لم يغفر للفريق أول محمد فوزي قيامه باعادة بناء الجيش المصري بعد هزيمة 1967, ولم يغفر له انه خاض حرب الاستنزاف طيلة ثلاث سنوات تغيرت فيها الموازين بين مصر واسرائيل, اقول ان ذلك كله لم يغفر له عند السادات فحاول الاطاحة برأسه فيما اسمى كذبا مؤامرة 15 مايو . كان موقف الفريق فوزي حينذاك وقد كان وزيرا للحربية ان امام الجيش مهمة واحدة هي تحرير الارض المحتلة, ومع ذلك لم يصدق السادات انه بعيد عن اي هدف سياسي آخر فقدمه مع آخرين لمحاكمة صورية لا تستهدف ضبط الانقلاب, فلم يكن هناك انقلاب انما كان هناك انسحاب من الحكم .. و .. كان الهدف: التخلص من رجال عبدالناصر لانهم ـ على حد تعبير السادات ـ اذا كسبوا الحرب سوف ينسبونها لانفسهم, واذا خسرت مصر الحرب سيتحمل هو المسئولية! كان تفكيرا شاذا, لكن ذلك هو السادات, رجل المؤامرات والماكر العظيم واللاعب الاعظم. لم يطح السادات برأس فوزي خوفا من الجيش, ولم يستطع الاحتفاظ به طويلا في سجنه فأفرج عنه بعد حرب اكتوبر, تحت ضغط الجيش ايضا.! تحول فوزي الى مؤرخ عسكري, ثم قائد سياسي في الحزب الناصري لكن ذلك لم يكن افضل ما يؤديه او يسعده. حين كنت التقيه كنت احس, وقد بلغ الخامسة والثمانين, انه مازال يحمل لمحات جندي شجاع صارم .. آراؤه قاطعة لا يعرف اللف والدوران, تعبيراته قليلة, يميل للحسم والانضباط ولا يهمه تأييد الآخرين او تصفيقهم. وحين كنت أسير في جنازته كانت عبارات التاريخ المجيد تتناثر, فمنذ اكثر من خمسين عاما كان ضابطا في حرب فلسطين, وهناك ابتكر شيئا لم يفعله العسكريون من قبل .. كانت المدفعية المضادة للدبابات قد عجزت عن العمل, فاستخدم كما يقول رفاقه المدفعية المضادة للطائرات في صيد الدبابات .. و .. كان ذلك يحدث لاول مرة, مما دعا الاكاديميات الحربية في العالم لتدريس هذه التجربة فيما بعد! فعل ذلك وهو ضابط صغير برتبة نقيب, ولكن وحين اصيب الجيش كله بصدمة (67) وبات مطلوبا انشاء جيش جديد بتسليح جديد, وبحماس جرى ضربه فيما تم ضربه .. حين حدث ذلك كان هو الرجل الذي اختاره عبدالناصر ليبني الجيش, وليخوض حربا اضنت اسرائيل هي حرب الاستنزاف. روى لي الفريق فوزي بعضا من ذكريات هذه المرحلة (فقد كان شاغلي الاكبر هو ان يستعيد الجندي المصري الثقة في نفسه .. فبدون الثقة في النفس لا يتسطع الفرد ان يقاتل ..) وبالفعل وفي فترة وجيزة اعاد لم الصفوف, وخاض المعارك التي كان معلوما انها لاتحسم الحرب, لكنها تعيد الثقة, وهو ما جرى في (رأس العش) وجرى في مواجهات كثيرة تالية كانت بمثابة تدريب على الثقة مما هي تدريب على فنون الحرب . في زمنه: اعيد بناء الجيش وتسليحه. وفي زمنه : جرى بناء حائط الصواريخ بعد ان كان العمق المصري نهبا للطيران الاسرائيلي. وفي زمنه: تم وضع خطة (جرافيت 1) لعبور قناة السويس, وهي الخطة التي تم تطويرها ليتم العبور في اكتوبر (73) بنفس الجنود ونفس الاستعدادات. بعدها, وبفعل فاعل, اختفى فوزي من الساحة العسكرية المصرية, ولكن ليساهم بعد ذلك في معركة الفاو خلال المواجهة العراقية ـ الايرانية كانت العسكرية في دمه وكان جنديا بالفطرة بل كان رمزا للعسكرية العربية, مؤمنا بعروبته, مخلصا لشعبه, صارما في التمسك بالاهداف, لم تهزمه اسرائيل, ولم يهزمه السجن .. ولكن هزمه المرض, قطعة قطعة فعاش ايامه الاخيرة على ماكينة غسل الكلية التي كانت تعمل يوميا. ذهب فوزي ولكن بقي تاريخه هو نفسه تاريخ الجيش المصري الحديث, والذي ترك بصماته على جيوش المنطقة, فقبل الثورة كان أشهر ما يؤديه جيش الملك فاروق هو القيام بالاستعراضات والاشتراك في (المحمل) الذي ينقل كسوة الكعبة من مصر الى مكة .. و .. حين جاءت الثورة كان من ضمن اهدافها: بناء جيش قوي .. وهو الهدف الذي عارضته القوى الصاعدة حينذاك, الولايات المتحدة .. فاتجه ناصر شرقا وبدأ دور السوفييت في خلق جيوش عربية حقيقية, ومن هنا بدأ التحديث. الغريب ان يكون الفريق فوزي, وبعد رحيل الفريق عبد المنعم رياض هو وريث المشير عبدالحكيم عامر .. ووجه الغرابة هو ذلك التناقض الكبير في الجدية والصرامة والالتجاء للعلم الحديث وهو ما كان يمثله فوزي بجدارة, وما استطاع ان ينقله الى معاونيه حينذاك ومنهم: الرئيس مبارك الذي شغل منصب قائد كلية الطيران. كلهم تلاميذه, فهل ينال حقه من التكريم؟ السؤال في مصر والعالم العربي وربما في الدوائر العسكرية العالمية ايضا لقد رحل واحد من الذين يمثلون شرف العسكرية العربية .. قامة كبيرة لم يكسرها غير الموت.