جاءت الاحداث الاخيرة في الكويت لتعزز مشهدا سياسيا غريبا على نهج الحياة السياسية الذي عرفه الكويتيون وتعايشوا معه, وبعيدا عن الحالة الاعتيادية التي يتعامل اهل الكويت بها مع ازماتهم. فجأة وبدون تحضير, انفجر الغضب البرلماني الكويتي غير المسبوق في تعبيراته وحدته ومفرداته ضد الحكومة الكويتية واعضائها الحاضرين للجلسة والذين اخذتهم الدهشة من المبالغة في توظيف الكلمات والنعوت, واخذتهم الدهشة اكثر عندما وجدوا ان النائب احمد الربعي, المعروف باعتداله وبايجابيته, يتقدم صفوف المهاجمين ويخرج من حذره المعهود الى اتهام مواقف الحكومة بالجنون والتهور, بعد ان علم هو والنواب بتوجه الحكومة لاتخاذ اجراءات شديدة ضد صحيفتي الوطن والسياسة, على اثر نشر مرسوم مزور صادر من الديوان الاميري وبتوقيع سمو الامير يقرر فيه زيادة رواتب الضباط ومكافآتهم الاجتماعية. وقد كانت ردة الفعل البرلماني اكبر مما توقع الجميع, بعد ان تصور الاعضاء بان العقوبة التي فرضت على كل من جريدتي الوطن والسياسة تشكل ردة مبيتة ومخططا لها عن المسيرة الديمقراطية, وان العقوبة على صرامتها مؤشر على ان التوجه نحو التقييد والتراجع بدلا من التوسع في الحريات. وان حادثة التزوير جاءت فرصة استثمرها خصوم الديمقراطية للاجهاز عليها. كما تصور الاعضاء بان الاجراءات المنوي اتخاذها ستضع الكويت في مأزق سياسي واجتماعي لاتتحمله الكويت في ظروفها الحالية, وان مثل هذه الاجراءات فيها التنكر لشروط المبايعة التي تمت في اكتوبر 1990 في مؤتمر جدة, الذي ضم كل طوائف الكويت السياسية والاجتماعية وجدد فيه اهل الكويت التزامهم بالشرعية التي يجسدها دستور عام 1962. وقد تابعت الجلسة العاصفة التي بثها تلفزيون الكويت مساء الثلاثاء الخامس عشر من فبراير الجاري بشعور فيه الكثير من الاسى لانحدار التعبيرات التي تجاوزت المألوف في قاموس اللغة السياسية الكويتية, وفيه الكثير من التعاطف مع الوزراء الحاضرين تلك الجلسة والذين لم يكن لهم اي دور فيما رشح من الاجراءات التأديبية المنوي اتخاذها من قبل الحكومة ضد الصحيفتين وفيه كل الاسف على الحالة الكويتية, التي تدهورت الى هذا الحد من الارتجال والضياع والفوضى الفكرية والسياسية. وقد شعرت وانا اتابع الجلسة برجاحة المنطق الذي يردده اخواننا الخليجيون عن التراكمات السلبية للتجربة الكويتية كما جاء في تقرير صحيفة (الرأي العام) التي شارك نائب رئيس تحريرها جولة وزير الاعلام الكويتي الخليجية, وقيم في مقال طويل انطباعاته عما سمعه من ملاحظات خلال تلك الجولة. ولا جدال بان حكمة الامير الشيخ جابر الاحمد الجابر الصباح, والد الجميع, خلصت الكويت من ازمة حادة متوقعة وانقذت الجميع من مأزق مكلف لنا جميعا بما في ذلك لاخواننا في الخليج. وبصراحة فانني لا استطيع ان اضع اللوم على الحكومة في توجهاتها , كما لا استطيع ان اظلم مجلس الامة الكويتي في ردة الفعل الحادة والمؤلمة لتلك التوجهات لان الازمة ليست وليدة صراخ ومشاغبات برلمانية وغريزة جامحة للردع والعقاب , وانما اساس المشكلة هي المأزق الدائم الذي تجد حكومة الكويت نفسها فيه دائما وابدا, وستجد نفسها فيه في الحاضر والمستقبل. ويعود هذا المأزق الى الدستور الكويتي الذي يفترض ان تمارس الحكومة مسئولياتها التنفيذية والبرامجية على اساس من حسن النوايا وعناصر المروءة, ووفق قواعد النخوة واثارة الحس الوطني لدى النواب وبما يحقق التوافق الحكومي البرلماني في سن التشريعات واصدار القوانين. وقد ظهر من التجربة التي مرت بثلاثة عقود ان الاستنجاد بالاريحية البرلمانية, والاعتماد على النخوة الوطنية لدى النواب من منطلق مكانة التراث وتقاليد الاجداد, امر غير مضمون في السلوك السياسي, وان العبرة العملية والواقعية تفرض وجود اغلبية برلمانية لصالح الحكومة تمكنها من سن القوانين واقتراح التشريعات المناسبة للدولة وفق قناعات ودراسات ومعتمدة على شرعية دستورية تأخذ حقائق الحياة المعاصرة في حساباتها. ومن تجارب الكويت البرلمانية, وصلت الى قناعة بان الحكومة الكويتية, في وضعها الحاضر, وحسب نصوص دستورها الحالي, لا تستطيع ان تضمن نجاح اي خطوة تعتزم القيام بها لانها لا تملك اغلبية برلمانية, فلا يساندها حزب يتمتع بتواجد واسع في البرلمان, ولم تأت هي كحكومة من رحم حزب فاز في انتخابات وفق برنامج (مانيغستو) اعتمدت عليه في الحصول على اصوات الاغلبية. وقد لاحظنا بسبب ضيق المساندة البرلمانية لخطوات الحكومة, اتساع رقعة الشلل الذي اصاب الحكومة الكويتية, خاصة في الفترة التي اعقبت التحرير والتي استغل البرلمان جروح النظام للحصول على مكاسب في فرض قيود مطوقة لحرية الحكومة وحرية النظام في كامل التصرف. وليس هناك اكثر بلاغة من شلل الحكومة في حادثة التصويت على حقوق المرأة السياسية التي طرحت امام البرلمان برغبة اميرية سامية, وبدعم من عدد من النواب الليبراليين, غير ان التصويت جاء ضد رغبات الحكومة التي اخفقت في مساعيها, وتعطلت الرغبة الاميرية السامية لان قواعد اللعبة البرلمانية خارجة من يد الحكومة. كل حكومة في العالم تقود البرلمان بموجب حقوق الاغلبية التي تملكها, وتشرع حسب قناعاتها لانها تتعامل مع برلمانها وفق اللائحة الديمقراطية التي تفرض شرعية الاغلبية وتحمي حقوقها في قيادة الامة, نرى هذا الوضع في بريطانيا وفي الهند التي اهتزت قيادتها بسبب ضعف الاغلبية, وفي اليونان بل نراه حتى في ايران صاحبة الشورى المقيدة, وفي اي مكان آخر في هذه الدنيا. ويبدو ان واضعي الدستور الكويتي في بداية الستينيات, وهم من الخبراء المصريين, استشعروا مخاطر فراغ السلطة الذي قد تعيشه الكويت التي تشكل حكوماتها وفق لائحة النوايا الحسنة وليس وفق الاغلبية البرلمانية, فادخلوا شيئا مستحدثا في الحياة البرلمانية وهو حق الوزير غير المنتخب بان يكون عضوا في البرلمان بفضل عضويته في مجلس الوزراء, وصار مجلس الوزراء نتيجة لذلك الاستحداث عضوا في البرلمان لتعويض غياب الاغلبية الحكومية ولتمكين الحكومة من ممارسة الاداء الديمقراطي حسب قناعات الاغلبية, ومع ذلك لم تحقق حكومات الكويت, وبرغم من العضوية التلقائية لمجلس الوزراء في البرلمان, ما تحتاجه من تأمين دعم برلماني يساعدها في تمرير القوانين وفي تنفيذ برنامجها السنوي. ويمكن القول بان هذا الوضع هو منبع الازمات السياسية المتتالية التي تشهدها الكويت منذ الغزو, والتي وصلت الآن الى درجة عالية من السخونة لم تشهدها في تاريخها منذ التحرير. وقد سبب هذا الوضع تراكمات سياسية واقتصادية جلبت الشلل السياسي والكساد الاقتصادي في اجواء لم تستطع الحكومة تقديم المعالجة الواجبة لها, لانها وببساطة غير مسلحة بحق الاغلبية في البرلمان, فلجأت الى التأجيل, وتشكيل اللجان والتحاور مع النواب للاسترضاء والحصول على المؤازرة, دون ان تملك حقها في ممارسة السلطة القيادية مثل اي حكومة تمتلك اغلبية في برلمان منتخب. ولقد فجرت الازمة الحالية ايضا, مشاعر الضجر والتأفف من قبل افراد الشعب الذين سئموا التردد والتسيب والعجز عن القيادة وتحاشي القرار الصعب. ولا اجد من البلاغة اكثر مما جاء في افتتاحية صحيفة القبس الصادرة يوم السبت 19 فبراير الجاري. تقول القبس, في تعليقها على فشل الحكومات: اصبح رجوع الحكومات الى رئيس السلطات ( الامير) لاخراجها من مأزقها, تأكيدا على ما كنا نخشاه ونحذر منه, وهو خطورة ان تتحول الحكومات الى عبء على الحكم بدلا من ان تكون درعا له يقيه وينأى به عن الازمات, مثلما يحمي البلاد ويبعدها عن الانزلاق في تشعبات طرق المصادمات السياسية والادارية. وتضيف الصحيفة ـ في دعوة واضحة وصريحة للتغيير الجذري في القيادة السياسية قائلة ( نحن جميعا نعرف اين يكمن لب المشكلة ونعرف طريق حلها, فلنتعاون سويا ولنعقلها ونتوكل, فقد ترجمنا معنى الوفاء لمن اعطوا واجتهدوا وآن الآوان لان نترجم معاني العطاء والوفاء للوطن. ان ارادة التغيير تمليها الضرورات فلنحسمها ونتوكل). هذه صيحة تخرج من صدر حبس انفاسه لفترة طويلة وخارت قوته في تحمل ثقل المجاملات على حساب المصالح العليا للوطن. تصوري ان ازمة اليوم هي وليدة عيوب دستورية في وثيقة الكويت السياسية, وهي عيوب تفترض قدرة القيادة السياسية على الحكم والترشيح معتمدة على .. اخلاقيات موروثة ونوايا خيرة بدلا من الاعتماد الواقعي على اغلبية تستند على تواجد برلماني يسهل تمرير قرارات التنفيذ والتشريع. سيأتي اليوم القريب الذي تفكر فيه الكويت السماح بتشكيل احزاب بما فيها حزب النظام الذي يجب ان يحتكر الاغلبية ليضمن حق القيادة السياسية في الحكم والتحكم, لان جدول الاعمال الذي ينتظره شعب الكويت يتضمن قضايا بالغة الخطورة في حساسياتها وبالغة الاهمية في جوهرها, مثل الخصخصة, وقانون الاستثمار الاجنبي, امتياز الاستثمار النفطي لحقول الشمال, فرض الرسوم على الخدمات وغيرها, من لائحة واسعة تتطلب دعما واسعا من البرلمان لتحقيق طموحات واسعة.