عرف عن رئيس الاركان الاسرائيلي الحالي عزوفه عن السياسة والصحافة, ولذلك تفاجأت الخارطة السياسية الاسرائيلية من تصريح التهديد والوعيد الذي اطلقه مؤخرا والقاضي بالرد على مصادر اطلاق النار حتى ولو كانت من قرى ومن مناطق تكتظ بالسكان . والفرية الاسرائيلية عن حزب الله الذي يحتمي بالمدنيين ويختبىء خلفهم ويعرض حياتهم للخطر باتت تشكل عنصرا هاما في الدعاية الاسرائيلية ضد المقاومة اللبنانية الباسلة. ومن نافل القول ان حرب العصابات المنظمة الناجحة ضد جيش نظامي على ارض محتلة تورط هذا الجيش النظامي في حرب سافرة مع شعب بأسره بقراه ومدنه, هكذا تعلمنا تجارب التاريخ بدون استثناءات تقريبا. وقد يكون توريط المدنيين في الصراع مقصودا لدى بعض الحركات المقاومة للاستعمار, وقد يتم نتيجة لتخبط جيش الاحتلال ذاته وعدم قدرته على منازلة المقاومة المحلية وجها لوجه فيلجأ الى المعاقبة الجماعية في محاولة لرفع كلفة المقاومة وكلفة التضامن مع المقاومة من قبل المدنيين. هذا منطق حرب العصابات وهذه قوتها. العقوبات الجماعية تزيد من نقمة الشعب ضد الاحتلال وما يلبث الشعب بأسره ان يصبح شعبا مسلحا. وليس صدفة ان الهزيمة العسكرية الوحيدة التي منيت بها اسرائيل حتى اليوم كانت نتاج حرب العصابات التي تبقي زمام المبادرة بيد المقاومة. والهزيمة العسكرية هنا لا تنتج عن القوة العسكرية, فما زالت اسرائيل بالمنطق العسكري الصرف قادرة على احراق لبنان كما هدد دافيد ليفي, ولكن نظريا فقط. لماذا؟ نتيجة لعنصرين اضافيين اولهما ان المقاومة اذا نجحت بفرض عدالة قضيتها على الرأي العام العالمي والاقليمي اضافة الى التزام الدول المجاورة بعدالة قضيتها, تفرض كوابح على قدرة جيش الاحتلال على استخدام قوته العسكرية. وثانيهما انه اذا نجحت المقاومة في حرب الاستنزاف التي تقوم بها, اضافة الى فرض عدالة قضيتها وحتمية انسحاب المحتلين على الرأي العام في دولة الاحتلال, فسوف تحد من قدرة مجتمع دولة الاحتلال على دفع ثمن هذا الاحتلال الامر الذي يحرك حركة السلام المصممة على تجنيب الامهات دفع الثمن, لان الانسحاب قادم لا محالة ـ هكذا تبدو الخسائر بالارواح عبثية ومجانية. بهذا المعنى انتصرت المقاومة اللبنانية وهزمت اسرائيل, وقد انتصرت المقاومة اللبنانية دون ان تصم الاذان بالخطابات والشعارات ودون ان تملأ الدنيا زعيقا ضد اليهود كيهود, بل كثفت دعايتها ضد الاحتلال يرافقها توجه للرأي العام العالمي رغبة بالاقناع لا بالمباهاة والمفاخرة, وتمييز شديد الوضوح بين التحالفات الاستراتيجية والتكتيكية, وفهم عميق لا يطاله اي تشكيك للعلاقة الاستراتيجية بين سوريا ولبنان, وبين المقاومة اللبنانية والسياسة السورية غير المساومة تجاه الاحتلال الاسرائيلي, يضاف الى ذلك ما عرف عن المقاومة اللبنانية تحديدا من مثابرة وبراجماتية ووضوح هدف الانتصار, هذه المقاومة العربية الاولى التي لا تعتبر الشهادة هدفا, ولا الكفاح المسلح ايديولوجية بل تعتبر الانتصار هو الهدف رغم كل ما يشاع عنها من غيبية دينية تدفع الى الاستشهاد. وربما كانت هذه سخرية الاقدار ان يتعلم بعض العلمانيين البراجماتية من بعض المتدينين. ونعود الى سؤالنا على ضوء ما تقدم, لماذا تفوه رئيس الاركان بما تفوه؟ لقد اكد كبار الوزراء في اسرائيل امرين: (1) لم تجر العادة ان يخرج رئيس اركان اسرائيلي الى الاعلام باقتراحات يرغب بطرحها امام الحكومة, وقد تجاهل اولئك انه قد يكون هدف رئيس الاركان هو الاعلام ذاته, (2) ما قاله رئيس الاركان هو السياسة الرسمية وليست هذه بحاجة الى قرار, فالجيش الاسرائيلي مخول اصلا بالرد على مصادر اطلاق النار بغض النظر عن موقعها. ما الجديد اذا؟ ربما الجديد هو قصف القرى اللبنانية حتى لو لم تكن مصدرا لاطلاق النار. وما دام الجيش يقصف فهذا يعني ضمنا بالنسبة للرأي العام انها تشكل مصدرا لاطلاق النار خاصة بعد هذا التصريح. وربما الجديد هو رفع معنويات الجيش الاسرائيلي ومنحه الشعور بحرية الحركة والمناورة ضد المقاومة وربما كان الهدف هو تخويف اللبنانيين المدنيين وربما, وربما .. الاحتمالات التأويلية كلها تؤدي الى خانة التصعيد. التصعيد هو تهديد لسوريا, والتصعيد هو الديناميكية البديلة لديناميكية عملية السلام. التصعيد يؤدي ايضا في النهاية الى نتيجة واحدة هي الانسحاب من طرف واحد بـ (كرامة) بعد ترك رسالة للشعب اللبناني حول ما سيجري بعد عودة اسرائيل الى الحدود الدولية. ما زالت اسرائيل الرسمية تفضل الخروج من لبنان في اطار اتفاق مع سوريا ولبنان, وهذا ايضا ما تفضله الولايات المتحدة لان الانسحاب من طرف واحد حتى لو تم بعد قصف عشوائي يذكر بقصف الولايات المتحدة اليائس لفيتنام قبيل انسحابها منها, سيبقى في الذاكرة كهزيمة اسرائيلية كما اسلفنا, والاهم انه سيكون اول انسحاب اسرائيلي من اراض عربية بعد هزيمة ودون اتفاق. وهذا يناقض الهدف المعلن, او المدعى, لاحتلالات اسرائيل المتعاقبة للاراضي العربية: التوصل الى اتفاقيات سلام مع العرب. ولكن الاعتبارات ليست معنوية ولا حتى ايديولوجية وانما هي سياسية. انسحاب اسرائيل مهزومة من لبنان دون اتفاقيات سيدخل المنطقة بنظر المؤسسة الاسرائيلية (خلافا للرأي العام) وبنظر المؤسسة الامريكية في حالة من عدم الوضوح او عدم الاستقرار بالقاموس الامريكي. لماذا لا تتصرف الدول اذا بوحي ما تراه منطقيا؟ والمقصود بالمنطق في هذه الحالة هو ليس المنطق الرياضي الشكلي, بل توافق الخطوات السياسية مع مصالح الدولة كما تراها المؤسسة الحاكمة, هنالك لاول مرة مصلحة اسرائيلية وامريكية اضافة للمصلحة السورية واللبنانية بالتوصل الى اتفاقيات سلام. ومع ذلك تواصل اسرائيل تهيئة الرأي العام الدولي والمحلي بكثافة غير مسبوقة للانسحاب من طرف واحد. وكما يبدو لم تتخذ اسرائيل بعد القرار السياسي اللازم للتوصل الى اتفاقيات سلام مع العرب في سوريا ولبنان, وما فتئت تحاول تحويل هزيمتها في لبنان الى ضغط على سوريا ولكن انتصار المقاومة اللبنانية هو انتصار سوري ايضا, وانسحاب اسرائيل من طرف واحد مهزومة من لبنان هو انتصار للبنان وسوريا, وقبولها باتفاقيات سلام عادل نسبيا بالانسحاب الى حدود الرابع من حزيران يحتاج الى موقف سياسي يحتم بدوره جرأة اسرائيلية تتجاوز تلك الأزمة لاتخاذ قرار بقصف القرى اللبنانية ومحطات توليد الكهرباء. لم يستجمع باراك الجرأة اللازمة لخرق الاجماع القومي على الجبهة الفلسطينية, لانه لا يريد, ولانه جزء من الاجماع القومي في قضايا الحل الدائم فلسطينيا, ولم يجرؤ باراك حتى الآن على التعهد بالانسحاب الى حدود الرابع من يوليو لانه مازال يحاول الابتزاز, ابتزاز سوريا, ولكنه ليس في حالة تسمح له بابتزاز احد. وهو يفوت وقتا ثمينا وفرصة لا تعوض, وعندما يضع نفسه في فخ الانسحاب من طرف واحد ستختفي حتى ابتسامته التي رسمها على وجهه مستشارون اعلاميون امريكان. من الصعب ان تبتسم بعد سقوط هذا العدد من القتلى وبعد ان خرجت من لبنان بعد احتلال طال ثمانية عشر عاما دون اتفاق سلام.