها للصحف أكثر من مرة وضمنها المذكرة الضافية التي رفعها للجنة المشتركة لتقويم اتفاقية السلام برئاسة النائب الأول. وجاء رد الحكومة بعد أسبوع كامل من تقديم الاستقالة في اجتماع مجلس الأمن الوطني الذي أوصى بإعفاء مشار من مناصبه, وقال إن الاستقالة خطوة غير موفقة وليس لها ما يبررها خاصة وأن تطبيق اتفاقية السلام قطع شوطا مقدرا, وفي طعن لا يليق بمجلس الأمن قال: إن المجلس اطلع على سجل التجاوزات الخاصة بدكتور مشار وعدم مقدرته على السيطرة على قواته سياسيا وعسكريا. ولم يرد المجلس على اتهام الحكومة بأنها فشلت في تكوين الأجهزة الأمنية والسياسية التي نصت عليها الاتفاقية بعد مرور ثلاث سنوات من التوقيع عليها, ولا على التهمة الخطيرة أن الحكومة هي التي دعمت المجموعات المنشقة من قوات مشار وانقلبت على حكومة ولاية الوحدة. ويبدو أن الأسباب التي ذكرها مشار صحيحة فلم يستطع أكثر زعيمين جنوبيين انحيازا لحكومة الإنقاذ أن يرفضا ما جاء فيها من أسباب, فقد قال أوجستينو أريمو ـ رئيس قطاع الجنوب في الحزب الحاكم ـ إن استقالة مشار ستخلق ارتباكات كثيرة في مسيرة السلام, وقال موسى المك كور ـ نائب الأمين العام في الحزب الحاكم ـ إن استقالة مشار كانت صدمة للحكومة وأنه خرج محبطا جراء تعثر إنفاذ بنود اتفاقية السلام. لقد ارتكبت حكومة الإنقاذ العديد من الأخطاء في معالجة مشكلة الجنوب وهي الآن تحصد نتائج تلك الأخطاء التي أدت بها إلى أن تدفع كل ما تملك دون أن تقبض شيئا من السلام أو الأمن أو الاستقرار الذي تريد. من أهم تلك الأخطاء: 1ـ تجاهل القوى السياسية الشمالية التي كان ينبغي أن تكون سندا للحكومة في مفاوضاتها مع الفصائل الجنوبية, وهي لا تختلف مع الحكومة في رؤيتها لحل مشكلة الجنوب, ولكن الحكومة فرطت في تلك القوى حتى انحازت إلى حركة التمرد مما أعطاها مظلة شمالية مسلمة فلا تُتهم من قبل الدول العربية بأنها حركة عنصرية أو انفصالية أو طائفية. 2ـ فقدان دول الجوار خاصة مصر واثيوبيا واريتريا بمغامرات طائشة مما جعل تلك الدول تفتح حدودها لحركة التمرد وتدعمها عسكريا وسياسيا وأدبيا. 3ـ إعلان الجهاد في تعبئة الشباب لحرب الجنوب وكأنها حرب دينية بين المسلمين والكافرين, واستغلت الحركة تلك الدعوى لتتكسب منها دعما ضخما من الدول الغربية والمؤسسات الكنسية. 4ـ تفاوض الحكومة من خلال مجموعة الإيجاد مع العلم أن ثلاثا من دول الإيجاد الأربع تقف موقفا عدائيا من حكومة السودان, ثم قبولها اجراء التفاوض تحت اشراف آلية متفرغة تتلقى تمويلها من الولايات المتحدة. فلا عجب أن رفضت حركة التمرد أية قناة أخرى للتفاوض سوى مجموعة الإيجاد وشركائها الغربيين. 5ـ فشل الحكومة في عقد اتفاق مع قرنق وهي في موقف القوة بعد عمليات صيف العبور 1992 حين استطاعت أن تطرد حركة التمرد من معظم مواقعها العسكرية, ثم تأتي لتتفق مع فصائل جنوبية ضعيفة وغير محاربة في عام 1997 وتعطيها من التنازلات ما لم يخطر ببال حكومة من الحكومات الشمالية. ـ عدم التزام الحكومة بتنفيذ بنود اتفاقية السلام بعد أن أدركت حجم التنازل الذي قدمته واستبانت ثغرات في الاتفاقية تحتاج الى مراجعة. وللمحافظة على مصداقيتها كان ينبغي على الحكومة مواجهة الأمر بشجاعة وإعلان موقفها الجديد بوضوح بدلا من المناورة بتجميد غير معلن. وبما أن الحكومة قد وصلت الى هذه المرحلة المتأخرة في مشكلة الجنوب الذي ظل السودان يعاني من ويلاتها منذ الاستقلال فليس لها أن تتراجع عن اتفاقية السلام, ومن الأفضل لها أن تعيد التفاوض مع رياك مشار وتلتزم بجدول زمني في تنفيذ البنود المعطلة فهو ـ على ضعف امكاناته العسكرية ـ الكرت الرابح الذي تملكه الحكومة, كما قال مساعده مكواج تينج الناطق باسم جبهة الانقاذ الديمقراطية. وحبذا لو أرسلته الحكومة إلى واشنطن ليحضر مؤتمر القوى السياسية الجنوبية الذي ينظمه هاري جونستون المبعوث الأمريكي الخاص في السابع عشر من فبراير حتى يبلغ المؤتمرين تمسك الحكومة بكافة بنود اتفاقية السلام وخاصة حق تقرير المصير الذي سيكون أهم بند يناقشه المؤتمر.